مونديال إنفانتينو وترامب.. حين أصبحت كأس العالم عرضاً للقوة لا عيداً لكرة القدم

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/12 الساعة 22:10 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/12 الساعة 22:27 بتوقيت غرينتش

في 5 يوليو/ تموز 1982، في ملعب ساريا ببرشلونة، دخلت البرازيل المباراة وهي أقرب المنتخبات إلى الكأس؛ بفريق يلمع بأسماء زيكو وسقراط وفالكاو وسيريزو، يلعبون كرة بدت، في ذلك الصيف، الأجمل في تاريخ البرازيل.

أمامها وقفت إيطاليا بمهاجم نحيل يدعى باولو روسي، بوجه شاحب وبحال يُرثى لها، بعد أن أعاده المدرب إنزو بيرزوت إلى المنتخب بعد إيقاف عامين في فضيحة التلاعب بالنتائج، رغم أنه لم يلعب تقريباً طوال تلك الفترة.

بالنسبة إلى الجمهور والصحافة الإيطالية، كان استدعاؤه دليلاً جديداً على أن المدرب العجوز العنيد المدخن قد خرف فعلاً؛ إذ فضّل هذا الشبح الخارج من العتمة على روبرتو بروتسو، هداف الدوري الإيطالي مع روما وقتها.

في البداية، بدا أن الصحافة على حق. فلم يسجّل روسي هدفاً واحداً، وعبرت إيطاليا الدور الأول بثلاثة تعادلات باهتة أمام بولندا وبيرو والكاميرون، كأنها لا تريد الخروج ولا تعرف كيف تبقى. وكان روسي يتحرك في الملعب مثل ظلّ لاعب، وبدت ثقة بيرزوت به عناداً لا بصيرة. إلى أن جاءت مباراة البرازيل.

فسجّل روسي 3 أهداف، وأقصى البرازيل الأسطورية، وبعد صافرة النهاية وسط الصحافة، بحث بعينه عن بيرزوت، قائلاً: "انتهى الأمر! أنظر فوراً نحو بيرزوت. أدين له بالكثير، أدين له بهذا الفوز على حافة الواقع".

هكذا عاد روسي، على الطريقة الإيطالية، من جحيم دانتي إلى فردوس الكرة. ذلك "الشيطان النحيل"، كما وصفه محمود درويش، ظهر فجأة كطائرة قاذفة لا تُرى إلا بعد أن تكون قد تركت أثرها المدمّر. بعدها سجّل في بولندا، ثم في ألمانيا الغربية في النهائي، وصار هداف البطولة بـ6 أهداف وأفضل لاعبيها، وفتح لإيطاليا طريقاً إلى كأس عالم لم تلمسها منذ أيام موسوليني.

ومن بين ألقاب إيطاليا الأربعة، يتذكر الإيطاليون لقب 1982 بحميمية، بل وصلت المبالغة إلى حدّ أن ذلك الفوز أدّى إلى مصالحة وطنية، وكأن إيطاليا كلها استعارت جسد روسي النحيل لتقول شيئاً عن نفسها: بلد متعب، منقسم، مشكوك في قدرته على التماسك، ثم يستعيد صورته فجأة أمام دهشة العالم.

إذ كانت إيطاليا حينها خارجة من ما سُمّي "سنوات الرصاص"، وهو عقد من التفجيرات والاغتيالات والخوف الأيديولوجي، وتحمل فوق ذلك شروخاً أقدم، من تفاوت بين الشمال والجنوب، وتباعد بين اليسار واليمين، وبين الدولة والأقاليم، وبين اللغة الوطنية واللهجات المحلية، وذاكرة فاشية لا تريد العودة لكنها لا تغادر تماماً.

بالطبع، لم تشفِ كأس العالم كل تلك الجروح. إذ لا تفعل كرة القدم المعجزات السياسية بهذه الطريقة، مهما حاولت الشعارات أن تقنعنا. لكنها منحت الإيطاليين، لبضعة أيام، وهماً جميلاً بأنهم أمة واحدة. والوهم هنا ليس تهمة؛ فأحياناً تحتاج الأمم إلى وهم مؤقت كي تتنفس.

فحين رفع القائد دينو زوف الكأس في مدريد وهو في الـ40، ولوّح الرئيس الإيطالي حينها ساندرو برتيني في المقصورة كما لو أنه مشجع فقط لا رئيس جمهورية، بدا المشهد أكبر من مباراة نهائية.

في تلك الأوقات السعيدة في إيطاليا، وعلى بعد مئات الكيلومترات، في بلدة برّيغ السويسرية قرب الحدود الإيطالية، كان طفل في الـ12 يعيش تلك الليلة من موقع آخر ويحتفل. اسمه جياني إنفانتينو. ابن مهاجرين إيطاليين؛ أب يعمل في قطارات الليل التي تعبر جبال الألب، وأم تدير كشكاً في محطة القطار.

لم يكن يعرف أن كأس العالم ستصبح يوماً مسرحه الشخصي، ولا أن اسمه سيقف إلى جوار رؤساء وملوك وأمراء. كان فقط طفلاً من عائلة إيطالية في سويسرا، يعرف أن الانتماء، حين تكون مهاجراً، لا يأتي دائماً جاهزاً ولا مريحاً.

ربما من هنا يمكن فهم أهمية كأس العالم وزخمها في ذاكرة الملايين حول العالم. إذ تصلح طريقةً لقياس العمر واستعادة الزمن. فعلى سبيل المثال، تكفي صورة واحدة؛ لون العشب، وقصّات الشعر، والقمصان، وزرقة الصيف، كي لا تعرف من فاز فقط، وإنما أين كنت، ومع من كنت، وأي هموم هربت منها لساعتين. ففي لحظات نادرة، تتمكن الكأس من ربط الخاص بالعام: لاعباً بأمة، وطفلاً مهاجراً بعلم بلاد ربما لم تطأها قدماه من قبل.

لذلك ربما حفظ جياني إنفانتينو، في برّيغ السويسرية، شيئاً يتجاوز فوز إيطاليا: أن كرة القدم قد تمنح الإنسان هوية حين تضيق عليه الهويات في الحياة اليومية.

لكن المفارقة أن ذلك الطفل نفسه سيصير، بعد عقود، الرجل رئيس الفيفا. وسيستمر في القول إن كرة القدم توحد العالم، وإن الفيفا مزود رسمي للسعادة البشرية. لكنه في الوقت نفسه سيقف إلى جوار دونالد ترامب، الزعيم اليميني، في واشنطن، ويمنحه جائزة سلام، ويقدّم أكبر كأس عالم في التاريخ بوصفها احتفالاً كونياً.

عند هذه النقطة، يعود سؤال 1982 بطريقة معكوسة: ماذا يحدث حين يملك رجل وُلدت ذاكرته الكروية من هشاشة المهاجرين بطولةً تُدار الآن بمنطق الأغنياء والحدود والتذاكر الفلكية والسلطة؟

بدأت بطولة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. لكنها، من قبل أن تبدأ، لا تبدو بطولة عادية. فحتى في شكلها، صارت البطولة أضخم وأوسع من كل ما سبق: للمرة الأولى، يشارك فيها 48 منتخباً، وتُقام عبر 104 مباريات، في 3 دول و16 مدينة.

وهذا الاتساع رفع سقف توقعات الفيفا، إذ تشير تقارير صحفية إلى أن إيرادات الاتحاد الدولي قد تتجاوز 11 مليار دولار في دورته المالية الحالية، بما يجعلها النسخة الأكثر ربحية في تاريخ كأس العالم. وفي قلب هذا المشهد يقف جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، وقد صار أشهر من لاعبين كثيرين، وأكثر حضوراً في السياسة الدولية من بعض رؤساء العالم.

ومن هذا التصور التوسعي لإنفانتينو، من المفترض أن تكون كأس العالم بيئة آمنة للفيفا؛ بطولة ضخمة توفر الاستقرار، وتضمن العوائد التجارية، وتعيد إنتاج صورة اللعبة باعتبارها احتفالاً كونياً.

لكنها بدلاً من ذلك، تتحول إلى "كأس العالم الأكثر تعقيداً وحساسية وتجزئة في التاريخ". هذا ما قاله سيمون تشادويك، أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصاد الدولي للرياضة، وأحد أبرز خبراء العالم في العلاقة بين الرياضة والقوة والأسواق العالمية، لصحيفة "Folha" البرازيلية. لكن هل كان تشادويك يبالغ؟!

كأس العالم والعالم

في الواقع، لم تكن كأس العالم بريئة يوماً. فمنذ بداياتها، كانت البطولة أكبر من كرة القدم: اقتصاداً، وسياسةً، وصورةً، ومصالح.

وعلاقتها باقتصاد الدول التي تستضيفها، تحديداً، كانت دائماً ملتبسة. فهي لا تأتي بالأموال للبلاد كما يظن كثيرون. ويشرح الاقتصادي الأميركي أندرو زيمباليست، في كتابه "السيرك الأعظم: المقامرة الاقتصادية وراء استضافة الأولمبياد وكأس العالم"، أن الأحداث الرياضية الكبرى تُباع عادةً للجمهور بوصفها طفرة اقتصادية، ثم تظهر الفاتورة لاحقاً في شكل ديون، وملاعب قليلة الاستخدام، وعقود ضخمة، وإنفاق عام يصعب تبريره بعد انطفاء الأضواء.

فالفيفا لا تمنحك البطولة مجاناً. فهي تأتي ومعها قائمة طويلة من الشروط، تشمل بنية تحتية ضخمة، وملاعب عملاقة، وشبكات نقل، ومناطق مشجعين، وترتيبات أمنية، والتزامات قانونية وتجارية لا تنتهي. والقاعدة العامة أن تحتاج الدولة إلى ملاعب تتسع لعشرات الآلاف، وأن يقترب ملعب الافتتاح أو النهائي من 80 ألف متفرج. أي إن الاستضافة تبدأ، قبل أول صافرة، من المال العام والإنشاءات والضمانات.

فحتى مونديال ألمانيا 2006، وهو النموذج الذي يُستدعى غالباً بوصفه المثال الناجح، لم يكن صفقة مالية خارقة. كان، في أحسن تقدير اقتصادي، نموذجاً أقل خسارة وأكثر انضباطاً، لأن ألمانيا استفادت من بنيتها التحتية الموجودة بالأساس. فأنفقت نحو 1.9 مليار دولار على الملاعب، واستقبلت ملايين الزوار في مهرجانات المشجعين داخل 12 مدينة، وارتفع دخل السياحة بنحو 1.5 مليار يورو في أشهر البطولة. ورغم ذلك، ظل الأثر المباشر على الاقتصاد محدوداً، بنحو 0.14% فقط من الناتج المحلي.

فلماذا، إذن، تتسابق الدول على استضافة كأس العالم؟ هل هي بهذه السذاجة، أم أن هناك مكسباً آخر لا تظهره مؤشرات الاقتصاد؟

لماذا تريد الدول كأس العالم إذا كانت لا تربح؟!

للإجابة عن هذا السؤال، ربما ينبغي العودة إلى جوزيف ناي، أحد أبرز المفكرين الأميركيين في العلاقات الدولية، وصاحب نظرية "القوة الناعمة" التي شكّلت أفكار أجيال من صانعي القرار وعلماء السياسة في الولايات المتحدة والعالم. والفكرة، باختصار مُخلّ، أن تكسب الدولة النفوذ دون أن تطلق رصاصة، عبر الجاذبية والصورة والثقافة، وبقدرتها على أن تجعل الآخرين يرونها كما تريد أن تُرى. وهذا ما يُسمى أيضاً تسويق الأمة.

بهذا المعنى، تصبح كأس العالم، وأي محفل رياضي كبير، إعلاناً عالمياً مدته شهر. لا تشتري الدولة مباريات فقط، بل تشتري انتباهاً كوكبياً، لتحصل على فرصة كي تعيد تقديم نفسها كما تريد: حديثة، وآمنة، ومنفتحة، وغنية، وقادرة على التنظيم. حينها يكون السؤال كالتالي: كيف رأى العالم الدولة المستضيفة؟ أي صورة علقت في الذاكرة؟ وأي سردية خرجت من البطولة؟

وبالنسبة إلى كأس العالم، ليست هذه فكرة جديدة. فالسياسة حاضرة طوال تاريخ كأس العالم تقريباً. ففي عام 1934، أُقيمت البطولة وسط صعود الفاشية في أوروبا، وكان موسوليني يشاهد النهائي بحماس في المدرجات بجوار جول ريميه، رئيس الفيفا آنذاك وصاحب فكرة كأس العالم نفسها.

الديكتاتور الإيطالي الفاشي بينيتو موسوليني – Flickr

وبعد عقود، حوّلت الحرب الباردة البطولة إلى منصة رمزية للانقسام بين الكتل السياسية، كما حدث في كأس العالم 1974 في ألمانيا الغربية. وفي الأرجنتين عام 1978، جاءت البطولة تحت حكم عسكري دموي أراد أن يجعل الملاعب ستاراً للصمت. ثم في إيطاليا 1990، عكست كرة القدم مرة أخرى تحولاً أوسع في النظام العالمي، هذه المرة في ظل انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة توحيد ألمانيا.

لهذا ارتبط مصطلح "الغسيل الرياضي" بكأس العالم. فالفكرة، ببساطة، أن تستخدم دولة أو سلطة حدثاً رياضياً كبيراً كي تظهر أكثر انفتاحاً وحداثة وإنسانية ما هي عليه.

بمعنى أن النظام المستضيف يريد أن يقول للعالم: تعالوا، نحن لسنا كما تقول التقارير. انظروا إلى الملاعب، وإلى الفنادق، وإلى المترو، وإلى الجماهير السعيدة. حتى حين يكون الخطاب كاذباً، فهو يعترف ضمنياً بأن السمعة مهمة، وأن هناك عالماً يجب إقناعه.

ترامب لا يغتسل بكأس العالم؟

لكن ترامب لا يعمل بهذه الطريقة تماماً. وهذه نقطة جوهرية في مونديال 2026، فرئيس أقوى دولة في العالم وحامية العالم الحر لا يستقبل العالم بأذرع مفتوحة، وما يفعله لا يشبه الغسيل الرياضي الكلاسيكي بقدر ما يشبه إعلاناً صريحاً عن زمن جديد؛ زمن لا يشعر فيه الرؤساء الأقوياء، أو العظماء، كما يحب ترامب وصف الأشياء، بالحاجة إلى الاعتذار عن قسوتهم.

فترامب لا يستضيف العالم كي يثبت أنه أكثر تسامحاً ما يظن خصومه. هو يستضيفه بلا رغبة في التجمّل، وعلى الصورة التي يحبها: بحدوده، وشرطته، وولعه بالأغنياء، واحتقاره للفقراء، وعباراته عن "الأشخاص المناسبين" الذين يجب أن يدخلوا البلاد.

فبحسب مجلة "جاكوبين" الأميركية، "ترامب غير مكترث ببناء شرعية عالمية، أو بصرف الانتباه عن انتهاكات حقوق الإنسان في الداخل. صحيح أنه لن يمانع إذا شغلت البطولة الناس عن ملفات إبستين، وهو سعيد بالتأكيد بأن يرتبط بشيء ذي شعبية وهيبة عالميتين مثل كأس العالم. لكن ترامب لم يكن قط من النوع الذي يخفف سلوكه إرضاءً للجمهور، سواء في الداخل أو الخارج."

في النسخ القديمة من الغسيل الرياضي، كان النظام يحاول أن يخفي القبح خلف الاحتفال. في نسخة ترامب، يصبح القبح نفسه جزءاً من الاحتفال. الرسالة ليست: نحن أفضل ما تعتقدون. الرسالة أقرب إلى: نحن هكذا، وسنقيم أكبر حدث كوني وفق شروطنا. من يستطيع الدفع والدخول فليأتِ. ومن تقف جنسيته أو بشرته أو جواز سفره أو فقره في الطريق، فليتعلم مبكراً شكل العالم المقبل.

وكأن كأس العالم تتحول هنا إلى منصة لاستعراض العالم الذي يريده ترامب: عالم شجاع في وقاحته، يفرض القيود على الفقراء والمهاجرين، ويطلق المتعة للأغنياء.

وفي حادثة غير مسبوقة في تاريخ كأس العالم، تشن الدولة المضيفة، وهي الولايات المتحدة، حرباً مع دولة مشاركة، وهي إيران، ثم لا تستطيع حتى الالتزام بضمان سلامة منتخبها أثناء البطولة.

فبحسب تقارير صحفية، كان من المقرر أن يعسكر الفريق في توسان بولاية أريزونا، قبل أن تُنقل تحضيراته إلى تيخوانا في المكسيك بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران. كما مُنع عدد من أفراد الفريق من الحصول على التأشيرات.

أما بالنسبة إلى لاعبي منتخب أوزبكستان وطاقمهم، بقيادة فابيو كانافارو، فلم يجد ترامب مانعاً في استضافتهم، لكنهم استُوقفوا بشكل خاص قبل مباراة ودية في نيويورك، وفُتحت حقائبهم، وفُرغت جيوبهم، ومرّ الكلب على الأمتعة.

أما منتخب السنغال فقد ظهر في مشاهد تفتيش دقيقة على أرض المطار قبل رحلة داخلية. قد تقول السلطات إن هذه إجراءات أمنية عادية، لكن المشهد نفسه لا يبدو عادياً حين يُقرأ داخل سياق بطولة يُفترض أنها تستقبل العالم.

أما الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي كان يستعد ليصبح أول حكم صومالي في كأس العالم، فمُنع من دخول الولايات المتحدة رغم حصوله على الفيزا واختياره للبطولة من قبل الفيفا.

ولا يقف الأمر عند ذلك، فمع دوران آلة الترحيل الأميركية بكامل طاقتها، تحضر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) كظل ثقيل فوق المونديال. لا توجد ضمانات واضحة تمنع عناصر الوكالة من الوجود في محيط الملاعب، أو قرب مناطق تجمع الجماهير، أو في فضاءات المشجعين التي يُفترض أن تكون جزءاً من الاحتفال العالمي.

لذلك طالبت منظمات حقوقية، قبيل انطلاق كأس العالم، بـ"هدنة" خلال البطولة؛ أي تعهداً بعدم تنفيذ عمليات توقيف أو ترحيل في أيام المباريات، أو داخل مناطق المشجعين وحولها. فحتى أواخر أبريل/ نيسان 2026، كان 17 شخصاً قد توفوا داخل مراكز احتجاز تابعة للوكالة نفسها، وفق تقارير حقوقية.

وعلى طريقة ترامب والصفقات، دخلت كأس العالم، للمرة الأولى في تاريخها الذي يقترب من قرن، منطقاً يشبه المزاد العلني. يسميه إنفانتينو "التسعير الديناميكي": كلما زاد الطلب على التذكرة، ارتفع سعرها.

هكذا قفز أعلى سعر رسمي لتذكرة نهائي ميتلايف إلى 10 آلاف و990 دولاراً، بعدما كان أغلى مقعد في نهائي قطر 2022 بنحو 1600 دولار. وعلى منصة إعادة البيع التابعة للفيفا، وصلت بعض تذاكر النهائي المعروضة إلى ما يقارب 2.3 مليون دولار للتذكرة الواحدة. صحيح أن الفيفا لم يضع هذا السعر بنفسه، لكنه ترك الباب مفتوحاً بلا سقف واضح، ثم أخذ 15% من البائع و15% من المشتري.

باختصار، قنّن الفيفا السوق السوداء، ثم جلس في موقع السمسار.

لهذا فتحت نيويورك ونيوجيرسي تحقيقاً في ممارسات الفيفا الخاصة ببيع التذاكر. وقالت المدعية العامة في نيوجيرسي إن شراء تذكرة للمونديال تحوّل إلى "متاهة من الارتباك والندرة الوهمية والأسعار المستحيلة".

إنفانتينو يمنح ترامب المسرح

ورغم الانتقادات الواسعة لطريقة تعامل الولايات المتحدة مع استضافة البطولة، لم تفعل الفيفا، في جوهر الأمر، سوى أن منحت ترامب ما يحتاجه تماماً: مسرحاً عالمياً لا يطالبه بأن يخفف من نفسه.

في كتابه "البطاقة الحمراء: كأس العالم 2026، والغسيل الرياضي، و"آلة" جشع الفيفا"، يكتب عالم السياسة الأميركي ولاعب كرة القدم السابق جولز بويكوف أن "في عهد ترامب نشهد انزلاقاً بطيئاً نحو السلطوية. استضافة كأس العالم تساعد، بلا لبس، في هذا الانحدار القاتم". ثم يمضي أبعد من ذلك، فيرى أن "أكثر من أي قائد آخر في الرياضة، سهّل إنفانتينو الانعطافة العالمية نحو الفاشية".

تبدو العبارة قاسية، وربما متعمدة القسوة، لكنها لا تأتي من فراغ. فرئيس منظمة تعلن التزامها بالحياد السياسي لم يتردد، في محطات كثيرة، في اختيار طرف. حين غزت روسيا أوكرانيا، تحركت الفيفا سريعاً لإقصائها من المنافسات. لكن إسرائيل واصلت المشاركة كالمعتاد، رغم حرب الإبادة التي تشنها على غزة ولبنان.

وحتى حين سُئل إنفانتينو عن أزمات التأشيرات ومنع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة، لم يقدّم ضمانة كبرى. قال إن الفيفا "ليست ملكة العالم" ولا تستطيع أن تحكم على الحكومات والشرطة، وإنها مجرد منظمة رياضية تحاول إيجاد حلول.

غير أن هذا التواضع المؤسسي يختفي سريعاً حين نتذكر أن إنفانتينو نفسه يحب أن يذكّر الناس بأن لدى الفيفا أعضاء أكثر من الأمم المتحدة. وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت المنظمة شراكة مع "مجلس السلام" التابع لترامب عند إطلاقه في واشنطن العاصمة.

قدّم إنفانتينو ما بدا أنه فيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي عن "منظومة كرة قدم" جديدة بقيمة 75 مليون دولار ستُعاد بها، وفقاً لطموحاته، صناعة "الناس، والعاطفة، والأمل، والثقة"، واستاد يتسع لـ20 ألف متفرج فوق الركام الذي شارك ترامب نفسه في صنعه من الأصل، بل واختراع جائزة سلام باسم الفيفا مخصوصاً لترامب.

لفهم هذا التماهي مع ترامب، لا يكفي أن نرى إنفانتينو كرئيس اتحاد يبحث عن دولة مضيفة قوية. في مقالة بعنوان "كأس العالم بحسب جياني إنفانتينو"، في "النيويوركر"، يلتقط سام نايت رجلاً أكثر تركيباً من ذلك: ابن مهاجرين إيطاليين في سويسرا، تشكلت ذاكرته الأولى مع مونديال 1982، حين عبر مع عائلته إلى إيطاليا للاحتفال بفوز الأزوري، وكانت أمه قد خاطت العلم الإيطالي من قطع قماش لأن الأعلام نفدت من الأسواق. تلك الصورة، في أصلها، رقيقة: طفل مهاجر يرى في كرة القدم تعويضاً صغيراً عن هشاشة الانتماء. لكن الطفل نفسه سيكبر ليصبح الرجل الذي يتصرف كما لو أن ذاكرة العالم الكروية كلها تمر عبر مكتبه.

لا يقدّم سام نايت إنفانتينو في "النيويوركر" كشرير واضح، وهذا ما يجعل صورته أكثر إزعاجاً. فهو ليس بيروقراطياً بارداً بلا حكاية؛ يعرف اللوائح، ويجيد اللغات، وصعد من مكاتب اليويفا وغرف القرعات إلى رئاسة الفيفا بعد سقوط بلاتر وبلاتيني. وهناك فهم سريعاً أن حكم كرة القدم لا يقوم على الشعارات وحدها، بل على المال، والأصوات، والقدرة على مخاطبة الاتحادات الصغيرة بوعد بسيط: المزيد.

لذلك، كما يرى نايت، تقوم فلسفة إنفانتينو على المزيد: المزيد من المنتخبات، والمزيد من المباريات، والمزيد من البطولات، والمزيد من الأموال، والمزيد من حضور الرئيس نفسه. في ظاهرها تبدو ديمقراطية كروية متأخرة؛ توسيع المشاركة ومنح الأطراف نصيباً من الثروة. لكن المال، حين يمر دائماً من القمة، لا يبقى تنمية فقط؛ بل يصير شبكة ولاء. والرئيس الذي يفتح الخزائن يملك، عملياً، كثيراً من الأصوات التي يُفترض أنها تراقبه.

لذلك تبدو علاقته بترامب أكثر من مجاملة لرئيس دولة مضيفة. فكما يلمّح نايت، إنفانتينو رجل "لا يمكن أن يكون أكثر أوروبية مما هو عليه"، ومع ذلك لا يكف عن توبيخ الغرور الأوروبي ومركزيته، كأنه يعلن تمرّده على أوروبا القديمة. غير أن هذا التمرد لا يصدر عن إنصاف حقيقي لبقية العالم، بل يتحول إلى لغة نافعة تفتح له الأبواب مع قادة خارج المركز الأوروبي. ومن بينهم ترامب: رجل يحب المسرح، بينما إنفانتينو يملك المسرح.

لا يحتاج ترامب من كأس العالم أن تغسل صورته بقدر ما يريدها أن تقبل صورته كما هي: الحدود، والأسعار، والاستعراض، واللغة الفظة للسلطة. أما إنفانتينو فيمنحه الغطاء الكوني: بطولة أكبر من كل ما سبق، وجائزة سلام، وخطاباً لا يتعب من القول إن كرة القدم تجمع البشر.

لكن المشكلة أن الفيفا، في عهده، لا تجمع العالم بقدر ما تعيد ترتيبه حول من يستطيع الدفع والعبور والجلوس قرب المنصة.

تحميل المزيد