يتفاخر المسؤولون الإسرائيليون يوم الثلاثاء 17 مارس/آذار 2026 باغتيال علي لاريجاني الأمين العام للمجلس القومي الإيراني، والذي يكاد يكون أهم شخصية في إيران بعد اغتيال المرشد آية الله علي خامنئي وعدد من القادة الآخرين٬ باعتباره "إنجازاً استخباراتياً" ودليلاً على "البراعة العسكرية"٬ فيما يقول الإيرانيون إن الرجل لم يكن مختبئاً وكان يتجول في الشوارع خلال الأيام الماضية.
غير أن اغتيال شخصية مخضرمة وبراغماتية وسبق لها أن انخرطت في الحوار مع الغرب عدة مرات مثل لاريجاني٬ يثير أسئلة حول ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة تقتلان قادة إيرانيين -يمكن للنظام ملء الفراغ مكانهم مباشرة- بقادة أكثر تشدداً وتصلباً وتحدياً لواشنطن وتل أبيب٬ حيث يحمل هذا النهج خطراً بأن تنقلب الأمور على أمريكا إسرائيل بطرق غير متوقعة وتأتي بنتائج عكسية تماماً. فكيف ذلك؟
الضربات ترتدّ عليهما: أمريكا وإسرائيل تستبدلان قادة إيرانيين بآخرين أكثر تشدداً
رغم حالة التباهي في تل أبيب وواشنطن بقتل القادة الإيرانيين مثل آية الله علي خامنئي وعلي لاريجاني وعلي شمخاني وغيرهم٬ إلا أن العديد من الخبراء لدى الطرفين حذّروا من ارتداد هذه الضربات على أمريكا وإسرائيل سلباً٬ فبدلاً من إضعاف النظام الإيراني سيزداد قوة وتصلباً وعناداً٬ بناء على سيرة كل قائد جديد يأتي لملء الفراغ.
وتقول صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن اغتيال هؤلاء القادة لن ينهي الحرب قريباً وسيضعف هامش المناورة الدبلوماسية ويُضعف وجود أصوات يمكن التفاهم معها نسبياً٬ وهذا سيأتي بقادة لا يتفاهمون مع أمريكا وإسرائيل إلا بالمزيد من النار. فمثلاً اغتيال آية الله خامنئي الذي كان يناور كثيراً٬ أو قائد "براغماتي" إيراني مثل علي لاريجاني٫ يرفع حظوظ قادة آخرين أكثر تشدداً ضد أمريكا وإسرائيل٬ مثل المرشد الجديد مجتبى خامنئي٬ وسعيد جليلي٬ ومحمد باقر قاليباف وغيرهم.
وهذا ما تؤكده الاستخبارات الأميركية بالفعل بعد اغتيال لاريجاني٬ أن "الاغتيالات أصبحت تأتي بنتائج عكسية.. النظام الإيراني يتصلّب والحرس الثوري يزداد تشدداً ونفوذًا"٬ وتقول واشنطن بوست٬ إن تقييمات الاستخبارات الأمريكية الحالية هو أن النظام الإيراني من المرجح أن يبقى في مكانه في الوقت الحالي، ربما ضعيفاً لكنه أكثر تشدداً، مع ممارسة الحرس الثوري الإسلامي سيطرة أكبر على القرارات.
وتقول تقييمات الاستخبارات إن الحرب تزداد شراسة وتكاليفها تتزايد، حيث بلغت حتى 16 مارس/آذار ما يقارب 12 مليار دولار أمريكي، بالإضافة إلى مقتل 13 جندياً أمريكياً وجرح عشرات آخرين٬ وتعرض القواعد الأمريكية في المنطقة لأضرار بعضها بالغة. وقد أدى تضييق إيران الخانق على مضيق هرمز إلى تباطؤ حركة الملاحة البحرية بشكل كبير، مما تسبب في اضطراب تاريخي في إمدادات النفط عالمياً.
ويقول مسؤولون ومحللون غربيون أنهم لا يرون احتمالاً يُذكر على المدى القريب لحدوث تغيير في النظام ينهي الجمهورية الإسلامية التي مضى عليها 47 عاماً، أو لظهور حكومة أكثر ديمقراطية بل على العكس تماماً. ويُعدّ هذا الأخير هدفاً ذكره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأحياناً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صرّح بأنه سيعرف أن الحرب قد انتهت "عندما أشعر بذلك في أعماقي"٬ على حد تعبيره.
ومع استمرار وتيرة الاغتيالات لكبار القادة في طهران٬ تتوقع تقييمات الاستخبارات الأمريكية الصادرة منذ بدء الحرب أن يبقى النظام الإيراني متماسكاً، بل وربما يزداد قوة وجرأة على أفعال لم تكن في الحسبان، وذلك وفقاً لشخصين مطلعين على هذه التقييمات، نقلت عنهما صحيفة واشنطن بوست.
فيما يقول مسؤول أوروبي إن السيناريو الأرجح لما بعد الحرب هو ظهور "نظام الحرس الثوري الإيراني" في طهران والذي سيحتفظ ببعض القدرات النووية والصاروخية بالإضافة إلى دعم الوكلاء الإقليميين، على الرغم من أن النظام سيكون "متدهوراً بما يكفي لنكون في وضع أفضل مما كنا عليه"٬ بحسب تعبيره.
وقال ريتشارد نيفيو، كبير مستشاري الشؤون الإيرانية في إدارتي بايدن وأوباما، والذي يشغل الآن منصب باحث في جامعة كولومبيا: "يمتلك الحرس الثوري الإيراني قوة اقتصادية، وقوة سياسية، وجهاز أمن داخلي. إنه في جوهره الآن محور نظام السلطة داخل البلاد". لذلك فإن الحرب والاغتيالات – على عكس ما يُشاع – لم تُرهِق الحرس الثوري الإيراني، بل على الأرجح زادت من عزيمته. لكنه أضاف: "هذا لا يعني أن نقص المياه والطاقة والأزمة الاقتصادية في إيران قد تُجدد الاحتجاجات الشعبية بعد بضعة أشهر".
الاغتيالات ستصعّب على واشنطن إيجاد مخرج للحرب
اغتيال قادة الصف الأول قد يُربك الإيرانيين لوقت قصير٬ لكنه قد يُعيد تشكيل هرم السلطة داخل طهران بطريقة تُضيّق أي نافذة دبلوماسية. فبينما تراهن إسرائيل على استراتيجية "قطع الرأس" لتفكيك منظومة القرار الإيرانية وإحداث الفوضى في البلاد، سيحدث العكس.
يقول خبراء أمريكيون إن لاريجاني كان يمثل الجناح المتشدد في البلاد لكنه كان يمتلك لغة تواصل مع الغرب لا يمتلكها كثيرون في الدائرة الصلبة. الفارق لدى الأمريكيين وجود شخصية قادرة على إدارة التوازن بين المؤسسات العسكرية والأمنية والواجهات السياسية، وعلى ترجمة رسائل النظام إلى قنوات خارجية، بما يخلق هامش مناورة حين تبحث واشنطن عن مخارج للحرب أو صيغٍ لخفض التصعيد.
وتقول صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية٬ إن دبلوماسيين غربيين وصفوا لاريجاني بأنه جمع بين "الخشونة" والانفتاح على الحوار، وأنه كان من القلائل الذين يمكن أن يدفعوا إلى اتصال مع الغرب في لحظة تسوية. وتقول سانام فاكيل من معهد "تشاتهام هاوس" إن مقتله يفتح الباب لمرشحين "مجهولين أو غير مختبرين قد يكونون أكثر تشدداً ويشكلون المزيد من المشاكل لأمريكا".
ومن زاوية أميركية بحتة، ربطت صحيفة "التايمز" البريطانية بين اغتيال لاريجاني وبين فرص الرئيس الأميركي في صناعة "صفقة" تُغلق الحرب قبل أن تتحول لحرب استنزاف. فبحسب دبلوماسيين غربيين تحدثوا للصحيفة٬ كان لاريجاني من النوع الذي قد "يمكن التعامل معه" إذا أرادت واشنطن التفاوض.
لكن الصحيفة تضيف: من المرجح أن يُستبدل بوجوه أكثر تصلباً مثل سعيد جليلي الذي عُرف سابقاً بتشدده في التفاوض النووي، وأن الأوروبيين وجدوه في محطات سابقة "صعباً إلى حد الاستحالة". هنا يصبح استمرار الاغتيالات على طريقة نتنياهو ليس فقط ضربة لرأس النظام في إيران، بل أيضاً ضربة للأدوات التي قد تحتاجها واشنطن لإنهاء الحرب.
إيران تمتلك "مقاعد احتياط واسعة"
في السياق٬ نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين إسرائيليين أنهم يرون في استمرار الاغتيالات "فرصة لانهيار النظام وأن يتولى الإيرانيون مصيرهم"، لكن الصحيفة تنقل عن خبراء إسرائيليين قولهم إن اغتيال القادة الإيرانيين مثل لاريجاني "مضاداً للغرض"٬ حيث سيقوي شخصيات أكثر تشدداً داخل الحرس الثوري أو في البرلمان، لأن هؤلاء هم من يديرون الحرب فعلاً، وتقويتهم تعني استمرار المقاومة ورفع سقف التفاوض لاحقاً إلى مستوى غير مقبول لواشنطن وتل أبيب.
وفي المقابل، يذكّر ضابط استخبارات إسرائيلي سابق بأن إيران تمتلك "مقاعد احتياط واسعة"٬ ولن تواجه مشكلة في القادة٬ حتى بعد اغتيال قادة جماعات مثل حماس وحزب الله، بقيت التنظيمات تعمل بدرجات متفاوتة. بمعنى أن الاغتيال يُنتج "فراغاً" يمكن ملؤه سريعاً ولا يضمن تغييراً في الاتجاه أو الاستسلام.
وتشير صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى جانب آخر من الصورة٬ وهو أن قتل رئيس قوات الباسيج مع علي لاريجاني قد يدفع القيادات الإيرانية المتبقية إلى الاختفاء وتقليل الاتصالات خوفاً من التتبع ورفع وتيرة الحرب. لكنها في الوقت نفسه تُذكّر بأن النظام كان قد أعدّ بدائل مسبقة، وأن عمق المؤسسة الأمنية -وعلى رأسها الحرس الثوري- يجعل الانهيار بعيداً وغير مرجح.
وتضيف الصحيفة الأمريكية أن طهران تمتلك أسماء كثيراً في الدائرة الصلبة وهم أصحاب خبرات طويلة وشهدوا الثورة الإسلامية منذ بداياتها، مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف٬ وهو أيضاً ذو خلفية في الحرس الثوري٬ ما يوحي بأن انتقال الثقل إلى أجنحة أكثر عسكرة احتمال قوي.
لماذا تواصل واشنطن السير في طريق تعرف أنه قد يرتد عليها؟
إذا كانت أجهزة الاستخبارات تحذر من "نتائج عكسية" ونظام أكثر تشدداً، وحرس ثوري أكثر نفوذاً٬ فلماذا تستمر واشنطن في التمرير لاغتيال تل أبيب للقادة الإيرانيين؟
أولاً: منطق فرض القوة الغاشمة: تتعامل الإدارة الأميركية مع الحرب كحزمة ضغط قصوى: تدمير قدرات الصواريخ والبحرية والبنية القيادية لانتزاع تنازلات تتعلق بالمشروع النووي والصواريخ الباليستية. "واشنطن بوست" تشير إلى أن البيت الأبيض ووزارة الدفاع يفاخران بحجم الأهداف التي ضُربت٬ ومن غير الواضح أن واشنطن ستتراجع قريباً.
ثانياً: استثمار رمزي داخلي وخارجي: اغتيال شخصيات تقف على رأس النظام الذي قال لأمريكا "لا" طوال خمسة عقود٬ أمر تراه إدارة ترامب "ضربة لرأس الشر" الذي يهدد أمريكا ومصالحها٬ وهو يسهل تبرير الحرب أمام الجمهور الأمريكي.
ثالثاً: غياب تصور لمستقبل الحرب: تنقل صحيفة "نيويورك تايمز"، عن آمي أيالون، البالغ 80 عاماً، وهو قائد سابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي وللبحرية الإسرائيلية، انتقاده لغموض الأهداف الأمريكية الإسرائيلية٬ وقابلية النتائج غير المقصودة لإنتاج "فوضى" ستطال الشرق الأوسط برمته.
ويشبّه أيالون الاكتفاء بقتل "الملك" في الشطرنج بسذاجة سياسية حين يكون الصراع أيديولوجياً. وقال: "لنفترض أن نتنياهو على حق٬ سيستغرق الأمر أشهراً أو سنوات لإتمام المهمة في إيران. لكن هناك ملايين من الناس في إيران وخارجها يعتمدون على النظام، وهم يدركون أنه في اليوم التالي للحرب سيتم ذبحهم. وسيقاتلون ويقتلون كي لا يروا ذلك يحدث". وأضاف: "في الشطرنج، هناك لاعبون أغبياء يظنون أن قتل الملك يكفي للفوز. لكن في حالة الأيديولوجيا، يلعب كل لاعب دوراً رئيسياً في ساحة المعركة".
رابعاً: إسرائيل أقل اهتماماً بالتفاوض مع طهران: لا تريد تل أبيب العودة إلى أي تفاوض مع النظام الإيراني الحالي٬ فهي لا تبدي اهتماماً سوى بإدامة معادلة تدمير واستنزاف طهران٬ ومنع أي عودة أميركية نحو التفاهمات مع طهران.
وتشير صحيفة "التايمز" تلمّح إلى اختلاف جوهري بين ترامب ونتنياهو حول الغاية: حيث يميل ترمب إلى صفقة تُعلن "نهاية حرب تُسجل كنصر سياسي" ومكاسب اقتصادية، بينما نتنياهو لا يرى أن أي صفقة مع الجمهورية الإسلامية ممكنة أصلاً، وقد بنى مسيرته على مواجهة إيران٬ فهو لن يتوقف قريباً طالما أنه يحظى بالدعم والغطاء الأمريكي.