خارطة الانتشار العسكري الأوروبي في الشرق الأوسط خلال الحرب على إيران 

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/18 الساعة 15:16 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/18 الساعة 15:25 بتوقيت غرينتش
خريطة الانتشار العسكري الأوروبي في الشرق الأوسط خلال الحرب على إيران/عربي بوست

مع تصاعد الحرب على إيران، عاد الشرق الأوسط ليصبح ساحة اختبار جديدة لخارطة الانتشار العسكري الأوروبي خارج حدود القارة المباشرة. 

وبينما سارعت الولايات المتحدة إلى نشر قدراتها الضاربة، تحركت القوى الأوروبية، خصوصاً بريطانيا وفرنسا، بوتيرة محسوبة، تجمع بين الردع والدفاع عن مصالحها وحلفائها في الشرق الأوسط دون الانخراط الكامل في العمليات الهجومية.

لكن هذا الحضور، رغم رمزيته السياسية، كشف عن حدود القدرات الدفاعية لأوروبا وعن فجوات مقلقة في الجاهزية العسكرية للقارة العجوز.

ووُصف هذا التدخل والانتشار بأنه "أول اختبار حقيقي" للقدرات الأوروبية منذ أن تعرّض قادة القارة لضغوط من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لزيادة الإنفاق العسكري وزيادة أعداد القوات وتحمّل مسؤولية أكبر عن دفاعاتهم.

وعلى الرغم من رفض قادة أوروبا الانضمام إلى الهجمات على إيران أو المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، فقد استجابوا للحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط — في واحدة من أوسع عمليات التعبئة في القارة في السنوات الأخيرة — بإرسال سفن حربية وطائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي لحماية القواعد والحلفاء في المنطقة.

وكانت فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وأوكرانيا أبرز الدول الأوروبية التي ساهمت بإرسال سفن حربية وحاملات طائرات وخبراء إلى الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط.

فيما رفضت دول مثل بولندا إرسال أي قوات إلى الشرق الأوسط لأن الصراع لا يؤثر بشكل مباشر في أمنها، حسب تصريح لرئيس الوزراء البولندي دونالد توسك.

ما هي خارطة الانتشار العسكري الأوروبي خلال الحرب على إيران؟

1- بريطانيا

بعد أن استهدف هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص الأسبوع الماضي، تعهد رئيس الوزراء كير ستارمر بنشر المدمرة (إتش إم إس دراغون) في شرق البحر المتوسط، أملاً في طمأنة حلفاء بريطانيا القبارصة.

كما أرسلت بريطانيا 4 طائرات مقاتلة مزودة بصواريخ، و4 مروحيات، وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة للدفاع عن القواعد في دول الخليج ضد الهجمات الإيرانية المضادة، وسُمح لقاذفات القنابل الأمريكية بشن ضربات دفاعية ضد إيران انطلاقاً من القواعد البريطانية، بحسب بيان حكومي بريطاني.

ورغم أن هذه التحركات كانت تهدف إلى استعراض القوة، إلا أنها أبرزت أيضاً تراجع الموارد العسكرية البريطانية. فقد غادرت المدمرة إلى قبرص بعد أكثر من أسبوع من الهجوم، ما أثار تساؤلات حول جاهزية بريطانيا القتالية، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.

بريطانيا
القواعد العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط/عربي بوست

وخلص تحليل حديث أجراه المعهد الملكي للخدمات المتحدة إلى أن مساهمة بريطانيا في الدفاعات الجوية للشرق الأوسط لم تكن سوى "مجرد وخزات" في سياق الجهود الأمريكية-الإسرائيلية الأوسع نطاقاً لكبح جماح رد إيران.

ووفقاً للتحليل، فإن القوات المسلحة البريطانية قد "تقلصت" لدرجة أن "الواقع العملي سيقيد ما يمكن أن تفعله المملكة المتحدة" رداً على الحرب.

2- فرنسا

أرسلت فرنسا نحو 12 سفينة إلى البحر المتوسط والخليج العربي. وتشكل هذه القوة نحو 60% من أسطول فرنسا الحربي، وفقاً لفينسنت غرويزيلو، رئيس تحرير مجلة "البحر والملاحة" الفرنسية المتخصصة في الشؤون التجارية.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نشر 8 سفن حربية وحاملتي طائرات هليكوبتر وحاملة الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية شارل ديغول، مع 20 طائرة مقاتلة من طراز رافال في شرق البحر المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط.

ويهدف هذا الانتشار إلى حماية المواطنين الفرنسيين في المنطقة، والدفاع عن الحلفاء بما في ذلك قبرص، وضمان سلامة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وتربط فرنسا اتفاقيات دفاعية رئيسية بالعديد من دول المنطقة، بما فيها قطر والكويت والإمارات، حيث تحتفظ بقاعدة دائمة في أبوظبي، بحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس.

وأشار بعض المحللين إلى أن هذا الانتشار أجبر فرنسا على الانسحاب ما وصفه مسؤول في حلف الناتو بأنه مهمة استعراض للقوة لردع روسيا في بحر البلطيق.

الانتشار العسكري الأوروبي
الانتشار العسكري الأوروبي في الشرق الأوسط/عربي بوست

وقال آخرون إن فرنسا أظهرت لحلفائها في العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة أن باريس حليف يمكن الاعتماد عليه، وأن سرعة الانتشار قد تفوقت على بريطانيا.

وقال غرويزيلو لصحيفة نيويورك تايمز: "لم تنشر أي قوة بحرية أوروبية هذا العدد الكبير من الأصول منذ حرب الخليج". وأضاف أن هذا الانتشار يبعث برسالة إلى روسيا والولايات المتحدة مفادها أن أوروبا "ليست ضعيفة".

وقال: "لدينا أصول، ونحن قادرون على التدخل بسرعة كبيرة، ونحن قادرون على الدفاع عن أنفسنا".

وقال إيلي تيننبوم، خبير الأمن في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وهو مركز أبحاث في باريس، إن مزايا الانتشار في الخليج تفوق تكاليف الانسحاب المؤقت من المياه قبالة سواحل روسيا.

3- إيطاليا

نشرت إيطاليا فرقاطة صواريخ للدفاع عن قبرص، لتنضم بذلك إلى القوات البحرية الأوروبية، بما فيها بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا. 

كما وافقت على إرسال صواريخ ستينغر محمولة على الكتف، ومدفعية مضادة للطائرات المسيّرة، وأنظمة دفاع جوي أخرى للمساعدة في الدفاع عن حلفائها في الخليج.

والتقى وزير الدفاع الإيطالي، غيدو كروسيتو، بأكثر من 100 مسؤول في الصناعات العسكرية خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وطلب منهم "تسخير جميع الموارد" لمساعدة دول الخليج، وفقاً لما ذكره روبرتو سينغولاني، الرئيس التنفيذي لشركة ليوناردو للمقاولات الدفاعية، الذي حضر الاجتماع.

وقال سينغولاني لاحقاً للمستثمرين: "كانت الرسالة واضحة: هناك حاجة ماسة، لأن أوروبا تسعى لدعم دول الخليج".

لكن في سعيها لإثبات جدارتها أمام الشركاء العرب، تُخاطر إيطاليا بترك أوروبا عرضةً لتهديدات تشمل روسيا. كما أنها زادت الضغط على صناعة الأسلحة التي كانت تُعاني أصلاً لتلبية الطلب.

وأضاف سينغولاني أن شركات المقاولات الدفاعية تحاول جاهدةً مواكبة الطلب المتزايد.

وتابع: "بصراحة، يتزايد عدد الحروب بوتيرة أسرع من برنامجنا لتعزيز القدرات. لكن نأمل ألا يستمر هذا الوضع إلى الأبد".

أوروبا
خارطة الانتشار العسكري الأوروبي في الشرق الأوسط خلال الحرب على إيران/عربي بوست

4- أوكرانيا

أرسلت أوكرانيا، المنخرطة في حربها ضد روسيا، فريقاً من خبراء الطائرات المسيّرة ومبعوثاً رفيع المستوى، هو رستم أوميروف، إلى دول الخليج الأسبوع الماضي، وفقاً لما صرّح به الرئيس فولوديمير زيلينسكي.

وأوضح زيلينسكي أن المسؤولين سيقدمون المشورة بشأن كيفية مواجهة الطائرات المسيّرة الهجومية الإيرانية، مستفيدين من خبراتهم المكتسبة على مرّ سنوات من حرب الطائرات المسيّرة ضد موسكو.

وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي أوكرانيا لإثبات جدارتها كحليف فعّال، وبالتالي الحفاظ على الدعم الدولي لدفاعها.

وأعرب العديد من المسؤولين الأوروبيين خلال الأسبوع الماضي عن قلقهم المتزايد من أن الحرب في إيران قد أثرت بشكل كبير في الإمدادات العالمية من صواريخ الاعتراض لإسقاط الطائرات بدون طيار وغيرها من المقذوفات.

ويخشى البعض من نفاد صواريخ باتريوت الاعتراضية لدى حلفاء أوروبا في الخليج، وأن الجهود المبذولة لإرسال المزيد منها ستُقلل من الإمدادات المتاحة لأوكرانيا لمواجهة الهجمات الروسية.

وفي الأسبوع الأول من الحرب في الشرق الأوسط، استهلك حلفاء الولايات المتحدة نحو 800 صاروخ باتريوت اعتراضي، وهو عدد يفوق ما استلمته أوكرانيا خلال أكثر من 4 سنوات من الحرب، وفقاً لمسؤولين أوكرانيين.

وقال وزير الخارجية البولندي، رادوسلاف سيكورسكي، إن بلاده لن تساهم في الحشد العسكري الأوروبي في الشرق الأوسط لأن "لدينا حالياً حرباً على حدودنا".

ماذا يكشف هذا الانتشار عن القدرات العسكرية الأوروبية؟

يرى خبراء أن الاستجابة العسكرية أظهرت أن عملية إعادة تسليح أوروبا لا تزال في مراحلها الأولى بعد 8 عقود من الاعتماد على القوة النارية الأمريكية، وفق تقرير صحيفة نيويورك تايمز.

وأدت عمليات الانتشار إلى فوضى في صفوف القوات الأوروبية للحفاظ على قوامها الكامل على جبهات أخرى، بما في ذلك في بحر البلطيق، حيث حاولت القيام باستعراض للقوة ضد روسيا.

كما أن تحويل المعدات والذخائر إلى الحلفاء العرب في الخليج العربي قد أضعف قدرة أوروبا على دعم دفاع أوكرانيا ضد موسكو.

وقال كارلو كاليندا، وهو عضو في مجلس الشيوخ الإيطالي، لصحيفة نيويورك تايمز: "نحن هشّون للغاية من وجهة نظر الحرب. قد تكون هناك مشكلة في الدفاع عن بلدنا".

وأضاف كاليندا أنه لمساعدة منطقة الخليج، قامت إيطاليا بنقل أحد أنظمة الدفاع الجوي الثلاثة العاملة من طراز SAMP/T إلى الشرق الأوسط، من منطقة البلطيق، حيث يخشى القادة من هجوم من روسيا.

وشكّل نشر فرنسا لسفن حربية، بما فيها حاملة طائراتها الوحيدة التي تعمل بالطاقة النووية، في البحر المتوسط والخليج أكثر من نصف أسطولها الحربي، في استعراض للقوة أجبر باريس على تقليص عملياتها في مناطق أخرى.

وأدت عقبات إدارية إلى تأخير نشر مدمرة بريطانية في قبرص لمدة أسبوع، وقوّضت آمال بريطانيا في إظهار قوتها.

وأدى قرار إيطاليا إرسال معدات دفاعية إلى حلفائها العرب الذين يتعرضون لنيران إيرانية إلى تقليص ترسانتها بشكل خطير. كما أن استخدام الولايات المتحدة لقوة نارية هائلة في إيران قد قلّص بشكل كبير مخزوناً كانت أوروبا تأمل في الاعتماد عليه مستقبلاً.

وقال إد أرنولد، محلل الأمن الأوروبي في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مجموعة بحثية في لندن، لصحيفة نيويورك تايمز: "إذا كانت الولايات المتحدة تطلق الكثير من الذخائر ضد إيران، فلن تتمكن من استخدامها ضد الصينيين في غضون عامين مثلاً، ولن تكون متاحة للأوروبيين ضد روسيا".

وأضاف أرنولد: "إن الثغرات في القدرات العسكرية الأوروبية معروفة جيداً، لكننا لم نبذل ما يكفي لمعالجتها لفترة طويلة جداً. وقد انكشفت بعض الدول تماماً الآن".

تحميل المزيد