يقف الاقتصاد العالمي اليوم على حافة الهاوية، يراقب بقلق بالغ تصاعد وتيرة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، التي تتصاعد ساعة بعد ساعة بعدما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً على إيران، السبت 28 فبراير/ شباط.
ففي عالم لم يتعافَ كلياً بعد من ندوب الأزمات المتلاحقة، وصدمات التضخم، وأزمة التعريفات الجمركية والتوترات التجارية التي رافقتها، تندلع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وهي حرب تتجاوز في أبعادها حدود الجغرافيا السياسية الإقليمية، لتنذر بـ "زلزال اقتصادي" ستتردد أصداؤه في كل عاصمة ومركز مالي حول العالم.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في الجغرافيا التي تمنح إيران إطلالة استراتيجية على مضيق هرمز، الشريان المائي الأهم في العالم، الذي يحمل على عاتقه عبء نقل خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، ونسبة حاسمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
⛔️ وكالة الأنباء الفرنسية: توقف الإنتاج في حقل نفطي تديره شركة أمريكية في #كردستان #العراق بسبب الهجوم الصاروخي الإيراني pic.twitter.com/hF1pioRHYo
— عربي بوست (@arabic_post) March 6, 2026
ودفعت هذه المخاوف مؤسسات دولية إلى التحذير من مغبة هذه الحرب على الاقتصادات العالمية.
في هذا التقرير، نرصد بالأرقام والمعطيات الميدانية أبرز التداعيات الحالية للحرب الدائرة على الاقتصاد العالمي، ونُسلط الضوء على القطاعات التي تتكبد الخسائر الأكبر.
ما هي أبرز تداعيات الحرب على إيران على الاقتصاد العالمي؟
مع اندلاع الحرب على إيران، تلقت الأسواق العالمية صدمات متتالية تركزت في المحاور التالية:
– قفزة حادة في أسعار الطاقة (النفط والغاز):
أدى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط و20% من الغاز الطبيعي المسال عالمياً – إلى صدمة فورية.
وسجلت أسعار خام برنت قفزة أولية بنسبة 13% لتتجاوز 82 دولاراً للبرميل.
وخلال حرب الـ 12 يوماً الماضية بين إسرائيل وإيران، قدّر محللو بنك جي بي مورغان أن تعطل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، بالإضافة إلى صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، ينذر بحدوث عواقب وخيمة، وقد ترتفع أسعار النفط إلى 130 دولاراً للبرميل.
وفي الوقت ذاته، قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 50%، حيث تكون إمدادات الطاقة عرضة بشدة للاضطرابات في الشرق الأوسط، حسبما تقول صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية.
وأجبرت الحرب الأوكرانية أوروبا على التحول بشكل كبير عن مصادر الطاقة الروسية. والآن، يأتي جزء كبير من الغاز الطبيعي المسال في أوروبا من قطر عبر مضيق هرمز.

– عودة شبح "الركود التضخمي":
حذر خبراء من أن استمرار أزمة الطاقة الحالية يفرض مخاطر تضخمية ركودية شديدة.
ويتوقع المحللون أن تؤدي الهجمات إلى صدمات اقتصادية عالمية – مما يهدد برفع التضخم وإعاقة سياسات البنوك المركزية – على أن يتوقف التأثير النهائي على حجم الصراع ومدته.
وقد يؤدي هذا الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط إلى زيادة التضخم العالمي بنسبة تتراوح بين 0.6 و0.7 نقطة مئوية، بحسب ما ذكره محللون في شركة كابيتال إيكونوميكس لصحيفة فايننشال تايمز.
وهذا بدوره قد يُزعزع استقرار الاقتصاد العالمي الهشّ الذي يُعاني أصلاً من ويلات النزاعات التجارية، ويُشجع البنوك المركزية الكبرى على التوقف عن خفض أسعار الفائدة، أو حتى يدفع بعضها إلى رفعها، وفق صحيفة وول ستريت جورنال.
– تراجع حاد في أسواق الأسهم واللجوء للدولار:
انعكست حالة عدم اليقين فوراً على البورصات العالمية؛ حيث سجل مؤشر "داو جونز" الأمريكي تراجعاً حاداً، بينما هبط مؤشر "نيكاي" الياباني بأكثر من 2% في بداية التداولات، الإثنين 2 مارس/ آذار.
وترافق ذلك مع موجة شراء للدولار الأمريكي كملاذ آمن، ما شكّل ضغطاً هائلاً على عملات الأسواق الناشئة.
ويتجه الدولار، بعد أسبوع من اندلاع الحرب على إيران، لتسجيل أكبر مكاسب أسبوعية له منذ أكثر من عام، مع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط الذي عزز الطلب على أصول الملاذ الآمن، وفق وكالة رويترز.
ما هي أبرز القطاعات المتضررة سلباً بالحرب على إيران؟
تمتد أضرار الصراع الجاري لتشل قطاعات حيوية في هيكل التجارة الدولية:
1- قطاع الشحن البحري واللوجستيات
يتلقى هذا القطاع الضربة الأقوى؛ حيث أشارت البيانات إلى تراجع حركة الناقلات عبر مضيق هرمز بنسبة 70%.
وأعلنت شركات شحن عالمية كبرى مثل "هاباغ لويد" تعليق مرورها بالكامل وفرضت "رسوم مخاطر حرب".
ونتيجة لذلك، قفزت تكلفة استئجار ناقلات النفط العملاقة من 120 ألف دولار إلى 420 ألف دولار يومياً، وارتفعت أقساط التأمين البحري بنسبة تصل إلى 50%، بحسب صحيفة واشنطن بوست.
وقالت شركات تأمين بحري، الإثنين 1 مارس/أذار، إنها قررت إلغاء تغطية مخاطر الحروب للسفن بسبب الحرب في إيران.
وذكرت الشركات وهي جارد وسكولد ونورث ستاندرد وجمعية مالكي السفن في لندن وذا أمريكان كلوب، في إشعارات على مواقعها الإلكترونية أن الإلغاءات يسري مفعولها اعتباراً من الخامس من مارس/ آذار.

وأوضحت الإشعارات أنه سيجري استبعاد تغطية مخاطر الحروب في المياه الإيرانية، وكذلك في الخليج والمياه القريبة.
وفي أعقاب الإعلان، علق العديد من مالكي ناقلات النفط وشركات النفط الكبرى وشركات التجارة شحنات النفط الخام والوقود والغاز الطبيعي المسال عبر هذا الممر المائي الضيق، وأظهرت بيانات الأقمار الصناعية تجمع السفن بالقرب من موانئ رئيسية في الإمارات مثل الفجيرة.
وحذر كبير الاقتصاديين بمصرف "أي أن جي" الهولندي، ريكو لومان، من أن الوضع في مضيق هرمز سيؤثر بشكل كبير على قطاع الخدمات اللوجستية.
وتوقع لومان في حديث لوكالة الأناضول، أن يشهد العالم ارتفاعاً في الأسعار في الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من ناقلات النفط راسية حالياً خارج المضيق.
وتابع "هذا يعني أن طاقة النقل البحري ستنكمش بسرعة، أي أن تكاليف الشحن سترتفع بشكل حاد. وبالمثل سترتفع أقساط التأمين".
2- قطاع التكرير وصناعة الأسمدة
يواجه مزارعون في جميع أنحاء العالم ارتفاعاً حاداً في أسعار الأسمدة والوقود مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، مما يدفع البعض إلى التسابق للحصول على الإمدادات مع اقتراب موسم الزراعة في الربيع.
وأدت الحرب، التي أغلقت مضيق هرمز، إلى توقف مصانع الأسمدة في المنطقة وتعطيل طرق الشحن بشكل حاد، وهو ما من شأنه أن يقلص الإمدادات إلى المستوردين الرئيسيين في جميع أنحاء العالم في الوقت الذي يستعد فيه المزارعون في نصف الكرة الشمالي لزراعة البذور.
وقال سيدريك بينوا الذي يزرع القمح والشعير ومحاصيل أخرى جنوب باريس، في إشارة إلى أسعار الأسمدة العالمية التي قفزت بالعشرات من اليورو للطن، لوكالة رويترز: "الوضع فوضوي لأننا في فصل الربيع… لا يمكن أن يستمر هذا الحال".

ويعتمد المزارعون من سريناجار في كشمير إلى ساسكاتشوان في كندا على الأسمدة والديزل الذي يتم شحنه عبر مضيق هرمز الذي يعبر من خلاله ثلث التجارة العالمية من الأسمدة. ويؤثر الإغلاق الفعلي للمضيق على نقل الأمونيا والنيتروجين، وهما عنصران أساسيان في العديد من منتجات الأسمدة الاصطناعية.
ويعتمد ما يقارب نصف الإنتاج الغذائي العالمي على النيتروجين الاصطناعي، وستنخفض غلة المحاصيل بدون الأسمدة. وسيؤدي النقص الناتج إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز والمعكرونة والبطاطس، وزيادة تكلفة علف الحيوانات، وفق صحيفة الغارديان.
وبسبب وفرة الإمدادات العالمية من الحبوب، كان عدد من المزارعين يتوقعون بالفعل تسجيل خسائر هذا العام. والآن، أصبحت التوقعات أكثر تشاؤماً للمزارعين الذين لا يزالون بحاجة إلى شراء الأسمدة لموسم زراعة الربيع.
وارتفعت الأسعار في الولايات المتحدة، التي تستورد معظم احتياجاتها من الأسمدة على الرغم من وجود صناعة محلية كبيرة، مع اندلاع الحرب. وقفزت أسعار الأسمدة من 516 دولارا للطن، الجمعة 6 مارس/أذار إلى 683 دولاراً في مركز الاستيراد في نيو أورليانز يوم الخميس.
ويقول محللون لرويترز إن الأسعار يمكن أن ترتفع أكثر إذا استمر إغلاق الخليج ولم تتمكن الشحنات من الوصول في الوقت المناسب لزراعة الربيع.
ومن المرجح أن تنخفض الشحنات من الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب توقف العبور عبر مضيق هرمز وإنما أيضاً بسبب انخفاض الإنتاج.
⛔️ الكرملين: الحرب في #إيران أدت إلى زيادة الطلب على منتجات الطاقة الروسية، وموسكو لا تزال مورداً موثوقاً به للنفط والغاز والغاز الطبيعي المسال pic.twitter.com/TjZGl1jv3B
— عربي بوست (@arabic_post) March 6, 2026
واضطرت شركة قطر للطاقة إلى وقف الإنتاج في أكبر منتج لليوريا من موقع واحد في العالم بعدما انقطع مصدرها من الغاز الطبيعي بعد أن أوقفت الشركة إنتاج الغاز بسبب الهجمات على منشآت غاز طبيعي مسال تابعة لها.
وفي الوقت نفسه، تم خفض إنتاج الكبريت في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
وتُنتج منطقة الخليج نحو 45% من "اليوريا" عالمياً، وأي انقطاع في هذه الإمدادات نتيجة استهداف البنية التحتية يهدد بأزمة تكاليف زراعية حادة تضرب قطاع الغذاء العالمي.
وارتفعت أسعار اليوريا المصرية، وهي مؤشر رئيسي في هذا القطاع، بنسبة 35% هذا الأسبوع، وفقاً لمجموعة CRU، وهي شركة متخصصة في توفير البيانات.
3- قطاع الطيران
خلفت الحرب على إيران تداعيات على قطاع الطيران، حيث شهدت أسهم شركات الطيران الأمريكية والأوروبية انخفاضاً بعد أن أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران إلى اضطراب قطاع الطيران العالمي، مما رفع أسعار النفط.
وبينما سارعت حكومات إلى تنظيم رحلات جوية من الشرق الأوسط لعشرات الآلاف من المواطنين العالقين، لا تزال حركة الطيران أقل بكثير من مستوياتها المعتادة، ومن المرجح أن يستغرق تعافي قطاع السفر العالمي وقتاً أطول في ظل غياب مؤشرات على تهدئة وشيكة للصراع.
وقالت إس آند بي جلوبال بلاتس إن أسعار وقود الطائرات ارتفعت على مستوى العالم منذ الضربات على إيران، ووصلت إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق في سنغافورة بسبب المخاوف من تعطل الإمدادات.
وأجبرت القيود على المجال الجوي شركات الطيران على تغيير مسارات رحلاتها أو تحميل كميات إضافية من الوقود أو التوقف للتزود بالوقود احترازياً ضد التحويلات المفاجئة أو الرحلات الأطول عبر مسارات أكثر أماناً. وقفزت الأسعار على بعض المسارات العالمية الرئيسية بصورة ملحوظة.
ورفعت شركات تشغيل الطائرات الخاصة أسعارها بشكل ملحوظ، حيث بلغ سعر المقعد الواحد في إحدى الرحلات المغادرة من عُمان إلى ميلانو قبل عدة أيام 20 ألف جنيه إسترليني، وفقاً لصحيفة فايننشال تايمز. كما بلغ سعر رحلة مستأجرة من عُمان إلى باريس 215 ألف يورو لطائرة تتسع لـ 13 راكباً، أي ما يقارب ضعف الأسعار المعتادة.
4- قطاع الشحن الجوي
تسبب تصاعد الصراع في الشرق الأوسط إلى خفض سعة الشحن الجوي على الصعيد العالمي بأكثر من الخُمس فضلاً عن رفع أسعار الشحن، فيما يستعد مسؤولون تنفيذيون لاحتمال تكدس البضائع، بحسب وكالة رويترز.
وأدت الغارات الجوية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى تعليق رحلات الركاب وطائرات الشحن في أنحاء المنطقة، بما في ذلك مراكز رئيسية للشحن الجوي العالمي مثل الدوحة ودبي.
وتظهر بيانات صادرة عن شركة إيفيان للاستشارات في مجالي الطيران والخدمات اللوجستية أن الحملة العسكرية أدت إلى خفض سعة الشحن الجوي العالمي 22% خلال الفترة من 28 فبراير/ شباط إلى الثالث من مارس/آذار مقارنة مع فترة امتدت أربعة أيام الشهر الماضي قبل عطلة رأس السنة الصينية.
وقال أبدول موابيري، الرئيس التنفيذي لشركة جي.إيه تيليسيس ومقرها فلوريدا "إنه توقف كامل لسلسلة الإمداد إلى الشرق الأوسط".
وذكر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) أن النقل الجوي يمثل نحو ثلث التجارة العالمية من حيث القيمة، وتشمل البضائع المنقولة جواً منتجات لشركة أبل وأدوية تحتاج إلى الحفظ في درجات حرارة معينة وفواكه طازجة وقطع غيار للسيارات، سواء في عنابر الشحن بطائرات الركاب أو على متن طائرات شحن مخصصة.
وذكرت إيفيان أن شركات الطيران في الشرق الأوسط تمثل نحو 13% من الشحن الجوي العالمي.
