“ضربة قاسية”.. كيف تقرأ إسرائيل سقوط “قسد” وسيطرة دمشق على شرق الفرات؟

تم النشر: 2026/01/21 الساعة 13:38 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/21 الساعة 13:39 بتوقيت غرينتش
كيف تقرأ إسرائيل انهيار قوات "قسد" وسيطرة الدولة السورية على شرق الفرات؟ (عربي بوست)

تسارعت وتيرة الانهيار الميداني والسياسي لمليشيات "قسد" الكردية أمام زحف القوات السورية شمال شرق سوريا وتحديداً فيما يعرف بالجزيرة الفراتية التي تشكل مساحتها ثلث البلاد، لترسم ملامح خريطة جيوسياسية جديدة لم تكن تل أبيب ترغب في رؤيتها، حيث تحول "الرهان الكردي" إلى عبء استراتيجي انتهى باستسلام كامل تحت وطأة التقدم العسكري السوري والضغط التركي المساند. 

وإلى جانب تغيّر خارطة السيطرة والنفوذ في سوريا لصالح دمشق، مثّل هذا الانهيار السريع ضربة قاصمة للمشاريع الإسرائيلية التي حاولت الاستثمار في "الفراغ السوري" بعد سقوط نظام الأسد، وتحديداً عبر دعم الكيانات الانفصالية لتمزق وحدة الدولة السورية وإحباط قيام الدولة الجديدة. 

بالنسبة لإسرائيل، يُعد استسلام مليشيات "قسد" في شمال شرق سوريا إنجازاً استراتيجياً لتركيا، ونجاحاً كبيراً لحكومة الرئيس أحمد الشرع، وضربة موجعة لطموحات إسرائيل ومشاريعها التي تم الترويج لها طويلاً، مثل فكرة "ممر داوود" أو إقامة كيان درزي موالٍ لها في الجنوب السوري كحاجز أمني. فكيف أدى استسلام المليشيات الكردية إلى خنق المشاريع الإسرائيلية من الجولان حتى الفرات؟

كيف تقرأ إسرائيل انهيار "قسد" وانتصار دمشق في معركة شرق الفرات؟

يشكل التحول الجديد في سوريا عملياً سقوط إحدى أهم "أوراق القوة" التي كانت تل أبيب تستخدمها للتدخل في الشأن السوري الداخلي، حيث كانت "قسد" تعمل كجسر مالي ولوجستي لنقل الدعم الإسرائيلي إلى مجموعات أخرى في السويداء بحسب ما كشفته صحيفة "واشنطن بوست" الشهر الماضي. 

ومع زوال هذا الجسر، تجد إسرائيل نفسها في مواجهة واقع جديد تتصدر فيه تركيا المشهد كلاعب إقليمي فاعل، بينما تتقلص الخيارات الإسرائيلية إلى أضيق حدودها، كما يقول كتاب إسرائيليون.

حيث تتجاوز تداعيات هذا الانهيار الجغرافيا لتصل إلى صلب مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، فتعاظم النفوذ التركي في سوريا جاء على حساب تراجع قدرة إسرائيل على هندسة "سوريا الجديدة" وفق مقاسات طائفية أو عرقية. ومع سيطرة الدولة السورية على حقول النفط والغاز في دير الزور والرقة، واستعادة المعابر الحدودية، تتعزز قوة أحمد الشرع المركزية، مما يفشل خطة "ينون" الإسرائيلية القديمة الجديدة (إسرائيل الكبرى) الهادفة لتفكيك دول المنطقة إلى كيانات ضعيفة. 

ويرى الكاتب الإسرائيلي تسفي باريل في صحيفة "هآرتس" العبرية أن استسلام مليشيات "قسد" يُعد إنجازاً استراتيجياً لتركيا وضربة قاسية لإسرائيل، خاصة بعد أن فقدت هذه المليشيات الدعم الأمريكي لصالح الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع. 

وبموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الشرع ومظلوم عبدي، سيتم دمج مليشيات "قسد" في الجيش السوري، وتنتقل السيطرة على حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية فوراً إلى الحكومة في دمشق. هذا الاتفاق، وفقاً لباريل، ينهي حلم "النظام اللامركزي" أو الفيدرالي الذي طمح إليه قادة المليشيات الكردية، ويجبرهم على العيش تحت السيادة المركزية للدولة السورية مجدداً.

"ضربة لإسرائيل".. انهيار "قسد" سيترك دروز السويداء في العراء

كانت إسرائيل تعتمد بشكل كبير على مليشيات "قسد" ليس فقط كقوة موازية لدمشق، بل كقناة خلفية لدعم طموحات انفصالية في أماكن أخرى. وكشفت "واشنطن بوست" أن إسرائيل استخدمت "قسد" كوسطاء لتحويل مئات الآلاف من الدولارات لتمويل مليشيات درزية في السويداء، وتحديداً ما يعرف بـ "المجلس العسكري" التابع لـ طارق الشوفي والمدعوم من الشيخ حكمت الهجري. كما قامت "قسد" بتدريب مقاتلين دروز في شمال شرق سوريا بطلب وتمويل إسرائيلي.

مع انهيار مليشيات "قسد" وتوقيعها اتفاق الاستسلام، فقدت إسرائيل "الرئة" التي كانت تتنفس منها مشاريعها في جنوب سوريا. ويوضح الكاتب تسفي باريل أن الدروز أصبحوا الآن الأقلية الوحيدة التي لا تزال تهدد وحدة سوريا وتتحدى السلطة المركزية، مما سيجعلهم الهدف القادم للضغط العسكري والسياسي من قبل أحمد الشرع، بتشجيع من واشنطن التي باتت تدعم "سوريا موحدة". هذا الانهيار يعني أن "تحالف الأخوة" الإسرائيلي-الدرزي بات مهدداً، وقد تجد إسرائيل نفسها مضطرة للتخلي عن وكلائها في السويداء تحت وطأة الواقع الجديد.

من جهتها، تعبّر المقدم (احتياط) ساريت زهافي، رئيسة مركز "علما" للأبحاث، في تصريحات لموقع "Ynet" العبري، عن قلقها البالغ من هذا التحول، معتبرة أن سيطرة أحمد الشرع على مناطق المليشيات الكردية تقوي موقفه بشكل كبير أمام إسرائيل. وتقول زهافي إن "إسرائيل أصبحت في وضع تفاوضي أضعف، لأن الشرع لم يعد يحتاج لتقديم تنازلات لإسرائيل بعد أن بسط سيطرته على ثلث مساحة البلاد".

وبحسب زهافي، فإن المسؤولين الإسرائيليين الذين دعوا في السابق لحماية ودعم الأكراد كما الدروز في سوريا فقدوا مصداقيتهم تماماً. وعندما سُئلت زهافي عما إذا كان ينبغي لإسرائيل مساعدة الأكراد، أجابت: "لقد فات الأوان. هناك اتفاق بدعم أمريكي. لسنا طرفًا رئيسيًا في هذا المجال، وليس من المؤكد أن نُفسد علاقاتنا مع الأمريكيين الآن. لكننا بحاجة إلى العمل دبلوماسيًا معهم وشرح ما يجري هنا لهم."

وأدان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي سبق أن دعا المجتمع الدولي إلى حماية الأقلية الكردية في سوريا باعتبارها مصدراً للاستقرار، الهجمات التي يشنها نظام الشرع ضد قسد. وقال: "إن هجمات قوات النظام السوري على الأقلية الكردية في مدينة حلب وغيرها خطيرة ومميتة".

تقول صحيفة يديعوت أحرنوت إن التطورات المتعلقة بالقضية الكردية تُشكّل تحدياً كبيراً لإسرائيل: كيف تحمي الأقلية الدرزية التي عقدت تحالفاً مع إسرائيل؟ حيث تقول الصحيفة إن إسرائيل تُصرّ على ضمان ممر آمن إلى محافظة السويداء، ومن المستبعد جدًا أن يوافق السوريون على ذلك، نظرًا لوقوع هذه المنطقة على بُعد 100 كيلومتر من حدود دولة الاحتلال. وسيكون من الصعب على إسرائيل تبرير الانسحاب من النقاط التسع في سوريا التي تم احتلالها بعد انهيار نظام الأسد. وتضيف الصحيفة أن "الكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة، ويتعين على واشنطن أن تُحاسب الشرع وتُوضّح له أنها لن تتسامح مع سلوكه".

"سوريا أصبحت أكثر خطراً على إسرائيل"

ومن التطورات السلبية الأخرى تعزيز النفوذ التركي في سوريا، بحسب يديعوت أحرنوت، أن إسرائيل كانت تسعى إلى إزاحة تركيا جانباً، وأصرّت على عدم وجود أي وجود عسكري تركي في سوريا. والآن، مع استسلام الأكراد، يبدو أن الرابحين الأكبر هم الأتراك. لذلك على إسرائيل أن تتأقلم مع الواقع الجديد في سوريا.

تقول المقدم احتياط زهافي للصحيفة العبرية، إن إسرائيل الآن أصبحت في تهديد كبير بعد التحولات الأخيرة في سوريا، لإن "الشريعة الإسلامية تُقيم دولة إسلامية على حدود إسرائيل". وأضافت زهافي: "كنتُ من بين الذين تمنّوا رؤية واقع مختلف (في سوريا) ولكن للأسف حدث العكس. فقد تضاعف حجم شبكة مدارس هيئة تحرير الشام في جميع أنحاء سوريا خلال العام الماضي وحده".

وأضافت زهافي: "في هذه المدارس، يُلقّن الطلاب الفكر الجهادي. لن يكون الجيل القادم في سوريا كما كنا نقول سابقاً – مجتمعاً علمانياً. بل سيكون مجتمعاً دينياً، وفي غضون عشر سنوات ستتفاقم المشكلة كثيراً. في ذكرى الثورة، رُفعت رسائل تدعم حماس، وعُقدت استعراضات عسكرية تحمل رسائل تُصوّر إسرائيل كعدو، بينما يتحدثون قادتها عن رغبتهم في عقد اتفاق معها".

وتردف: "الأسوأ من ذلك كله، كان هناك هتافات "خيبر، خيبر، يا يهود، جيش محمد سوف يعود" من قبل العسكريين والمدنيين في سوريا. رأينا هذا حتى بعد سيطرتهم على الأحياء الكردية في حلب. بات هذا الأمر شائعاً، فهذه الهتافات معادية للسامية وإسرائيل، إنها ليست مدّ يدٍ للسلام."

من جانبه، يؤكد الكاتب يارون فريدمان في صحيفة "معاريف" العبرية أن "اختفاء قوات "قسد" يدعو إسرائيل للقلق، حيث أن شمال شرق سوريا يتحول إلى قنبلة موقوتة". ويضيف الكاتب الإسرائيلي مستغرباً: "كيف تمكن الجيش السوري الجديد، المؤلف من ميليشيات وجماعات جهادية ومجندين جدد عديمي الخبرة، من التغلب على الجيش الكردي الضخم الذي بلغ قوامه 100 ألف جندي؟ يشبه الجواب إلى حد ما تفسير انهيار جيش الأسد النظامي، الذي كان يتمتع على ما يبدو بتفوق واضح في الطائرات والأسلحة الثقيلة، في غضون أيام. والجواب المختصر هو تخلي الحلفاء عنه".

ويقول فريدمان: من المهم التذكير بأن هذه الكيان الكردي كان موالياً لأمريكا وإسرائيل، ودافع عن قيم الديمقراطية وحقوق المرأة. أما الفائزون الآن – أنصار الشريعة – فهم جهاديون وممثلون لسوريا الإسلامية الجديدة. يحظون بدعم واسع من دول سنية نافذة، بقيادة تركيا وقطر والسعودية. وتمارس هذه الدول بدورها ضغوطاً شديدة على إدارة ترامب لدعم نظام الشريعة والاعتراف به كحكومة شرعية… وهذا يجب أن يدق ناقوس الخطر في إسرائيل".

مشروع "ممر داوود": الحلم الذي تبخر عند ضفاف الفرات

لطالما روجت الدوائر الإسرائيلية لمشروع "ممر داوود"، وهو شريط جغرافي تسعى إسرائيل وحلفاؤها لتأمين نفوذ فيه يمتد من الجولان عبر السويداء وصولاً إلى مناطق سيطرة مليشيات "قسد" في شرق الفرات، ليربط جنوب غرب سوريا بشمال العراق. الهدف من هذا الممر، بحسب تقارير إعلامية، هو شق سوريا إلى نصفين وفصل مناطق الحكومة في الغرب عن منابع النفط في الشرق، وقطع التواصل البري بين إيران وحلفائها.

إلا أن الاتفاق الأخير بين "قسد" وحكومة دمشق، نسف فرص التعاون بين تل أبيب والمليشيات الكردية في هذا السياق. فمع استعادة الجيش السوري لدير الزور والرقة، أغلق "الممر" المفترض قبل أن يكتمل. ويشير الكاتب في صحيفة معاريف إيلي ليون إلى أن أحمد الشرع، بفرضه لاتفاق الاستسلام على قوات "قسد"، استعاد السيطرة على نقاط الارتكاز من آبار نفط وسدود ومنابع مياه ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وهي النقاط التي كان يفترض أن يقوم عليها هذا الممر.

تعاظم النفوذ التركي على أنقاض الطموح الإسرائيلي

الاتفاق السوري-الكردي لم يخدم دمشق فحسب، بل منح تركيا تفوقاً استراتيجياً هائلاً على حساب إسرائيل. يوضح الكاتب تسفي باريل في هآرتس أن "أردوغان يظهر الآن بمظهر رجل الدولة الذي استطاع تحويل سوريا إلى دولة موحدة، وفاءً لوعوده للإدارة الأمريكية، وهو ما يمنحه ميزة حقيقية في موازنة القوى مع إسرائيل في المنطقة".

في بداية الاشتباكات بين قوات النظام السوري و"قسد" في حلب، أصدر وزير الخارجية جدعون ساعر بيانًا حذر فيه من أن "هجمات قوات النظام السوري على الأقلية الكردية في مدينة حلب خطيرة ومُقلقة. وأن المجتمع الدولي عمومًا، والغرب خصوصًا، مدينٌ للأكراد الذين قاتلوا بشراسة ونجاح ضد داعش. إن القمع الممنهج والدموي للأقليات المختلفة في سوريا يُناقض وعود "سوريا الجديدة". إن صمت المجتمع الدولي سيؤدي إلى تصعيد العنف من جانب النظام السوري"، على حد وصفه. 

ويفسر الكاتب الإسرائيلي تسفي باريل هذا الموقف بأنه تعبير عن الإحباط الإسرائيلي من النفوذ التركي المتصاعد الذي بات يقيد نطاق تحرك إسرائيل في سوريا. فتركيا، بالتنسيق مع السعودية وواشنطن، نجحت في تحجيم الدور الإسرائيلي الذي كان يعول على استدامة "اللا-دولة" في سوريا.

ويمثل مشهد سقوط مليشيات "قسد" في الوعي الأمني الإسرائيلي نهاية حقبة التدخل عبر "الوكلاء المحليين" في الشمال السوري. فبينما كان وزير التشتت الإسرائيلي عميحاي شيكلي يهاجم نظام الشرع ويتهمه بـ "الوحشية" تجاه الأكراد والدروز، كانت الجغرافيا على الأرض تتغير لصالح السيادة السورية والسطوة التركية.

وأثبتت التطورات أن مراهنة إسرائيل على المليشيات الكردية كانت خاسرة، حيث أدت في النهاية إلى تعزيز قوة أحمد الشرع، وتقريب تركيا من دمشق، وترك حلفاء إسرائيل في السويداء يواجهون مصيرهم وحدهم. ومع فقدان "ممر داوود" وجسر "قسد" اللوجستي، تجد إسرائيل نفسها اليوم تراقب من بعيد كيف تتحول سوريا، التي أرادت تفكيكها، إلى دولة تستعيد سيادتها على النفط والحدود، تحت قيادة مركزية لم تعد إسرائيل تملك الكثير من أوراق الضغط عليها سوى احتلال الجولان وتهديد الجنوب السوري.

تحميل المزيد