مع إعلان الولايات المتحدة إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في غزة، قلّل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أهمية الانتقال إليها، واصفاً الخطوة بأنها "رمزية" لا تتجاوز بعدها الإجرائي.
غير أن هذا التوصيف يأتي بينما لم تُنفّذ إسرائيل حتى الآن استحقاقات أساسية منصوصاً عليها ضمن المرحلة الأولى من الخطة؛ إذ سُجّلت تعثرات وخروقات متكررة، أبرزها استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية، وتعطيل إعادة فتح معبر رفح، بما أبقى مسار التهدئة هشاً ومرهوناً بحسابات ميدانية وسياسية متقلبة.
في هذا السياق، يرصد التقرير طبيعة الانتهاكات الإسرائيلية للمرحلة الأولى التي بدأت في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ويحلّل كيف تُلقي هذه الخروقات بظلالها على المرحلة الثانية، عبر تفكيك العقبات التنفيذية والاشتباكات السياسية التي قد تعرقل الانتقال من "إعلان" الخطة إلى تطبيقها فعلياً على الأرض.
كيف بدت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار؟
بدأت المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ورغم أن الإبادة قد توقفت إلا أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالاتفاق، وبحسب مصادر لـ"عربي بوست" فإنه حتى 15 يناير/ كانون الثاني 2026، تم توثيق 1244 خرقاً إسرائيلياً، بواقع 13.1 خرقاً يومياً للاتفاق.
الشهداء والمصابين
وبحسب مصادر لـ"عربي بوست"، فإن عدد الشهداء من المدنيين يشكلون 92.2% من إجمالي الشهداء، فيما تصل نسبة الشهداء من الأطفال والنساء والمسنين نحو 51.9%.
أما على صعيد الإصابات، فإن نسبة المصابين من المدنيين تصل إلى 99.2%، يشكل الأطفال والنساء والمسنين منهم نحو 58.4%.
الخروقات الميدانية:
لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية ليوم واحد منذ بدء الاتفاق، حيث سُجّل وقوع أكثر من 1244 خرقاً خلال الـ95 يوماً، بمتوسط 13.1 خرقاً يومياً، تنوعت ما بين القتل، الإصابات، القصف الجوي والمدفعي، نسف المنازل، إطلاق النار، توغل الدبابات والآليات العسكرية، وفقاً للبيانات التالية:
شاحنات المساعدات والبضائع والوقود
تشير البيانات التي حصل عليها موقع "عربي بوست" إلى أن ما يدخل قطاع غزة لا يلبي حاجاته، ولم يلتزم الاحتلال الإسرائيلي بما تم الاتفاق عليه بشأن كمية المساعدات وطبيعتها، ناهيك عن القيود التي يفرضها على المؤسسات الدولية العاملة داخل القطاع.
وعلى سبيل المثال، فإن جزءاً كبيراً من البضائع يُعد من الكماليات، حيث لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يحظر إلى حد كبير إدخال بعض المواد، مثل اللحوم المجمدة، والبيض، والمواشي.
كما يعرقل النقص المستمر في الوقود، بما في ذلك غاز الطهي، جهود التغذية، وأكثر من 60% من سكان غزة يقومون بطهي الطعام باستخدام حرق النفايات، بحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، ما يزيد من المخاطر الصحية.
ويمنع الاحتلال الإسرائيلي المؤسسات الدولية من القيام بواجباتها في مناطق شمال قطاع غزة، التي لا تُعد جزءاً من "الخط الأصفر".
وحتى اللحظة، لم يسمح الاحتلال بدخول المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض وإعادة فتح الطرق، فيما سمح لعدد محدود من المعدات المصرية بالدخول بهدف البحث عن جثث الأسرى الإسرائيليين.
ويزعم الاحتلال الإسرائيلي أنه أدخل ما يقارب 53970 شاحنة ما بين تجارية ومساعدات إلى قطاع غزة، ولكنه وفقاً لمصادر "عربي بوست" أدخل فقط 24611 شاحنة، ما يمثل 43.6% مما هو متفق عليه، وبمتوسط يومي يصل إلى 261.8 شاحنة.
أما شاحنات الوقود التي دخلت إلى قطاع غزة، فبلغت 601 شاحنة، ما نسبته 12.8% من إجمالي 50 شاحنة يومياً تم الاتفاق عليها.
تجاوزات الخط الأصفر
حددت خطة ترامب في مرحلتها الأولى "الخط الأصفر" كموقع مؤقت لانتشار الجيش الإسرائيلي، وقد جرى تقييمه كإجراء تقني مؤقت هدفه تثبيت الهدوء ميدانياً، وضمان عدم الاحتكاك بين الجيش والسكان خلال مسار التهدئة.
غير أن الممارسة الميدانية أظهرت أن حكومة الاحتلال تتعامل مع الخط بخلاف طبيعته المؤقتة، وبدأت بوضع "مكعبات صفراء" مع تزايد التصريحات بشأن تحويله إلى "جدار برلين جديد"، فيما قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، إنه يمثل "الحدود الجديدة" بين إسرائيل وقطاع غزة.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن الجيش الإسرائيلي أصبح يسيطر على 199.14 كم² من أصل 365.02 كم²، أي ما يساوي 54.5% من مساحة قطاع غزة، في نطاق "الخط الأصفر" فقط.
كما تشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر "نارياً" على 33.39 كم²، أي ما يساوي 9.30% من مساحة قطاع غزة.
ووفقاً للبيانات، فإن السيطرة الفعلية الإسرائيلية على مساحة قطاع غزة تساوي 63.8% من مساحة القطاع، فيما لا يتبقى للسكان الفلسطينيين سوى نحو 36.15% من مساحته.
ويتسع نطاق منطقة السيطرة النارية الإسرائيلية مع الوقت، مع تقدم الاحتلال الإسرائيلي في مناطق عدة، حيث تشير المصادر الميدانية إلى أن هناك عملية توسيع لـ"الخط الأصفر" في مناطق عدة.
يُذكر أن الخروقات المرتبطة بخطوط الانسحاب، والبنية التحتية، والقطاع الصحي، ومعبر رفح، وقضايا المعتقلين والمفقودين، والمقاومين في رفح ما زالت "مستمرة وعلى حالها"، ما أفقد إجراءات الاتفاق من مضمونه العملي، كما أكدت المصادر.
ما الذي تعنيه "المرحلة الثانية" عملياً؟.. وهذا ما تم تثبيته
وفقاً لخطة ترامب، فإن المرحلة الثانية تتركز على:
- تشكيل مجلس السلام بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
- تشكيل هيئة تنفيذية دولية تتبع لمجلس السلام.
- تشكيل حكومة تكنوقراط في قطاع غزة.
- نشر قوات دولية في القطاع.
- البدء في إعادة إعمار قطاع غزة.
- انسحاب إسرائيلي من "الخط الأصفر".
مجلس السلام
هو هيئة انتقالية تهدف إلى تهيئة الأرضية السياسية والأمنية لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، بالتزامن مع تنفيذ ترتيبات نزع السلاح.
والخميس، قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية إن "ترامب يواصل استعداداته لإنشاء "مجلس سلام" يرأسه، على أن يتولى المبعوث الأممي السابق للشرق الأوسط وزير الخارجية والدفاع البلغاري السابق نيكولاي ملادينوف إدارته عملياً".
وأضافت أنه "من المتوقع أن يشرف ملادينوف على تنفيذ خطة ترامب، وأن يكون حلقة وصل بين الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية ومجلس السلام".
ومن المقرر الكشف عن تشكيل "مجلس السلام" خلال منتدى دافوس بسويسرا في 23 يناير/ كانون الثاني الجاري، بحسب الصحيفة.
تشكيل حكومة التكنوقراط
ونص قرار تبناه مجلس الأمن الدولي في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي على أن غزة ستُدار عبر حكومة تكنوقراط (مستقلين) فلسطينية انتقالية، تعمل تحت إشراف "مجلس سلام" تنفيذي بقيادة ترامب.
وفي الأيام الأخيرة، شهدت القاهرة حراكاً مكثفاً من أجل الإعلان عن تشكيل حكومة التكنوقراط التي تتكون من 15 عضواً، ورحبت تركيا ومصر وقطر في بيان مشترك الأربعاء باكتمال تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية، برئاسة علي شعث، لإدارة قطاع غزة خلال مرحلة انتقالية.
فيما أكدت مصادر في حركة حماس استعدادها لتسليم الحكومة في قطاع غزة، مشيرة إلى أن الموظفين الذين كانوا يعملون بالقطاع سيكونون جزءاً من المنظومة الجديدة فيه.
ومن المقرر أن تعقد الهيئة الجديدة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية القاهرة، برئاسة شعث، بعد اكتمال وصول باقي أعضائها من قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم.
وبحسب المصادر، فإن الفصائل الفلسطينية اعترضت على اسمين من أعضاء حكومة التكنوقراط، وهما رامي حلس الذي تم تكليفه بملف الأوقاف، وسامي نسمان المكلف بملف الأمن.
تحديات المرحلة الثانية: أين يمكن أن تتعطل؟
أولاً: عقدة نزع السلاح
وتتحدث واشنطن عن مسار تدريجي لنزع السلاح من قطاع غزة، لكن حركة حماس تتمسك بسلاحها وفق تصريحات قادتها، وتؤكد أنها منفتحة على "أية مقترحات تحافظ على هذا الحق مع ضمان إقامة الدولة الفلسطينية".
كما تشدد على أنها حركة "مقاومة" لإسرائيل، التي تصنفها الأمم المتحدة "القوة القائمة بالاحتلال" في الأراضي الفلسطينية.
ويشكك الإسرائيليون بقبول حركة حماس فكرة "نزع السلاح"، وقد لوّح مسؤولو حكومة الاحتلال، بما فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعودة الحرب من أجل تحقيق هذا الهدف.
وقالت مصادر لـ"عربي بوست" إن الحركة تنظر بإيجابية في شأن إيجاد صيغة تتعلق بالسلاح دون "نزعه"، وهي منفتحة على أي نقاشات تتعلق بـ"وضع السلاح وتجميده".
وتروج الحركة، بحسب المصادر، لفكرة الهدنة الطويلة المتمثلة بوقف كافة الأنشطة العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة خلال 5 أو 7 سنوات، مشيرة إلى أنه "لن يتم ترميم قدرات المقاومة الفلسطينية خلال فترة الهدنة"، مع "عدم ظهور السلاح في الشارع" و"دمج الأجهزة الشرطية التابعة لها في الإدارة المحلية التي ستفرض سيطرتها أمنياً على قطاع غزة، وفق ما يتم تحديده".
ثانياً: الانسحاب الإسرائيلي من "الخط الأصفر"
ووفقاً للمرحلة الثانية، فإنه من المفترض أن يقوم الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب من المناطق المتواجد فيها حالياً، لكنه لا يزال يصر على عدم الانسحاب قبل إحراز أي تقدم بشأن نزع سلاح حماس، بحسب هيئة البث الإسرائيلية.
كما يرتبط الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة بتشكيل قوة دولية تنتشر في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
ثالثاً: تعثر نشر قوة حفظ السلام الدولية
رغم النص على وجود قوة دولية في غزة، لم يُنشر أي عنصر أجنبي بعد على الأرض بحلول يناير/ كانون الثاني 2026، ويعود ذلك إلى تردد الدول في إرسال قواتها إلى بيئة عالية الخطورة دون ضمانات.
وأعدّت الولايات المتحدة مشروع قرار أممي لتفويض قوة متعددة الجنسيات لفترة انتقالية مدتها سنتان، إلا أن كثيراً من الحكومات لم تُبدِ استعداداً للمشاركة بقوات.
كذلك رفضت إسرائيل مشاركة بعض الأطراف في أي قوة دولية مقترحة؛ فعلى سبيل المثال، أعلنت معارضتها الشديدة لنشر قوات تركية في غزة ضمن أي قوة أممية بسبب حساسيات أمنية وسياسية، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.
رابعاً: تأخر بدء الإعمار الشامل وتحسين الأوضاع الإنسانية
من المقرر إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة في غزة، بعد دمار إسرائيلي طال 90% من البنية التحتية المدنية، بكلفة قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
ولم يشر ويتكوف إلى إعادة فتح معبر رفح البري بين غزة ومصر في الاتجاهين، ضمن الجهود المرتقبة لإطلاق إعادة الإعمار.
و"تعتبر إسرائيل إعادة فتح المعبر (المسيطرة على جانبه الفلسطيني) أحد آخر أوراقها المتبقية لاستعادة جثمان ران غويلي"، بحسب "يديعوت أحرونوت".
وغويلي هو آخر أسير إسرائيلي في غزة، وتضغط تل أبيب بشدة لتسلم رفاته، بينما تقول "حماس" إن البحث عنه واستخراجه قد يحتاج وقتاً نظراً للدمار الهائل وعدم وجود المعدات اللازمة جراء الحصار الإسرائيلي.