هل تعتمد بكين على النفط الفنزويلي؟ إليك خارطة واردات الصين النفطية

تم النشر: 2026/01/08 الساعة 11:48 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/08 الساعة 12:04 بتوقيت غرينتش
من أين تحصل الصين على نفطها؟ وما موقع فنزويلا في هذه الخريطة (عربي بوست)

بعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو ومحاكمته في الولايات المتحدة، وحديث ترامب عن نية واشنطن "إدارة" فنزويلا ونفطها، تثار الكثير من الفرضيات حول أن السيطرة الأمريكية على صادرات النفط الفنزويلية، يمكن استخدامها كأداة ضغط على الصين، بحجة أن بكين تستحوذ على نحو 80% من صادرات النفط الفنزويلية. حيث ناقش بعض المحللين الأمريكيين والقادة الجمهوريين علنًا فكرة تقليص التدفقات النفطية من فنزويلا إلى الصين كوسيلة للضغط على بكين وعلى أي حكومة مستقبلية في كاراكاس. 

لكن في الواقع، هل الصين تعتمد بشكل كبير أو وحيد على فنزويلا في وارداتها النفطية اليومية، وما هي خارطة الموردين للصين عالمياً، وما حصصهم السوقية ضمن كمية براميل النفط التي تحصل عليها بكين يومياً؟ في هذا التقرير حاولنا تحليل بيانات من عدة مصادر وتقارير لفهم خارطة الموردين لبكين وتوزيعهم الجغرافي وموقع فنزويلا منهم.

بداية.. ما حجم اعتماد الصين على النفط الفنزويلي؟

في الحقيقة يمكن القول إن الصين لا تعتمد على النفط الفنزويلي اعتمادًا جوهريًا من حيث الكمية، في حين أصبحت فنزويلا تعتمد بدرجة كبيرة على الصين كمشترٍ رئيسي لنفطها، وذلك استنادًا إلى معلومات تم جمعها من مصادر وبيانات متاحة علنًا.

بحسب البيانات والتقارير المنشورة، تشتري الصين مئات الآلاف من البراميل يوميًا من النفط الفنزويلي ومشتقاته. ورغم أن هذه الكميات تمنح الصين نفوذًا واضحًا على صادرات فنزويلا النفطية، فإنها تظل محدودة بشكل كبير عند مقارنتها بإجمالي واردات الصين الضخمة من النفط الخام.

بالنسبة لفنزويلا، تمثل الصادرات المتجهة إلى الصين مصدرًا حيويًا للعملة الصعبة، ولا سيما في ظل القيود التي تفرضها العقوبات على وصولها إلى الأسواق الأمريكية والأوروبية. أما بالنسبة للصين، فإن النفط الفنزويلي يشكل عنصرًا ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مصادر الطاقة، إذ يوفر نفطًا خامًا ثقيلًا بأسعار مخفضة، لكنه لا يعد إمدادًا حاسمًا من حيث الحجم مقارنة بموردين رئيسيين مثل دول الشرق الأوسط أو روسيا.

يُباع جزء كبير من صادرات النفط الفنزويلية إلى الصين، على الرغم من أن بكين لا تُعلن إلا عن كميات ضئيلة منها، وغالبًا ما تُعاد تسمية الواردات تحت أسماء دول أخرى مثل ماليزيا. ووفقًا لشركة تحليلات الطاقة "فورتيكسا"، حققت الواردات أعلى قيمة لها بحوالي 470 ألف برميل يوميًا خلال عام 2025، أي ما يُعادل 4.5% تقريبًا من واردات الصين من النفط الخام المنقول بحرًا.

ما حجم النفط الفنزويلي المصدر إلى الصين – عربي بوست

تُعدّ مصافي التكرير الصغيرة المستقلة، المعروفة باسم "مصافي الشاي"، المشتري الصيني الرئيسي للنفط الخام الفنزويلي المخفّض. كما يُخصّص جزء من عائدات النفط لسداد ديون كاراكاس لبكين، والتي يُقدّر المحللون أنها تتجاوز 10 مليارات دولار.

وضخ المستثمرون الصينيون 2.1 مليار دولار في قطاع النفط في البلاد بعد عام 2016، وفقًا لتقديرات "معهد المشاريع الأمريكية" لعام 2023، وهم من بين عدد قليل من الشركات الأجنبية التي لا تزال تعمل في البلاد. مثل شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC)، التي كانت من كبار المستثمرين قبل أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات عليها عام 2019. وتُعد CNPC شريكًا في مشروع مشترك يُسيطر على 1.6 مليار برميل من احتياطيات النفط في فنزويلا، وفقًا لمؤسسة "مورغان ستانلي".

بالإضافة إلى ذلك، هناك مجموعة سينوبك الصينية، حيث تعد هذه الشركة العملاقة المملوكة للدولة شريكاً في مشروع مشترك يسيطر على 2.8 مليار برميل من الاحتياطيات في فنزويلا، وفقاً لمورغان ستانلي.

وهناك شركات صينية أخرى مثل شركة كيروي بتروليوم، ومجموعة آنهوي إرهوان للبترول، اللتان حصلتا على عقود إنتاج نفطي في عام 2024 من شركة النفط الفنزويلية (PDVSA)، وفقًا لتقرير لوكالة ستاندرد آند بورز، رغم عدم وجود تأكيدات رسمية من قبل هذه الشركات.

لكن من أين تحصل الصين على نفطها؟

لا تزال الصين -المصنع الأكبر في العالم- تحافظ على موقعها كأكبر مستورد للنفط الخام على وجه الأرض، حيث تستورد من أطراف كثر من بينهم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، رغم أن بكين تعد دولة منتجة للنفط، وليست مجرد مستورد. بل إنها تحتل المرتبة السادسة عالمياً في إنتاج النفط الخام، لكن المعضلة تكمن في الفجوة الهائلة بين ما تنتجه وما تستهلكه صناعياً وشعبياً حيث يبلغ عدد سكانها 1.42 مليار نسمة.

وتنتج الصين يومياً ما يقارب 4.2 إلى 4.3 مليون برميل من النفط. تتركز هذه الحقول في مناطق تاريخية مثل حقل "داتشينغ" (Daqing) في الشمال الشرقي، وحقل "شينغلي"، بالإضافة إلى اكتشافات بحرية حديثة في خليج "بوهاي". ورغم جهود شركات الطاقة الوطنية العملاقة (مثل CNPC و Sinopec) للحفاظ على استقرار الإنتاج عند حاجز الـ 4 ملايين برميل عبر تقنيات الحفر المكلفة والمعقدة، إلا أن الإنتاج وصل إلى مرحلة "الذروة والاستقرار" ويصعب زيادته بشكل كبير.

في المقابل، يبلغ استهلاك الصين اليومي حوالي 14 إلى 16 مليون برميل من النفط. هذا يعني أن الصين تستهلك أربعة أضعاف ما تنتجه، حيث أن الإنتاج المحلي يغطي قرابة 25-30% فقط من الحاجة، مما يجبر بكين على استيراد أكثر من 70% من نفطها من الخارج.

وفيما يلي خارطة موردي النفط للصين، والتي تعتمد على تحليل بيانات الجمارك الصينية (GACC) وتقارير تتبع الناقلات لمتوسط التدفقات اليومية خلال عام 2024 وبدايات 2025:

إنفوجرافيك: خارطة موردي النفط للصين 2024/2025 - (عربي بوست)
إنفوجرافيك: خارطة موردي النفط للصين 2024/2025 – (عربي بوست)

ومن خلال الأرقام الواردة أعلاه، يتضح أن التوزيع الجغرافي للاعتماد الصيني النفطي هو كالتالي:

لماذا لا تظهر واردات النفط من إيران وفنزويلا في هذه البيانات؟

في البيانات الرسمية للجمارك الصينية لعام 2025، ستجد خانة إيران وفنزويلا غالباً "صفراً" أو أرقاماً ضئيلة جداً لتجنب العقوبات الأمريكية. لكن فعلياً، الصين تستورد ما يقارب 1.2 إلى 1.3 مليون برميل من إيران وفنزويلا. 

وعلى سبيل المثال، بحسب شركة Kpler التي تتعقب ناقلات النفط حول العالم، فإن جميع النفط الإيراني الذي تم بيعه في عام 2024 تقريباً ذهب إلى الصين. وبحسب تقارير غربية، فقد نشرت إيران وفنزويلا ما يُعرف باسم "أسطول الظل" من ناقلات النفط، وهي مجموعة من السفن ذات ملكية غامضة تخفي مواقعها البحرية، مما يجعل من الصعب تتبع المكان الذي ينتهي إليه النفط الخام في نهاية المطاف.

لذلك تقوم الصين باحتساب هذه الكميات ضمن واردات "ماليزيا" (التي تظهر كرقم 3 في الجدول بكمية ضخمة لا تتناسب مع إنتاجها المحلي المتواضع) وجزء بسيط ضمن "دول أخرى".

وتتم هذه العملية بواسطة ما يعرف إصطلاحاً بـ"مصافي الشاي"، ضمن آلية معروفة باسم "النقل من سفينة إلى أخرى" (Ship-to-Ship Transfers – STS)، وتتم هذه العملية في المياه قبالة ماليزيا وسنغافورة، حيث يخلط النفط الإيراني أو الفنزويلي وتغيير وثائقه ليصبح "منشأ ماليزي" قبل شحنه للصين، وبالتالي يتم استخدام اسم ماليزيا كغطاء لنفط العقوبات الإيراني والفنزويلي والروسي.

تحميل المزيد