لم يكن فجر الثالث من يناير 2025 يوماً عادياً في العاصمة الفنزويلية كاراكاس٬ حيث اختفى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من المشهد بشكل مفاجئ وصادم للجميع، ليظهر لاحقاً مختطفاً مكبلاً في نيويورك، بينما كان دونالد ترامب يعلن من منتجعه في فلوريدا أن الولايات المتحدة "تتخذ القرار الآن" بشأن مستقبل بلد بأكمله.
ورغم الاستعراض الأمريكي في اعتقال الزعيم الفنزويلي الذي تحدى ترامب ورفض الانصياع للسياسات الأمريكية منذ وقت طويل٬ لم يتحدث ترامب عن تسليم السلطة للمعارضة، ولا عن مسار ديمقراطي واضح، بل عن "إدارة" أمريكية للبلاد ونفطها بـ"مليارات الدولارات"، وعن انتقال مؤجل للسلطة إلى أجل غير مسمى.
وهنا تحديداً، يطرح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الولايات المتحدة، حتى بعد إسقاط رأس النظام، أن تدير فنزويلا، وجيشها، واقتصادها ونفطها، وفك تشابكاتها الداخلية؟ أم أن ما بدا انتصاراً خاطفاً قد يتحول إلى خطأ استراتيجي وفخ سياسي وأمني جديد للأمريكيين؟
هل اختطاف مادورو كافٍ لإسقاط نظامه وإدارة دولته من قبل الأمريكيين؟
خلال مؤتمر صحفي، تطرق فيه إلى الهجمات الأمريكية على العاصمة الفنزويلية كاراكاس، واختطاف نيكولاس مادورو وزوجته٬ قال ترامب إن الولايات المتحدة "ستدير الأمور في فنزويلا حتى تحقيق انتقال آمن ومناسب ومعقول للسلطة هناك". مضيفا أننا "سنُدخل شركات النفط الأمريكية العملاقة إلى فنزويلا".
وزعم الرئيس الأمريكي أن "الشركات الأمريكية ستنفق مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية للنفط في فنزويلا، ثم تبدأ في تحقيق عائدات مالية للبلاد". وأضاف أنه "مع استراتيجيتنا الجديدة للأمن القومي لن تكون الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي موضع تساؤل مرة أخرى".
وادعى ترامب، أن "الشراكة" بين الولايات المتحدة وفنزويلا ستجعل الأخيرة "غنية وحرة وآمنة" وأن "المعاناة الطويلة للشعب الفنزويلي ستنتهي". وأردف: "يجب على جميع الشخصيات السياسية والعسكرية في فنزويلا أن تدرك أن ما حدث لمادورو قد يحدث لهم أيضاً، وإذا لم يكونوا منصفين فسيحدث هذا. لقد رحل الديكتاتور والإرهابي مادورو أخيراً عن فنزويلا، والشعب حر. لقد عادوا أحرارًا"، على حد تعبيره.
على عكس ما توحي به الصور الأولى لاعتقال مادورو مكبل اليدين ومغمى العينين، والتصريحات النارية والاستعراضية لترامب ووزرائه حول إدارة فنزويلا وثرواتها، إلا أن إزالة رأس النظام لا يعني انهيار النظام كاملاً٬ حيث أن النظام الفنزويلي قائم على شبكة معقدة من المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية.
تقول مجلة إيكونومست البريطانية إن مادورو خلال سنوات حكمه، أعاد تشكيل الدولة بحيث تصبح شبكة ولاءات متداخلة: جنرالات يسيطرون على قطاعات اقتصادية، أجهزة أمنية متغلغلة، وحتى جماعات مسلحة تعمل في الظل لصالح النظام.
وبحسب المجلة فإن الدولة العميقة التي تشكلت خلال عقدين، منذ عهد الزعيم الراحل هوغو تشافيز، ما زالت قائمة. والرهان على أن غياب الرجل سيؤدي تلقائياً إلى انهيار النظام يبدو مبالغاً فيه. التاريخ الفنزويلي الحديث، كما تجارب دول أخرى، يوضح أن هذا النوع من الأنظمة غالباً ما تنجو من سقوط رموزها، عبر التكيف السريع وإعادة توزيع الأدوار.
من هنا، فإن لحظة الانهيار التي تحدث عنها ترامب قد تكون، في الواقع، مجرد انتقال داخلي في موازين القوى داخل فنزويلا٬ التي يصر النظام فيها على عدم الاستسلام حتى بعد اختطاف الرئيس مادورو٬ بل الاستعداد لمعركة طويلة للدفاع عن البلاد.
ما وضع النظام في فنزويلا الآن بعد إخفاء قائده؟
بعد ساعات من إعلان الأمريكيين اختطاف مادورو وزوجته من العاصمة كاراكاس، أصدرت المحكمة العليا في فنزويلا قراراً بتعيين نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز٬ رئيسة للبلاد بشكل مؤقت. وفي خطاب متلفز يوم السبت، قالت رودريغيز: "إن الحكومات في جميع أنحاء العالم مصدومة من أن جمهورية فنزويلا أصبحت ضحية وهدفاً لهجوم من هذا النوع، والذي لا شك أن له دوافع صهيونية". وأضافت: "المتطرفون الذين روّجوا للعدوان المسلح ضد بلدنا – التاريخ والعدالة سيجعلانهم يدفعون الثمن".
أما وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز، فقد رفض الاستسلام للخطط الأمريكية ودعا السبت، المجتمع الدولي إلى إدانة الهجوم الأمريكي على بلاده. وقال لوبيز: "الشعب الفنزويلي كان هدفا لأبشع الهجمات العسكرية التي شنتها الحكومة الأمريكية".
وأضاف لوبيز أن الولايات المتحدة تشن هجمات بدافع "جشعها" للموارد الاستراتيجية لفنزويلا مثل النفط، وأن هذه الهجمات التي تُشن بذريعة "تهريب المخدرات"، تهدف إلى "فرض تغيير الحكومة في فنزويلا وإجبارها على الخضوع لمخططات الإمبريالية الأمريكية".
وقال: "وفقا لدستور جمهورية فنزويلا البوليفارية، وقانون حالة الطوارئ، وقانون الأمن القومي، فإننا نؤيد تماما قرار إعلان حالة الطوارئ الخارجية في جميع أنحاء البلاد". وأكد أن الشعب والجيش والشرطة سيتعاونون "لاستخدام جميع أنظمة الأسلحة المتاحة للدفاع الشامل".
في الوقت نفسه أعلنت الحكومة الفنزويلية إصدار تعليمات فورية بنشر الوحدات العسكرية ووحدات الدفاع في الولايات والبلدات بعموم البلاد. مؤكدة على احتفاظ فنزويلا بحق الدفاع الشرعي عن النفس، وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك "لحماية الشعب والأراضي والاستقلال الوطني". وقبل بضعة أشهر٬ أعلن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حشد قوات قوامها 4.5 ملايين شخص في بلاده، والاستعداد لصد أي هجوم أمريكي محتمل.

ما خارطة عمل ترامب في فنزويلا؟
بعد اختطاف مادورو، جدد الرئيس الأميركي تهديداته للسلطات الفنزويلية، وقال "نحن من يقود فنزويلا"، ثم تابع "إذا لم يلتزموا سننفذ ضربة ثانية". وانحصر حديث ترامب في ثلاثة محاور رئيسية: إدارة أمريكية مؤقتة، استثمارات ضخمة في قطاع النفط، وانتقال سياسي مؤجل.
لكن التفاصيل غائبة وحتى الآن لا ترقى تصريحات المسؤولين الأمريكيين إلى مستوى خطة متكاملة حول "إدارة فنزويلا"٬ ومن غير المؤكد أن يمكن ترامب حتى المعارضة الفنزويلية من استلام حكم البلاد بعد إسقاط النظام الحالي.
فبدلاً من دعم المعارضة، تعامل ترامب ببرود، بل وسخرية، مع أبرز رموزها، حيث قلل من شأن ماريا كورينا ماتشادو، كما تجاهل المرشح للانتخابات الرئاسية لعام 2024 إدموندو غونزاليس تماماً. في المقابل، لمح إلى دور محوري لديلسي رودريغيز، نائبة مادورو ووزيرة النفط.
وهذا التناقض يكشف جوهر المقاربة الأمريكية في عهد: الاستقرار أولاً بما ينفع المصالح الأمريكية، حتى لو جاء على حساب التحول الديمقراطي المزعوم٬ فبالنسبة لترامب، تظهر كملف نفطي وأمني قبل أي شيء.
وبحسب "الإيكونومست"٬ تُقدَّم ديلسي رودريغيز في واشنطن كشخصية "براغماتية" يمكن التفاهم معها. ويقول الأمريكيون إنها أكثر إلماماً بالاقتصاد من كثيرين داخل النظام، وقد ساهمت في تخفيف القيود الاقتصادية، وفي دولرة غير رسمية أعادت بعض الاستقرار للبلاد.
لكن هذه البراغماتية لها حدود، فرودريغيز ليست شخصية توافقية في الداخل. كما أن علاقتها متوترة مع قطاعات واسعة من المعارضة. كما أن قدرتها على الحكم لا تعتمد فقط على قبول واشنطن، بل على موقف الجيش والأجهزة الأمنية التي ترفض الخطط الأمريكية جملة وتفصيلا. وبالتالي أي صفقة تعقدها مع الولايات المتحدة ستكون بلا قيمة إن لم يضمنها الجنرالات. ثم إن خطابها العلني، الذي يرفض "الاستعمار الإمبريالي" ويؤكد أن مادورو لا يزال الرئيس.
هل من السهل على أمريكا إدارة نفط فنزويلا كما يزعم ترامب؟
في قلب كل ذلك، يقبع النفط كعامل إغراء لترامب للتعمق أكثر في فنزويلا. فالبلاد تملك أكبر احتياطي مؤكد في العالم، لكنه نفط ثقيل، مكلف الاستخراج، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة واستقرار طويل الأمد. ترامب يتحدث عن مليارات ستتدفق بسرعة ودعا الشركات الأمريكية للإنخراط في العملية، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالشركات الكبرى لا تستثمر في بيئات غير مستقرة سياسياً وأمنياً. ولا يمكن فصل إعادة بناء القطاع النفطي عن إعادة بناء الدولة نفسها. دون مؤسسات، وقانون، وشرعية، سيظل النفط نعمة مؤجلة.

في الوقت نفسه٬ يروج ترامب لفكرة أن النفط الفنزويلي (أكبر احتياطي مؤكد في العالم) هو غنيمة سهلة يمكن أن تسدد ديون المغامرة الأمريكية وتخفض أسعار الوقود. لكن الحقائق الفنية والاقتصادية ترسم صورة مأساوية لشركة النفط الوطنية (PDVSA)٬ وبالتالي ستحتاج الشركات الأمريكية لدفع الكثير قبل المباشرة في عملية الاستفادة من النفط الفنزويلي٬ لأسباب عديدة تذكرها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية ومعهد Baker Institute للسياسات الدولية:
- معضلة النفط الثقيل: نفط فنزويلا (خاصة في حزام أورينوكو) ثقيل جداً ويحتاج إلى مواد مخففة (Diluents) لمعالجته ونقله. هذه المواد كانت تستورد من إيران أو الولايات المتحدة. بدون بنية تحتية سليمة وسلاسل توريد معقدة، يبقى هذا النفط مجرد "طين أسود" عديم القيمة الاقتصادية الفورية التي يريدها ترامب.
- بنية تحتية متهالكة: بعد سنوات العقوبات القاسية، تحولت مصافي وأنابيب النفط الفنزويلية إلى "خردة تقنية". فالخبراء يقدرون أن إعادة الإنتاج إلى مستويات ما قبل 2015 (حوالي 3 ملايين برميل يومياً) تتطلب استثمارات تتراوح بين 50 إلى 100 مليار دولار وفترة زمنية لا تقل عن 5 إلى 7 سنوات حتى يحدث التغيير الكبير.
- النفط "المرهون": جزء كبير من صادرات النفط الفنزويلي المستقبلية مرهون فعلياً للصين وروسيا سداداً لديون بمليارات الدولارات. وبالتالي فإن أي محاولة أمريكية لتوجيه عوائد النفط لغير هؤلاء الدائنين ستفتح حرباً قانونية في المحاكم الدولية وتؤدي لمصادرة شحنات النفط في أعالي البحار.
- الدعاوى التحكيمية: هناك أزمة أخرى٬ فشركات مثل ConocoPhillips و Exxon لديها أحكام قضائية بمليارات الدولارات ضد فنزويلا. ولذلك فإن أي دولار يدخل خزينة الدولة ستطارده هذه الشركات، مما يجعل "إدارة العوائد" عملية قانونية معقدة وليست ربحاً صافياً وسريعاً لواشنطن.
هل تكون فنزويلا مستنقع الأمريكيين الجديد؟
يقول تقرير لمعهد تشاتام هاوس في بريطانيا أن واشنطن ليس لديها سجل قوي في إدارة الانتقالات السياسية بعد الإطاحة بقادة، كما أن الأهداف غير واضحة، والتخطيط غير كافٍ، ومثال ذلك تجارب العراق وأفغانستان.
وترى لوريل راب، مديرة برنامج الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية في المعهد إنه بغض النظر عما إذا كانت أهداف ترامب المعلنة للإطاحة بمادورو تتوافق مع دوافعه الكامنة، فإنه وحكومته يتحملون الآن مسؤولية ما سيحدث لاحقاً في فنزويلا.
وبحسب راب٬ فقد خاض ترامب الانتخابات الأمريكية ضد هذه "الحروب الأبدية" التي استمرت لعقود. وتُهدد هذه التحركات المبكرة في فنزويلا الآن بزجّ الولايات المتحدة في فخ ومهمة شاقة للغاية تتمثل في إدارة دولة أجنبية كبيرة مثل فنزويلا٬ كما أنها تُنذر بتكرار العديد من الأخطاء نفسها في العراق وأفغانستان وفيتنام وغيرها من الدول.

وتعهد ترامب بالبقاء في فنزويلا حتى يتم الانتقال المناسب، لتجنب احتمال تولي زعيم المسؤولية وهو "لا يضع مصلحة شعب فنزويلا في الاعتبار". لكن مدة المرحلة الانتقالية ومعاييرها ونتائجها النهائية لا تزال غامضة تمامًا. ويشير حديث ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو المبهم حول من يدير فنزويلا حاليًا إلى محدودية التخطيط لخلافة السلطة، إن وُجد.
وبحسب معهد تشاتام هاوس٬ تشير استطلاعات الرأي إلى أن المواطنين الأمريكيين يعارضون استخدام الجيش في فنزويلا. ومن المرجح أن تؤدي أي ضربات عسكرية داخل فنزويلا إضافية إلى تصويت في الكونغرس الأمريكي بموجب قانون صلاحيات الحرب. في الوقت الراهن على الأقل، لا يُعدّ ما حدث تغييراً للنظام، وبالتأكيد ليس انتقالاً ديمقراطياً، بل هو إطاحة بمادورو فقط.
في النهاية٬ تقول برونوين مادكس، المديرة والرئيسة التنفيذية، لمعهد تشاتام هاوس٬ إن عواقب اختطاف أمريكا للرئيس مادورو ستستغرق وقتًا لتتضح. ولا شك أن خصوم الولايات المتحدة سيستغلون غياب القانون الدولي في مثل هذه التصرفات. وستستخدم روسيا الإجراءات الأمريكية لتعزيز مبرراتها لغزو أوكرانيا٬ وقد تستشهد الصين بأفعال أمريكا في فنزويلا في خطابها بشأن جزيرة تايوان.
ويعتقد ترامب وإدارته أن التهديد باستخدام القوة كافٍ لردع الجميع. لكن التجارب السابقة تظهر أن انهيار مركز السلطة غالباً ما يفتح الباب أمام صراعات واسعة وحروب لا تنتهي. وإذا انفلت الوضع، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيار صعب: إما ترك الفوضى وتحمل عواقبها على حدودها، أو التورط عسكرياً على الأرض والغرق في مستنقع حرب جديدة.