القصة بدأت من هاتف موقوف مصري.. مصدر أمني يكشف تفاصيل تسريب تسجيلات رئيس المخابرات الليبية وتوقيته

عربي بوست
تم النشر: 2026/10/01 الساعة 14:38 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/10/01 الساعة 14:38 بتوقيت غرينتش
تفاصيل تسريبات رئيس المخابرات العامة الليبية عبد المجيد مليقطة/ عربي بوست

كشف مصدر أمني مطلع على ملف التسجيلات المنسوبة إلى رئيس المخابرات العامة الليبية، عبد المجيد مليقطة، أنها ظلت محفوظة منذ يناير/ كانون الثاني 2025، بعد وصولها إلى جهاز المخابرات الليبية من هاتف مواطن مصري أوقف في طرابلس، قبل أن تتغير طريقة التعامل معها بعد نحو عام ونصف.

بحسب المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه نظراً إلى حساسية الموضوع، جاء ذلك بالتزامن مع اشتداد الصراع على رئاسة جهاز المخابرات الليبية، وظهور مليقطة في لقاء رسمي مع رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد في العاصمة الأذربيجانية باكو.

تشير رواية المصدر الأمني الليبي المطلع على الملف إلى أن ما تسرب حتى الآن لا يمثل سوى الجزء الأقل حساسية من مجموعة أوسع من التسجيلات، تتضمن اتصالات مع شخصيات سياسية وأمنية واقتصادية في غرب ليبيا، فيما لا تزال مواد أخرى خارج التداول.

هاتف مصري فتح ملفاً أكبر

تبدأ القصة، وفق المصدر، في يناير/ كانون الثاني 2025، عندما أوقف مواطن مصري يدعى أحمد الشربيني في طرابلس بعد دخوله في مشاجرة مع مجموعة مسلحة.

يقول مصدر "عربي بوست" إن توقيف الشربيني لم يكن نتيجة عملية أمنية تستهدفه، بل جاء بصورة عرضية، قبل أن يُنقل إلى مقر يتبع جهاز المخابرات الذي كان يترأسه حينها حسين العايب.

بقي الشربيني محتجزاً لنحو نصف يوم، يضيف المصدر، وخلال تلك الفترة تمكن عناصر بالجهاز من الوصول إلى محتويات هاتفه. هنا تحولت واقعة المشاجرة إلى ملف أكثر حساسية، بعدما ظهرت في الهاتف تسجيلات لمكالمات مع شخصيات ليبية متعددة.

بحسب المصدر، شملت تلك الشخصيات عبد المجيد مليقطة، والقيادي المسلح عبد الغني الككلي المعروف بـ"غنيوة"، وسامي المنفي شقيق رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، إلى جانب مسؤولين في وزارات وشركات، وقيادات أمنية وأعضاء في المجلس الأعلى للدولة.

كما يقول مصدر "عربي بوست" إن الهاتف احتوى على اتصالات مع مسؤولين مصريين، ويصف المصدر الليبي الشربيني بأنه مرتبط بالمخابرات المصرية، وأنه كان يتحرك في طرابلس ويلتقي أطرافاً ليبية مختلفة ضمن نشاط يتعلق بالملف الليبي.

لم يتمكن "عربي بوست" من التحقق بصورة مستقلة من صفة الشربيني أو طبيعة المهمة التي كان يقوم بها، فيما تبقى تفاصيل ارتباطه بالجانب المصري ضمن رواية المصدر المطلع على الملف.

تحرك مصري لاحتواء الموقف

بحسب المصدر، وصلت تداعيات احتجاز الشربيني وما عُثر عليه في هاتفه سريعاً إلى القاهرة، بعدما باتت حساسية المواد الموجودة فيه واضحة. ويقول إن حساسية المواد دفعت الجانب المصري إلى التحرك من أجل احتواء القضية ومنع تحولها إلى أزمة مفتوحة.

يضيف المصدر أن مسؤولاً مصرياً يدعى عمرو حسين وصل إلى طرابلس والتقى حسين العايب في إطار محاولة معالجة الموقف. وبحسب الرواية نفسها، انتهى الأمر بإطلاق سراح الشربيني واحتواء الحادث سياسياً وأمنياً، لكن المواد الموجودة في هاتفه لم تختفِ. فقد احتُفظ بنسخ من التسجيلات لدى دائرة قريبة من العايب، في حين لم يُنشر منها شيء في ذلك الوقت.

يقول المصدر إن العايب لم يكن يريد حينها تحويل الملف إلى مواجهة إعلامية مع القاهرة، بل اعتبر أن مجرد معرفة الجانب المصري بأن هذه المواد أصبحت في حوزة جهازه كفيل بإيصال الرسالة. وكانت إحدى أهم هذه الرسائل، وفق المصدر، مرتبطة بعلاقة القاهرة بعبد المجيد مليقطة.

لماذا بقيت التسجيلات محفوظة؟

كانت التسجيلات موجودة منذ يناير/ كانون الثاني 2025، لكنها لم تُسرّب للإعلام، وبحسب المصدر، لم تكن هناك رغبة آنذاك في كشف كل ما هو موجود، بل في الاحتفاظ بالمعلومات باعتبارها ورقة ضغط داخل شبكة علاقات معقدة تجمع الأجهزة الأمنية الليبية بأطراف إقليمية منخرطة في الملف الليبي.

لكن المعادلة تغيرت خلال 2026، إذ إنه في يونيو/ حزيران أصدر المجلس الرئاسي قراراً بإعفاء حسين العايب من رئاسة جهاز المخابرات وتكليف عبد المجيد مليقطة بدلاً منه.

منذ ذلك التاريخ، تحول الخلاف إلى صراع مفتوح على رئاسة الجهاز وعلى من يملك حق تمثيله داخل ليبيا وخارجها، خصوصاً مع انتقال النزاع إلى القضاء وبقاء مسألة الشرعية محل تجاذب.

لم يبدأ التوتر بين الرجلين مع قرار تغيير رئاسة الجهاز، ففي 2025 صدرت أحكام في قضية محاولة اغتيال مليقطة، ونقلت وسائل إعلام ليبية أن من بين المحكوم عليهم نجل حسين العايب، ما أضاف خلفية شخصية وأمنية إلى الخلاف المؤسسي بين الطرفين.

لقاء باكو غيّر الحسابات

النقطة التي تغير بعدها التعامل مع التسجيلات، وفق المصدر، جاءت في سبتمبر/ أيلول 2026، خلال مؤتمر أمني في العاصمة الأذربيجانية باكو. وخلال المؤتمر، ظهر عبد المجيد مليقطة في لقاء مع رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد.

بالنسبة إلى دائرة حسين العايب، يقول مصدر "عربي بوست"، لم يُقرأ اللقاء باعتباره اجتماعاً أمنياً عادياً، بل باعتباره مؤشراً على استمرار تعامل القاهرة مع مليقطة بصفته رئيساً مكلفاً لجهاز المخابرات الليبية.

ودفع ظهور مليقطة إلى جانب رئيس المخابرات المصرية دائرة العايب إلى الاعتقاد بأن الرسالة التي كانت تتوقع أن تصل إلى القاهرة منذ واقعة الشربيني لم تغير شيئاً جوهرياً في طريقة تعامل الجانب المصري معه. وهنا، بدأ الانتقال من الاحتفاظ بالتسجيلات إلى استخدام أجزاء منها بصورة علنية.

التسريب بدأ بالأقل حساسية

لم يكن القرار هو إخراج الملف كاملاً دفعة واحدة، وإنما بدأ تسريب المواد الأقل حساسية، ويقول المصدر الأمني إن ما بدأ يتسرب كان من المواد التي يكفي نشرها لإظهار طبيعة بعض اتصالات مليقطة وإثارة أسئلة حول شبكة علاقاته الخارجية، من دون كشف كل ما هو موجود.

هذا يفسر، وفق رواية المصدر، سبب ظهور التسجيلات الآن رغم أنها كانت محفوظة منذ فترة طويلة. فالتسريب لم يكن نتيجة الحصول حديثاً على المكالمات، وإنما نتيجة تغير الحسابات المحيطة بها.

ويرى المصدر أن الهدف من المرحلة الأولى هو التأثير في صورة مليقطة أمام الرأي العام الليبي وأمام الأطراف الخارجية التي تتعامل معه، في وقت لا يزال فيه الخلاف على رئاسة جهاز المخابرات مفتوحاً.

كما جاء التسريب في لحظة لم يعد فيها النزاع محصوراً داخل طرابلس، بل امتد إلى سؤال من يمثل الجهاز أمام العواصم وأجهزة المخابرات الأجنبية.

الأهم لم يُنشر بعد

لكن أخطر ما يكشفه المصدر يتعلق بما لم يصل إلى الإعلام حتى الآن. فبحسب معلوماته، لا تزال لدى دائرة العايب تسجيلات أكثر حساسية. وبعض هذه التسجيلات يتضمن اتصالات مع شخصيات ليبية ومسؤولين مصريين لم تظهر أسماؤهم في المواد المتداولة.

يقول المصدر الأمني لـ"عربي بوست" إن عدم إخراج هذه التسجيلات حتى الآن متعمد، وإن الهدف هو الاحتفاظ بها كورقة يمكن استخدامها وفق تطورات الصراع خلال المرحلة المقبلة.

وهذا يعني أن ما ظهر من تسجيلات مليقطة قد لا يكون سوى الجزء الأول من ملف أكبر. فمنذ يناير/ كانون الثاني 2025 وحتى خريف 2026، لم تتغير التسجيلات نفسها بقدر ما تغيرت قيمتها السياسية.

في البداية بقيت محفوظة بعيداً عن الإعلام، ثم جاء الصراع على رئاسة جهاز المخابرات، وبعده جاء لقاء باكو. عندها بدأت التسجيلات في الخروج. ووفق المصدر، فإن المواد الأكثر أهمية لا تزال حتى الآن في الأدراج.

تحميل المزيد