كشفت مصادر عراقية لـ"عربي بوست" أن بغداد تبحث حالياً عن أكثر من مسار بديل لتصدير النفط العراقي، في محاولة لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز الذي يمر عبره الجزء الأكبر من صادراتها النفطية. وتتركز الخيارات المطروحة حول 3 مسارات: خط كركوك–جيهان، ومسار حديثة–بانياس وربما طرابلس، ومشروع البصرة–حديثة–العقبة.
لكن المصادر نفسها تقول إن أياً من هذه المسارات لا يستطيع في الوقت الحالي تعويض الصادرات التي كانت تمر عبر هرمز، إذ ما يزال ممر كركوك–جيهان يحتاج إلى رفع طاقته ومعالجة خلافات سياسية وقانونية، في حين تصطدم المسارات الأخرى بعقبات أمنية وسياسية وتقنية، فضلاً عن احتياجها إلى استثمارات ضخمة وأعمال إنشاء قد تستغرق سنوات.
وتكشف الأزمة حجم الكلفة التي دفعها العراق نتيجة اعتماده شبه الكامل على هرمز، بعدما انخفضت صادراته النفطية بأكثر من 85% بين مارس/ آذار ويونيو/ حزيران 2026، وفق مسؤول مالي عراقي، وتراجعت الإيرادات النفطية الشهرية إلى أقل من 1.4 مليار دولار. ويقول المسؤول إن عجز الموازنة العامة تضاعف نحو 3 مرات بنهاية يونيو/ حزيران 2026 مقارنة بالعام الماضي.
"هرمز" نقطة الضعف التي حذرت منها بغداد
ناقشت الحكومات العراقية المتعاقبة ووزارة النفط، على مدى سنوات، مخاطر الاعتماد الكامل على مضيق هرمز لتصدير النفط، واعتبرت هذا الاعتماد نقطة ضعف استراتيجية للدولة. لكن هذه التحذيرات لم تتحول إلى شبكة بديلة قادرة على استيعاب صادرات العراق عندما وقع الاختبار الفعلي.
وبعد إغلاق المضيق جراء الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وجدت الحكومة العراقية نفسها أمام أزمة اقتصادية غير مسبوقة. ويقول مسؤول رفيع المستوى في وزارة المالية العراقية لـ"عربي بوست": "فجأة ومع إغلاق مضيق هرمز وجدنا أنفسنا على حافة الانهيار الاقتصادي، ولا نعلم إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول ماذا سنفعل".
قبل اندلاع الحرب وإغلاق المضيق، كان العراق يصدر ما يقرب من 3.5 مليون برميل من النفط الخام يومياً، فيما بلغ متوسط الإيرادات النفطية الشهرية نحو 7 مليارات دولار.
وبحسب المسؤولين العراقيين الذين تحدثوا لـ"عربي بوست"، كانت هذه الإيرادات تكفي لتغطية الالتزامات الحكومية الرئيسية، بدءاً من رواتب الموظفين، وصولاً إلى معاشات التقاعد وأموال الرعاية الاجتماعية ونفقات الخدمات الأساسية.
لكن إغلاق هرمز أدى إلى انهيار صادرات النفط العراقية، التي انخفضت بأكثر من 85% بين شهري مارس/ آذار ويونيو/ حزيران 2026، بينما تراجعت الإيرادات النفطية الشهرية إلى أقل من 1.4 مليار دولار، بحسب المسؤول المالي العراقي.
ويضيف المسؤول أن عجز الموازنة العامة "تضاعف حوالي ثلاث مرات بنهاية شهر يونيو مقارنة بالعام الماضي". وخلال الأشهر الماضية، كافحت الحكومة العراقية لتأمين النفقات الأساسية، فيما أصبح توفير رواتب موظفي الدولة ومعاشات المتقاعدين، بحسب المصدر نفسه، "كابوساً" يتكرر كل شهر بسبب تراجع صادرات النفط.
ويرى الباحث السياسي عادل الحسيني، المقرب من دوائر صنع القرار في بغداد، أن العراق أهدر سنوات طويلة من دون إنشاء مسارات بديلة، رغم تجربة حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي. ويقول: "لقد أضاع العراق سنوات طويلة دون التحرك للبحث عن طرق بديلة لتصدير نفطه، وهو الذي خاض أزمة حرب الناقلات في الثمانينات ويعلم مدى أهمية إيجاد مسارات بديلة لهرمز".
ويضيف الحسيني أن الحكومة العراقية تعتمد "اعتماداً شبه كامل على إيرادات النفط"، وكان ينبغي للحكومات المتعاقبة تأمين طرق بديلة قبل الوصول إلى الأزمة الحالية.
بديل أسرع لكن ليس بالقدرة الكافية
يبرز خط كركوك–جيهان بوصفه أقدم البدائل العراقية لتصدير النفط وأكثرها جاهزية، إذ يمتلك بنية تصديرية قائمة ويمكن تشغيله لرفع الصادرات بعيداً عن مضيق هرمز.
وصُمم الخط بطاقة استيعابية تصل إلى مليون برميل يومياً، لكنه لم يصل طوال تاريخه إلى هذا المستوى لأسباب متعددة، بينها الاعتبارات الأمنية والخلافات السياسية بين حكومتي إقليم كردستان وبغداد وأنقرة.
ويقول مسؤول رفيع المستوى في وزارة النفط العراقية إن خط كركوك–جيهان "يُعتبر خط طوارئ استراتيجي هام لأنه جاهز للعمل ويمتلك بنية تصديرية قائمة بالفعل ويمكن الاعتماد عليه بشكل كبير".
يضيف المصدر في تصريح لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الكشف عن هويته، أن الخط كان يفترض أن يكون "البديل الأسرع والأكثر جاهزية لمضيق هرمز"، لكن الاستفادة الكاملة منه تصطدم بعقبات سياسية وقانونية متراكمة.
من أبرز هذه العقبات الخلافات السابقة بين بغداد وأنقرة بشأن تصدير نفط إقليم كردستان من دون موافقة الحكومة المركزية في بغداد. ووفق المصدر نفسه، لم يتم حتى الآن التوصل إلى اتفاق ثابت يسمح بعودة كبيرة ومستقرة للصادرات عبر الخط.
ويقول المصدر إن خط كركوك–جيهان ظل أيضاً ورقة ضغط تستخدمها الحكومتان العراقية والتركية في مفاوضات تتداخل فيها ملفات الموارد المائية والأمنية.
مع ذلك، توصلت بغداد وأنقرة، وفق المصادر العراقية، إلى اتفاق مؤقت يسمح برفع معدل الصادرات عبر خط كركوك–جيهان من نحو 225 ألف برميل يومياً إلى 750 ألف برميل يومياً.
لكن هذا المستوى لا يزال بعيداً عن القدرة التي تحتاجها بغداد لتخفيف الأزمة بصورة أكبر. ويقول المسؤول في وزارة النفط إن الصادرات يجب أن ترتفع إلى مليون برميل يومياً حتى تتمكن بغداد من تمرير جزء من نفط الجنوب عبر الخط، ما يساعدها على مواجهة الأزمة المالية الحالية.
حديثة–بانياس: عقبات سياسية وأمنية
المسار الثاني الذي تبحثه الحكومة العراقية يقوم على نقل النفط من غرب العراق باتجاه سوريا، مع احتمال امتداده إلى ميناء طرابلس في لبنان.
وبحسب المصادر الحكومية العراقية، يعمل رئيس الوزراء علي الزيدي على إنشاء خطوط أنابيب لنقل النفط العراقي إلى ميناء بانياس السوري، وربما إلى طرابلس اللبنانية. وتقول مصادر حكومية عراقية إن واشنطن تحث بغداد على ربط مسارات الطاقة بين العراق وإيران ولبنان.
لدى العراق بالفعل خطوط قديمة لنقل النفط إلى سوريا، بينها خط كركوك–بانياس، لكنها متوقفة منذ فترة طويلة. ويرى عادل الحسيني أن إعادة تأهيل هذه الخطوط تحتاج إلى أموال طائلة لا تمتلكها بغداد في الوقت الحالي.
ولهذا يتحدث الحسيني عن مسارات أخرى، خصوصاً المسار الممتد من مدينة حديثة في غرب العراق إلى بانياس. لكن المصادر العراقية التي تحدثت إلى "عربي بوست" تشير إلى أن هذا الخيار يواجه عقبات سياسية وتقنية وأمنية، ما يجعل تحويله إلى مسار تصديري فعلي أمراً معقداً.
يقول قيادي في الإطار التنسيقي الشيعي، ومقرب من طهران، لـ"عربي بوست": "هناك معارضة شديدة داخل الأوساط السياسية الشيعية لتعزيز أي تعاون في مجال تصدير النفط بين العراق وسوريا، كما أن الفصائل المسلحة المقربة من إيران لن تسمح بهذا الأمر أيضاً".
يضيف المصدر: "ستجد الحكومة نفسها في مواجهة مع الفصائل التي ستحاول عرقلة هذا المسار، ولا تمتلك أي حكومة عراقية القدرة على تأمين هذا الخط، بالإضافة إلى الرفض الإيراني الذي سيواجه رغبة الزيدي في إحياء المسارات بين سوريا والعراق لتصدير النفط".
لا تقتصر العقبات على السياسة والأمن، إذ تبرز أيضاً مشكلة الطاقة الاستيعابية للموانئ التي يمكن أن تستقبل النفط العراقي. وبحسب مسؤولين في وزارة النفط العراقية، يستطيع ميناء بانياس استقبال نحو 100 ألف برميل يومياً، بينما يحتاج ميناء طرابلس في لبنان إلى أعمال تطوير كبيرة حتى يصبح قادراً على استقبال كميات كبيرة من النفط الخام.
وبالتالي، فإن هذا المسار، حتى في حال تجاوز العقبات السياسية والأمنية، لا يبدو قادراً في وضعه الحالي على استيعاب سوى جزء محدود من صادرات العراق.
البصرة–حديثة–العقبة: كلفة 26 مليار دولار
الخيار الثالث يتمثل في مشروع البصرة–حديثة–العقبة، الذي تنظر إليه الحكومة العراقية باعتباره مساراً مهماً ضمن منظومة البدائل طويلة الأمد لمضيق هرمز.
ويمتاز هذا الخيار بإمكانية توفير منفذ للعراق على البحر الأحمر، ما يسمح له بالوصول إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية من دون الحاجة إلى عبور مضيق هرمز، كما يعزز علاقاته الاقتصادية والإقليمية مع الأردن.
لكن المشروع يواجه عقبة رئيسية تتمثل في كلفته الإنشائية المرتفعة، التي قُدرت بنحو 26 مليار دولار، فضلاً عن المعارضة السياسية داخل العراق.
ويقول عادل الحسيني لـ"عربي بوست" إن النخبة السياسية الشيعية في العراق ترى في هذا المسار "مكافأة لإسرائيل"، بسبب المخاوف من احتمال وصول جزء من النفط المصدر إلى إسرائيل، نظراً للموقع الجغرافي لميناء العقبة بالقرب من ميناء إيلات الإسرائيلي.
مع ذلك، يرى الحسيني أن المسار الأردني يمتلك أهمية استراتيجية للعراق، لأنه يوفر منفذاً إلى البحر الأحمر من دون المرور عبر هرمز، كما يمكن أن يعزز علاقات بغداد مع الأردن ومحيطها الإقليمي.
لكنه يضيف أن التكلفة الضخمة لبناء البنية التحتية، إلى جانب المعارضة السياسية والقدرة الاستيعابية المحدودة نسبياً مقارنة بإجمالي صادرات العراق، تجعل المشروع حلاً جزئياً للأزمة وليس بديلاً كاملاً لمضيق هرمز.
لماذا لا تنقذ هذه البدائل العراق سريعاً؟
تكشف الخيارات الثلاثة أن مشكلة العراق لا تتمثل فقط في غياب البدائل، وإنما في أن البدائل الموجودة أو المطروحة لا تمتلك حالياً القدرة على تعويض صادرات النفط التي كانت تمر عبر مضيق هرمز.
فخط كركوك–جيهان هو الأكثر جاهزية، لكنه يحتاج إلى رفع طاقته إلى مليون برميل يومياً، إضافة إلى معالجة الخلافات السياسية والقانونية التي عرقلت استخدامه بصورة كاملة في السابق.
أما مسار حديثة–بانياس–طرابلس، فيحتاج إلى إعادة بناء أو تأهيل بنية تحتية متوقفة، ويواجه عقبات سياسية وأمنية، فيما تظل قدرة الموانئ المعنية محدودة مقارنة بحجم صادرات العراق.
في المقابل، يوفر مشروع البصرة–حديثة–العقبة منفذاً استراتيجياً بعيداً عن هرمز، لكنه يحتاج إلى استثمارات تُقدر بعشرات المليارات، كما يواجه اعتراضات سياسية داخل العراق.
ويقول مسؤول وزارة النفط العراقية لـ"عربي بوست": "للأسف لا توجد حلول سريعة لأزمة توقف صادرات النفط العراقي، كل المسارات التي تتم مناقشتها تعتبر حلولاً جزئية تُفيد أزمات قادمة، ولكنها غير فعالة بالنسبة للأزمة الحالية".
ويضيف: "هذا لا يمنع العمل بجدية على هذه المسارات، ولكن من غير المتوقع أن تحل الأزمة الاقتصادية الحالية للعراق، لأنها ببساطة تتطلب سنوات من أعمال الإنشاءات واستثمارات بمليارات الدولارات".
الحل العاجل يظل مرتبطاً بهرمز
يرى عادل الحسيني أن الحل الفوري للأزمة يظل مرتبطاً بمضيق هرمز نفسه. ويقول لـ"عربي بوست": "الحل هو أن توافق إيران على مرور ناقلات النفط العراقي من مضيق هرمز لإحداث انفراجة ولو نسبية للأزمة الاقتصادية في العراق".
لكن الحسيني لا يتوقع حدوث ذلك، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية تواصلت مع المسؤولين الإيرانيين من أجل العمل على هذا الأمر، إلا أن طهران رفضت، بحسب قوله، بطرق مباشرة أو غير مباشرة.
ويضيف أن السماح بمرور النفط العراقي، وفق تقديره، قد يهدد خطة طهران في قطع إمدادات الطاقة عن الأسواق العالمية.
بذلك، يجد العراق نفسه أمام مفارقة صعبة: الحاجة إلى بناء مسارات تصدير بديلة أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لكن هذه المسارات تحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة وتسويات سياسية وأمنية، بينما الأزمة المالية الناجمة عن تراجع صادرات النفط قائمة الآن.
تكشف أزمة هرمز، وفق المصادر العراقية، أن البديل الذي لم يُبنَ في سنوات الاستقرار لا يمكن إنشاؤه في أسابيع الأزمة، وأن بغداد باتت مطالبة بالتعامل مع أمن مسارات تصدير النفط باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي، وليس مجرد ملف لوجستي أو تجاري.