خريطة سلاح غامضة وانفجارات متتالية.. كواليس معركة السيطرة على مستودعات السلاح في سوريا

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/25 الساعة 14:10 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/25 الساعة 14:10 بتوقيت غرينتش
زمة مخازن الأسلحة والذخائر في سوريا/ عربي بوست

كشفت مصادر عسكرية سورية لـ"عربي بوست" أن تكرار انفجارات مستودعات الأسلحة والذخائر في سوريا لم يعد يُنظر إليه داخل وزارة الدفاع باعتباره سلسلة حوادث منفصلة، بل أصبح جزءاً من مراجعة أوسع لعملية إعادة جمع السلاح وتصنيفه ونقله وإعادة توزيع مخازنه، بالتزامن مع محاولة بناء منظومة إمداد عسكرية مركزية.

وتقول المصادر إن المشكلة التي تواجه المؤسسة العسكرية الجديدة لا تقتصر على معرفة أسباب كل انفجار، وإنما تبدأ من سؤال أكبر: كيف يمكن للدولة أن تسيطر على ترسانة ضخمة ومتشعبة ورثتها من الجيش السابق والأجهزة الأمنية والفصائل والمجموعات المحلية، ثم تدخلها ضمن سلسلة عسكرية واحدة يمكن جردها وتأمينها ومراقبة حركتها؟

خلال سبتمبر/ أيلول 2026 وحده، توزعت الانفجارات بين بنش وسرمدا في إدلب، والضمير في ريف دمشق، وعياش في دير الزور، والعيس جنوبي حلب. ووقع بعض هذه الحوادث خلال عمليات جمع أو معالجة أو نقل الذخائر، ما يضع المستودعات وآليات التعامل معها في قلب واحدة من أكثر مراحل إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية حساسية.

بحسب المعلومات، شهدت سوريا ما لا يقل عن 16 انفجاراً في منشآت لتخزين الأسلحة والذخائر في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد. وبينما أرجعت السلطات بعض الحوادث إلى سوء التخزين والحرائق وتدهور حالة الذخائر، بقيت أسباب حوادث أخرى من دون تفسير معلن، في وقت بدأ فيه الجانب الأمني يدخل بصورة أكبر في مراجعة هذه الوقائع.

خريطة سلاح من 4 طبقات

تعمل وزارة الدفاع على واحدة من أعقد عمليات إعادة التنظيم العسكري منذ سقوط النظام السابق، لأنها لا تتعامل مع ترسانة واحدة متجانسة يمكن جردها ونقلها بسهولة، وإنما مع طبقات مختلفة من السلاح تشكلت خلال سنوات الحرب وتوزعت بين مؤسسات الدولة السابقة والفصائل والمجموعات المحلية.

تضم الطبقة 1، وفق المصدر العسكري السوري، مستودعات الجيش السابق والأجهزة الأمنية والقوات والتشكيلات المرتبطة بها، ما فيها مواقع معلنة وأخرى سرية أو تحت الأرض. وهذه المستودعات تمثل الجزء الأكبر من الإرث العسكري الذي انتقل إلى المؤسسة الجديدة مع سقوط النظام.

أما الطبقة 2 فتتكون من مستودعات هيئة تحرير الشام والفصائل التي عملت في شمال سوريا قبل أن تنتقل أجزاء كبيرة منها إلى المؤسسات العسكرية الجديدة. وتختلف هذه المواقع في طبيعتها وحجمها وطريقة إدارتها، ما يجعل إدخالها ضمن منظومة موحدة عملية معقدة.

توجد إلى جانب ذلك مخازن صغيرة ومتوسطة أنشأتها مجموعات محلية وشبكات تجارة وتهريب السلاح. وهذه الطبقة أكثر تعقيداً، بسبب عدم وجود سجلات مركزية تحدد مواقعها وكمياتها والجهات التي تملكها، فضلاً عن ارتباط بعضها بشبكات تشكلت خلال سنوات الحرب.

فوق هذه الطبقات بدأت تتشكل خريطة 4 هي الأكثر أهمية بالنسبة إلى المؤسسة الجديدة: مستودعات ومراكز إمداد الجيش السوري الجديد، التي يجري نقل الأسلحة المصنفة والقابلة للاستخدام إليها تدريجياً وربطها بالوحدات التابعة لوزارة الدفاع.

بذلك لم تعد عملية بناء الجيش مقتصرة على دمج الفصائل والعناصر داخل تشكيلات رسمية، وإنما انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق ببناء منظومة الإمداد والتسليح والذخائر التي يحتاج إليها أي جيش مركزي.

سرمدا تكشف المرحلة الانتقالية

يقدم انفجار سرمدا في 9 سبتمبر/ أيلول 2026، مثالاً واضحاً على طبيعة المرحلة التي تمر بها عملية إدارة الترسانة، ولم تصف وزارة الدفاع السورية الموقع بأنه مستودع عسكري دائم، وإنما قالت إنه "مخزن مؤقت للأسلحة ومخلفات الحرب".

وأعلنت الوزارة سقوط 14 من عناصرها وإصابة أكثر من 10 أشخاص، مؤكدة استمرار التحقيق وتحملها المسؤولية عن الحادثة. لكن عبارة "مخزن مؤقت" تكتسب أهمية تتجاوز توصيف الموقع نفسه، لأنها تكشف عن وجود مرحلة وسيطة في عملية إدارة الترسانة السورية.

ففي هذه المرحلة، تُجمع الأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب في نقاط محددة قبل فحصها وتصنيفها ونقلها إلى وجهتها التالية. وهذا يعني أن بعض المواقع التي تتعامل معها وزارة الدفاع حالياً ليست بالضرورة مستودعات نهائية مستقرة، وإنما محطات ضمن عملية نقل وإعادة توزيع أوسع.

بعد 9 أيام، ظهرت المشكلة نفسها بصورة مختلفة في عياش بريف دير الزور، إذ قُتل 11 عسكرياً وأصيب آخرون بانفجار داخل موقع للجيش، بينما أفادت وسائل إعلام سورية بأن العسكريين كانوا يتعاملون مع ذخائر ثقيلة عندما وقع الانفجار.

هذا يعني أن 2 من أكثر الحوادث دموية خلال سبتمبر/ أيلول 2026 وقعتا داخل بيئة مرتبطة بتحريك وإعادة تنظيم الذخائر، وليس بالضرورة داخل مستودعات نهائية مستقرة.

من يعرف خريطة المستودعات؟

المشكلة الأكثر تعقيداً أمام وزارة الدفاع، بحسب مصادر عسكرية سورية، لا تتمثل في العثور على المستودعات المعروفة فقط، وإنما في إعادة بناء تاريخ كل مستودع وتحديد ما جرى داخله خلال سنوات الحرب.

معرفة موقع المستودع القديم لا تجيب بالضرورة عن أسئلة أساسية: من كان يديره؟ وما كمية السلاح التي كانت موجودة فيه؟ ومن امتلك مفاتيحه ومعلوماته؟ وما الذي نُقل منه خلال انهيار النظام السابق؟ وأين ذهبت الذخائر التي خرجت منه؟

لهذا تحتاج الأجهزة العسكرية والاستخباراتية إلى مطابقة سجلات الجيش السابق مع المعلومات التي يقدمها الضباط والعناصر السابقون، وسجلات الفصائل، وعمليات الضبط الجديدة، وصولاً إلى بناء قاعدة معلومات مركزية للمخزون العسكري.

تزداد حساسية هذه المهمة بسبب وجود أشخاص خارج المؤسسة العسكرية الحالية يمتلكون معرفة تفصيلية بمستودعات ومخابئ ومسارات إمداد أُنشئت خلال الحرب. وبالتالي، فإن نقل السيطرة على السلاح لا يعني بالضرورة نقل المعرفة المتعلقة به في الوقت نفسه.

تشير مصادر عسكرية إلى أن أحد التحديات الحالية يتمثل تحديداً في نقل المعرفة المتعلقة بالسلاح إلى الدولة بالتوازي مع نقل السلاح نفسه إليها، لأن السيطرة الفعلية على الترسانة تحتاج إلى معرفة مواقعها وحجمها ومسارات حركتها والأشخاص الذين تعاملوا معها.

التحقيقات تنتقل من حادثة إلى سلسلة

بعد انفجار العيس جنوبي حلب، أعلنت وزارة الدفاع بصورة لافتة أن التحقيق لا يقتصر على الموقع الأخير، وإنما يشمل الانفجارات التي شهدتها بعض المواقع العسكرية. وقالت الوزارة إنها ستعلن المعلومات المؤكدة بعد انتهاء التحقيقات، ما لا يضر بأمنها.

في الوقت نفسه، انتشرت الشرطة العسكرية حول موقع العيس، فيما تولت وحدات الهندسة العسكرية تأمين المنطقة والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة.

ويشير هذا التوسع في التحقيقات إلى أن وزارة الدفاع بدأت تنظر إلى الحوادث ضمن إطار أوسع، حتى من دون وجود دليل معلن حتى الآن على أنها مرتبطة ببعضها أو تقف خلفها جهة واحدة.

بحسب مصادر عسكرية سورية، تتحرك المراجعة على أكثر من مستوى، بينها شروط التخزين وحالة الذخائر القديمة وإجراءات النقل وطبيعة المواقع المؤقتة، إضافة إلى الجانب الأمني المرتبط بالأشخاص الذين يستطيعون الوصول إلى معلومات عن المستودعات وحركة الذخائر.

هنا يتحول التحقيق من البحث عن سبب انفجار منفرد إلى محاولة لفهم البيئة التي أنتجت هذه الحوادث: كيف تُخزن الذخائر، ومن يتولى نقلها، وأين تُجمع، ومن يعرف مواقعها، ومن يملك القدرة على الوصول إليها.

هل هناك اختراق؟

لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن الانفجارات ناجمة عن عمليات تخريب منظمة، كما لم تتهم وزارة الدفاع السورية إسرائيل أو أي جهة خارجية بالمسؤولية عنها.

تشير الوقائع المتاحة إلى وجود أسباب فنية محتملة، خصوصاً مع وجود ذخائر متقادمة ومخلفات حرب يجري جمعها ونقلها، فضلاً عن اختلاف شروط التخزين بين المواقع التي ورثتها الدولة الجديدة.

لكن مصادر عسكرية سورية تقول إن تكرار الحوادث جعل الجانب الأمني جزءاً لا يمكن استبعاده من التحقيق، وخصوصاً لناحية معرفة من يمتلك معلومات عن المواقع الجديدة ومسارات نقل الذخائر.

وتكمن حساسية هذه النقطة في أن عملية إعادة التنظيم نفسها تكشف تدريجياً خريطة عسكرية كانت موزعة ومخفية طوال سنوات الحرب. فكل مستودع جديد يحتاج إلى طريق إمداد وحراسة وعناصر نقل ووحدات تستقبل السلاح.

بالتالي، فإن تتبع حركة الذخائر لا يتعلق فقط بالسلامة العسكرية، وإنما يمكن أن يوفر معلومات عن الوحدات التي يعاد تجهيزها والمواقع التي تعتمدها وزارة الدفاع كمراكز إمداد جديدة.

عين إسرائيل على الجيش الجديد

تتزامن هذه التطورات مع متابعة إسرائيلية متزايدة لإعادة بناء القوات المسلحة السورية. وتنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى المسألة من زاوية تتجاوز القوات المنتشرة قرب الجولان، لتشمل طبيعة الجيش الذي تعمل دمشق على بنائه، ومصادر تسليحه، والعلاقة العسكرية المتنامية مع تركيا.

تحدثت تقارير إسرائيلية حديثة عن متابعة تدريبات الجيش السوري الجديد على مستوى الألوية، في وقت تبدي فيه تل أبيب حساسية خاصة تجاه احتمال دخول منظومات دفاع جوي أو قدرات عسكرية تركية متطورة إلى سوريا.

وقالت مصادر دبلوماسية عربية إن النقطة التي تراقبها عدة عواصم لا تتعلق بحجم الجيش السوري فقط، وإنما بانتقال دمشق من مرحلة جمع التشكيلات إلى بناء "البنية التحتية للقوة": القواعد ومراكز التدريب والقيادة ومستودعات الذخيرة وشبكات الاتصالات والدفاع الجوي.

من هذه الزاوية، تصبح المستودعات جزءاً من الصراع الاستخباراتي حول معرفة شكل الجيش السوري قبل اكتمال بنائه. فموقع تخزين الذخائر، وطريقة ربطه بالوحدات، ومسارات الإمداد التي تصل إليه، كلها تدخل ضمن صورة المؤسسة العسكرية التي تحاول دمشق بناءها.

يزيد التعاون العسكري السوري–التركي من أهمية هذه الخريطة، إذ إن المسار الذي بدأ بالتدريب وإعادة تأهيل الوحدات يتجه تدريجياً نحو المساهمة في بناء قدرات عسكرية أكثر انتظاماً، ما يعني أن المؤسسة السورية الجديدة لن تعتمد حصراً على ما ورثته من ترسانة النظام السابق والفصائل.

بالتالي، ستظهر مع الوقت منظومة موازية مرتبطة بالسلاح والمعدات الجديدة، ما يتطلب مخازن ومراكز صيانة وتدريب وشبكات إمداد مختلفة عن تلك الموروثة من سنوات الحرب.

وهنا تتقاطع الحسابات التركية والإسرائيلية، فبالنسبة إلى أنقرة يمثل بناء جيش مركزي قادر على السيطرة على الأراضي السورية ركناً أساسياً في استقرار الدولة الجديدة، بينما تنظر إسرائيل بحساسية إلى تحول الدعم التركي من التدريب والتنظيم إلى قدرات يمكن أن تحد مستقبلاً من حرية حركتها العسكرية داخل سوريا.

معركة أخرى مع اقتصاد الحرب

في موازاة ذلك، تواجه دمشق تحدياً داخلياً مختلفاً يتعلق بالسوق السوداء للسلاح، فعلى مدار سنوات الحرب، لم يكن السلاح أداة قتال فقط، وإنما تحول إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، تشكلت حوله شبكات من التجار والوسطاء والمهربين والمستودعات ومسارات النقل عبر المحافظات والحدود.

مع سقوط النظام لم تختف هذه الشبكات تلقائياً، وبالتالي تتحرك داخل سوريا اليوم منظومتان متعارضتان: الأولى تحاول فيها الدولة جمع السلاح وتسجيله وتصنيفه وإدخاله إلى المؤسسة العسكرية، والثانية تحاول فيها بقايا اقتصاد الحرب الحفاظ على السلاح باعتباره أصلاً مالياً يمكن بيعه أو تهريبه أو إخفاؤه.

وهذا يفسر لماذا يصبح حصر المستودعات عملية أمنية واستخباراتية بقدر ما هي مهمة لوجستية. فالدولة لا تبحث فقط عن تخزين آمن للذخائر، وإنما تحاول في الوقت نفسه تحديد ما تملكه، ومن يملك السلاح خارج مؤسساتها، وما إذا كانت هناك مخازن لم تدخل بعد في خريطة الترسانة الرسمية.

المشكلة ليست في عدد الانفجارات

تكشف سلسلة سبتمبر/ أيلول، في المحصلة، نقطة ضعف أساسية في المرحلة التي تمر بها المؤسسة العسكرية السورية: دمشق تحاول بناء جيش جديد باستخدام جزء من ترسانة قديمة ومبعثرة، فيما تجمع في الوقت نفسه أسلحة الفصائل ومخلفات الحرب، وتلاحق شبكات التهريب، وتبدأ بإدخال تجهيزات جديدة إلى الخدمة.

ولهذا لا توجد إجابة واحدة تفسر جميع الانفجارات. بعض الحوادث يمكن أن يرتبط بذخائر قديمة أو تالفة وظروف تخزين غير مناسبة، وبعضها وقع خلال عمليات نقل وتجميع، فيما تبقى احتمالات الإهمال أو الاختراق والتخريب قيد التحقيق من دون دليل معلن يحسمها.

لكن المشكلة الأهم بالنسبة إلى وزارة الدفاع لا تتعلق بالانفجار التالي بقدر ما تتعلق بما يوجد خلف أبواب المستودعات.

فالجيش المركزي لا يبدأ فقط من سلسلة قيادة موحدة، وإنما من القدرة على معرفة كمية السلاح الذي يمتلكه، وأين يوجد، ومن يستطيع الوصول إليه، وكيف يتحرك بين المستودع والوحدة العسكرية.

وهنا تحديداً يتحول ملف مخازن السلاح إلى اختبار مبكر لمشروع الجيش السوري الجديد، إذ إن مخزن النظام السابق يمثل إرث المؤسسة القديمة، ومخزن الفصيل يمثل إرث الحرب، والمخزن السري يمثل اقتصاد السلاح، أما المستودع الذي تنشئه وزارة الدفاع اليوم فيمثل البنية المادية للمؤسسة التي تحاول دمشق بناءها.

لذلك قد تكون الدلالة الأهم لسلسلة الانفجارات الأخيرة أنها كشفت، قبل اكتمال إعادة بناء الجيش، حجم المعركة الأخرى التي تجري داخله: معركة السيطرة على خريطة السلاح السوري نفسها.

تحميل المزيد