وصول الحوثيين إلى باب المندب يقلق مصر: تأهب أمني وتطمينات للملاحة وحسابات لحماية قناة السويس

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/18 الساعة 14:28 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/18 الساعة 14:28 بتوقيت غرينتش
مخاوف من تأثير الحرب على مضيق باب المندب الاستراتيجي/ عربي بوست

وضعت سيطرة الحوثيين على مناطق ساحلية وجزر قريبة من باب المندب مصر أمام معادلة أمنية واقتصادية شديدة الحساسية، بعدما باتت الجماعة اليمنية المدعومة من إيران أقرب إلى أحد الممرات البحرية التي ترتبط مباشرة بحركة الملاحة في قناة السويس.

خلال الأيام الأخيرة، تقدم الحوثيون على الساحل الغربي لليمن ووصلوا إلى مديرية ذوباب وجزيرة ميون، عند مدخل باب المندب، في تطور يمنحهم موقعاً أكثر تأثيراً على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. هذا التقدم بات يهدد أيضاً طرق تصدير النفط السعودية عبر البحر الأحمر.

وكشفت مصادر مصرية مطلعة لـ"عربي بوست" أن القاهرة تتعامل مع التطورات باعتبارها امتداداً مباشراً لأمن قناة السويس، وترفع مستوى اليقظة الأمنية والعسكرية تحسباً لأي تطور يؤثر في حرية الملاحة.

لكن المقاربة المصرية، وفق المصادر، لا تقوم على خيار عسكري منفرد، وإنما على مزيج من الاستعداد الأمني والعسكري، والتحرك الدبلوماسي، والتنسيق مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر، مع محاولة طمأنة شركات النقل البحري إلى استمرار حركة الملاحة.

باب المندب البوابة الجنوبية لقناة السويس

بالنسبة إلى القاهرة، لا يمثل باب المندب ممراً بحرياً بعيداً عن الأراضي المصرية، بل جزءاً من منظومة أمنها البحري. وقال مصدر مصري مطلع إن أي طرف مسلح يفرض نفوذاً دائماً على الساحل اليمني المطل على المضيق يمكن أن يمتلك قدرة على التأثير في حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس.

بحسب المصدر، فإن الخطر لا يتطلب إغلاق المضيق بصورة كاملة حتى يصل إلى مصر، فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية في المنطقة قد يدفع شركات الملاحة إلى إعادة حساباتها، سواء من خلال تغيير مسارات السفن أو زيادة تكاليف التأمين والنقل، وهو ما يمكن أن ينعكس على حركة السفن العابرة لقناة السويس.

تكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تجربة السنوات الماضية، عندما دفعت هجمات الحوثيين على السفن منذ اندلاع حرب غزة عام 2023 شركات شحن كبرى إلى تحويل مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر.

وتشير بيانات حديثة إلى أن متوسط حركة العبور اليومية عبر قناة السويس لا يزال أقل من نصف مستوياته قبل أزمة البحر الأحمر، بينما بلغت إيرادات القناة في السنة المالية 2025/2026 نحو 4.67 مليار دولار، أي قرابة نصف مستويات ما قبل هجمات الحوثيين.

تأهب مصري لكن دون حرب مفتوحة

قال المصدر المصري إن الأجهزة الأمنية والعسكرية في القاهرة تتأهب لأي تطورات يمكن أن تؤثر سلباً على حرية الملاحة في قناة السويس، وستكون القاهرة منفتحة على الخيارات التي يمكن أن تزيل أي خطر مباشر على الملاحة المصرية إذا تطور الوضع إلى مستوى يهدد المصالح الحيوية للبلاد.

لكن ذلك لا يعني، وفق المصدر، أن مصر تتجه إلى الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة على الساحل اليمني. وتقوم الحسابات المصرية على احتواء التهديد قبل تحوله إلى واقع دائم، عبر تكثيف الاتصالات الإقليمية والدولية ومراقبة التطورات في الساحل اليمني والممرات المؤدية إلى باب المندب.

يتقاطع هذا التصور مع الموقف المصري المعلن. فقد قال وزير الخارجية بدر عبد العاطي في سبتمبر/ أيلول إن القاهرة تريد التهدئة في باب المندب وضمان حرية الملاحة، محذراً من تكرار الأضرار التي لحقت بقناة السويس خلال أزمة البحر الأحمر. وقدر خسائر مصر المرتبطة باضطرابات الملاحة بنحو 11 مليار دولار.

كما شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال مباحثاتهما في القاهرة في 15 سبتمبر/ أيلول 2026، على أهمية الحفاظ على حرية وأمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

3 مسارات للتحرك المصري

بحسب مصدر "عربي بوست"، تتحرك القاهرة في الملف على 3 مستويات متوازية. الأول أمني وعسكري، من خلال تعزيز اليقظة البحرية والاستخباراتية، ومراقبة المجال البحري وتأمين السواحل ومداخل قناة السويس.

والثاني دبلوماسي، عبر الدفع نحو خفض التصعيد والحفاظ على حرية الملاحة، بالتوازي مع التنسيق مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر والأطراف الإقليمية والدولية.

أما الثالث فهو اقتصادي، ويتعلق بالاستعداد لأي اضطرابات جديدة في حركة السفن وإيرادات القناة، في وقت تحاول فيه مصر استعادة النشاط الملاحي الذي فقدته خلال السنوات الماضية.

يقول المصدر إن القاهرة لا ترغب في عسكرة البحر الأحمر، لكنها في الوقت نفسه لن تتعامل مع أي تهديد للملاحة باعتباره شأناً بعيداً عنها. فالخبرة التي راكمتها مصر منذ أزمة البحر الأحمر أظهرت أن اضطراب باب المندب يمكن أن ينعكس سريعاً على قناة السويس، حتى من دون إغلاق المضيق بصورة كاملة.

تكمن إحدى أهم النقاط في الحسابات المصرية في الفرق بين إغلاق باب المندب وبين جعله منطقة عالية المخاطر. ففي الحالة الثانية، قد لا يحتاج الحوثيون إلى منع السفن من المرور بصورة مباشرة.

يكفي أن تصبح الملاحة في المنطقة أكثر خطورة، وأن ترتفع كلفة التأمين أو تتعرض السفن لهجمات بالصواريخ والمسيّرات والزوارق، حتى تبدأ الشركات في إعادة النظر في استخدام الطريق.

يقول المصدر المصري إن الخطر الأساسي بالنسبة إلى القاهرة يكمن في تحول الاضطراب المؤقت إلى وضع أمني مستدام، لأن ذلك قد يعيد ترسيخ اتجاه شركات الشحن إلى استخدام طريق رأس الرجاء الصالح.

سيؤدي ذلك إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليفها، ما قد ينعكس على عدد السفن العابرة لقناة السويس وإيراداتها. وهذا السيناريو أكثر حساسية بالنسبة إلى مصر في الوقت الحالي، لأن القناة بدأت بالفعل استعادة جزء من خدمات الخطوط الملاحية الكبرى.

تعافي قناة السويس وعودة "COSCO"

في 16 سبتمبر/ أيلول، عاد خط "COSCO SHIPPING LINES" إلى العبور جنوباً عبر قناة السويس للمرة الأولى منذ بدء توترات البحر الأحمر وباب المندب، وذلك مع عبور سفينة الحاويات العملاقة "OOCL PORTUGAL" ضمن قافلة الشمال، في رحلة من بلجيكا إلى الصين.

وقال رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع إن القناة نجحت في استعادة عدد من الخدمات الملاحية التابعة لخطوط كبرى، بينها CMA CGM وMaersk وMSC وHapag-Lloyd وCOSCO.

وتظهر بيانات الهيئة أيضاً ارتفاع إجمالي الحمولات الصافية لسفن الحاويات العابرة للقناة إلى نحو 72.1 مليون طن خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى أغسطس/ آب 2026، مقابل 46.7 مليون طن خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت 54.2%.

وتعني هذه الأرقام أن القاهرة لا تواجه تهديداً نظرياً فقط، وإنما تخشى أن تتعرض عملية التعافي التي بدأت بالفعل لانتكاسة جديدة إذا أصبح باب المندب مجدداً منطقة عالية المخاطر.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بحسب ما أوردته تقارير اقتصادية حديثة، إلى عبور 1340 سفينة قناة السويس خلال يوليو/ تموز 2026، بزيادة 27% على أساس سنوي. كما بلغت الإيرادات نحو 505 ملايين دولار، بزيادة 42%، فيما بلغ عدد ناقلات النفط العابرة للقناة 526 ناقلة.

لكن هذا التحسن لا يعني أن القناة عادت إلى وضعها السابق لأزمة البحر الأحمر. فإيرادات السنة المالية 2025/2026 بلغت 4.67 مليار دولار، وهي أقل بكثير من مستويات ما قبل هجمات الحوثيين.

من هنا، فإن أي تصعيد جديد قرب باب المندب يأتي في توقيت حساس بالنسبة إلى القاهرة، التي تحاول تثبيت التعافي واستعادة ثقة شركات الملاحة.

تدفقات النفط الخليجية تدخل الحسابات

لا يتعلق الأمر بحركة الحاويات والتجارة فقط، إذ إن التطورات حول باب المندب تمس أيضاً طرق نقل النفط الخليجي، وفي مقدمتها النفط السعودي، الذي باتت طرق نقله عبر البحر الأحمر أكثر أهمية مع اضطراب طرق أخرى في المنطقة.

وذكرت تقارير حديثة أن تقدم الحوثيين قرب باب المندب يهدد طرق تصدير النفط السعودية عبر البحر الأحمر، في وقت تواجه فيه منطقة الخليج اضطرابات مرتبطة بالممرات البحرية والطاقة.

بالنسبة إلى مصر، فإن أي اضطراب في تدفقات الطاقة الخليجية يمكن أن يضيف بُعداً جديداً إلى الأزمة.

فالقاهرة لا تنظر إلى قناة السويس باعتبارها ممراً للسفن التجارية فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من شبكة أوسع تربط البحر الأحمر بالمتوسط، وتتيح نقل السلع والطاقة بين آسيا وأوروبا.

ولهذا تتداخل في الحسابات المصرية حماية قناة السويس مع أمن الملاحة في البحر الأحمر ومصالح الشركاء الخليجيين، خصوصاً السعودية.

تشير التحركات المصرية الأخيرة إلى أن أمن باب المندب بات جزءاً من التنسيق المصري–السعودي. ففي لقاء السيسي ومحمد بن سلمان في القاهرة في 15 سبتمبر/ أيلول، أكد الجانبان أهمية أمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بالتزامن مع التطورات العسكرية الجديدة في اليمن.

بحسب المصدر المصري، فإن القاهرة تريد تأمين مصالحها ومصالح شركائها الخليجيين من دون الانخراط في مواجهة واسعة قد تؤدي إلى توسيع نطاق الحرب.

وتصبح هذه المعادلة أكثر تعقيداً مع وجود تهديدات متزامنة للملاحة والطاقة في أكثر من ممر بحري في المنطقة.

فإذا استمر اضطراب هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، فإن الضغط على طرق التجارة والطاقة العالمية سيرتفع، كما أن البدائل المتاحة أمام شركات النقل ستصبح أكثر كلفة وتعقيداً.

وتشير المعطيات التي قدمها المصدر إلى أن القاهرة أبقت خلال الفترة الماضية قنوات اتصال غير رسمية مع أطراف الصراع اليمني. والهدف، وفق المصدر، هو حماية المصالح البحرية المصرية ومنع انتقال تداعيات المواجهة إلى الملاحة في قناة السويس.

لكن المصدر يميز بين هذه الاتصالات وبين الموقف السياسي الرسمي للقاهرة. فمصر تتمسك بالتعامل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ولا تمنح الحوثيين شرعية باعتبارهم سلطة حاكمة في المناطق التي يسيطرون عليها.

وبالتالي، فإن إبقاء قنوات اتصال غير مباشرة مفتوحة لا يعني، وفق هذه الرواية، تغيير الموقف السياسي المصري، وإنما محاولة لحماية مصالحها البحرية ومنع انتقال تداعيات المواجهة إلى الملاحة المصرية.

تحميل المزيد