من يقف خلف هجمات المسيّرات غرب ليبيا؟ مصادر خاصة تكشف معلومات عن الخلية وتفاصيل التحقيق معها

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/11 الساعة 09:53 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/11 الساعة 09:53 بتوقيت غرينتش
التحقيقات مستمرة في الهجمات التي تعرضت لها مناطق في غرب ليبيا/ عربي بوست

لم تعد التحقيقات الليبية في خلية متهمة بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت نفطية وكهربائية في غرب ليبيا محصورة في تحديد هوية منفذيها، بعدما كشفت مصادر مطلعة لـ"عربي بوست" عن مشاركة ضباط أتراك وأمريكيين في جوانب من التحقيق خلال الساعات الماضية.

تشير المعلومات الخاصة التي حصل عليها الموقع إلى أن التحقيقات تركز حالياً على مصدر الطائرات المسيّرة، والجهة التي وفرتها للخلية، وآلية تشغيلها، إضافة إلى شبكة الاتصالات التي قد تكشف من كان يصدر التعليمات إلى أفراد المجموعة.

لم تكن قائمة الأهداف المحتملة مقتصرة على منشآت النفط والكهرباء، إذ كان الموقوفون، وفق نتائج التحقيق الأولية، يستعدون لضرب مقرات حكومية ومواقع ومعسكرات تابعة لتشكيلات مسلحة في طرابلس والزاوية، إلى جانب منشآت حيوية وشخصيات سياسية وأمنية وعسكرية.

وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في 6 سبتمبر/ أيلول 2026 أن عملية أمنية واستخباراتية نفذتها وزارة الدفاع أسفرت عن القبض على 5 أشخاص ليبيين وأجانب، وصفتهم بأنهم يشكلون "خلية تخريبية منظمة" تقف وراء هجمات بمسيّرات انتحارية غرب ليبيا استهدفت خزانات للنفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية.

الحكومة الليبية قالت إن العملية أحبطت هجمات أخرى كانت "على وشك التنفيذ"، بينها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس ومنشآت حيوية، إضافة إلى شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية.

لكن معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصادر مطلعة على مسار التحقيقات تشير إلى أن طبيعة الأهداف التي كانت الخلية تستعد لاستهدافها كانت أوسع من تلك التي وردت في البيان الحكومي، ما يفتح التحقيق على احتمال وجود خطة منظمة لضرب قطاعات ومواقع متعددة في المنطقة الغربية.

تقرير التحقيق أمام الدبيبة

بحسب مصدر مطلع على الملف، وُضع تقرير أولي بنتائج التحقيق أمام رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، بصفته وزيراً للدفاع، وتضمن تصور الأجهزة المكلفة بالتحقيق بشأن طبيعة الخلية والعمليات التي نفذتها، إلى جانب الخطط التي كانت تُعِدّ لتنفيذها.

المصدر قال إن التحقيقات ركزت منذ توقيف أفراد المجموعة على تحديد طبيعة الهجمات التي شهدتها الزاوية وطرابلس، وما إذا كانت مجرد عمليات تخريب منفصلة استهدفت منشآت محددة، أم أنها جزء من خطة أوسع لضرب منشآت اقتصادية وخدمية وعسكرية في غرب البلاد.

فيما تشير المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" إلى أن المحققين يرجحون الاحتمال الثاني، بعدما تبين، وفق نتائج التحقيق الأولية، أن بعض الأهداف التي كانت الخلية تستعد لاستهدافها لا ترتبط مباشرة بالنفط أو الكهرباء.

شملت تلك الأهداف مواقع حكومية ومعسكرات عسكرية، ما يشير إلى أن نطاق العمليات التي كانت المجموعة تستعد لتنفيذها كان أوسع من الهجمات التي استهدفت منشآت النفط والطاقة.

وفي إطار متابعة العملية الأمنية، تولى وكيل وزارة الدفاع الفريق عبد السلام الزوبي جانباً من الإشراف على العملية التي انتهت بإيقاف أفراد المجموعة، وفقاً للمصادر.

في المقابل، لم تكشف حكومة الوحدة الوطنية في بيانها عن مكان القبض على أفراد الخلية، أو هويات الموقوفين، أو جنسيات العناصر الأجنبية، كما لم تنشر حتى الآن تفاصيل الأدلة التي تقول إنها تربط المجموعة بالهجمات السابقة.

اعترافات تقود إلى هجمات الزاوية

أقر أفراد في المجموعة خلال التحقيقات الأولية بضلوع الخلية في الهجمات التي استهدفت منشآت النفط والكهرباء، وفق ما كشفته المصادر. وكانت منشآت مدينة الزاوية قد تعرضت خلال أغسطس/ آب لسلسلة غير معتادة من الهجمات باستخدام المسيّرات، طالت مرافق مرتبطة بالطاقة والخدمات الأساسية.

في إحدى أبرز الحوادث، أصابت طائرة مسيّرة خزاناً داخل مصفاة الزاوية، ما تسبب في أضرار وتسرب جزء من محتوياته، قبل أن تتوالى الاستهدافات لمرافق أخرى مرتبطة بقطاع النفط والطاقة.

كما طالت هجمات أخرى منشآت للوقود ومحطة لتحلية المياه، قبل أن تمتد إلى قطاع الكهرباء، حيث تعرضت محطة تحويل جنوب الزاوية لهجوم أدى إلى أضرار كبيرة وخروج أجزاء منها عن الخدمة.

خلال عمليات المعاينة، أعلنت أجهزة أمنية العثور داخل بعض المواقع المستهدفة على حطام طائرات مسيّرة ومكونات مرتبطة بها، ونُقلت المضبوطات لاستكمال الفحوص والتحقيقات.

بحسب المصادر، أصبحت هذه الأدلة جزءاً من المسار الفني والأمني الذي انتهى لاحقاً إلى الوصول إلى الخلية الموقوفة، فيما يعمل المحققون على مطابقة ما عُثر عليه في مواقع الهجمات مع المضبوطات التي حصلوا عليها من أفراد المجموعة.

من يقف خلف الهجمات في غرب ليبيا؟

الجزء الأكثر حساسية في التحقيقات لا يتعلق فقط بهوية منفذي الهجمات، وإنما بالجهة التي يُشتبه في أنها كانت تدير الخلية وتصدر إليها التعليمات.

مصدر في وزارة الدفاع مطلع على التحقيق قال لـ"عربي بوست" إن إفادات أولية للموقوفين تضمنت إشارات إلى قيادي عسكري بارز في تشكيل تابع للقيادة العامة في شرق ليبيا، وإن بعض عناصر الخلية تحدثوا عن تلقي أوامر مرتبطة بالعمليات من جهة عسكرية في الشرق.

لا يستطيع الموقع التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه الإفادات أو الظروف التي قُدمت فيها، كما أن البيان الرسمي الصادر عن حكومة الوحدة الليبية بشأن القبض على الخلية لم يسمِّ أي جهة عسكرية أو قيادة محددة باعتبارها مسؤولة عن الهجمات.

بينما تحاول الجهات المكلفة بالتحقيق، بحسب المصادر، التحقق من هذه الإفادات من خلال فحص الاتصالات والأجهزة المضبوطة ومسارات التواصل، لمعرفة ما إذا كانت هناك سلسلة قيادة تتجاوز أفراد المجموعة المنفذة.

وتشدد المصادر على أن ورود اسم أو جهة في إفادات موقوفين لا يشكل في حد ذاته دليلاً نهائياً، ما لم تدعمه أدلة مادية أو اتصالات أو بيانات فنية تثبت وجود صلة مباشرة بين الخلية والجهة التي يُشتبه في وقوفها خلفها.

هنا يصبح المسار الفني للتحقيق مهماً بقدر أهمية الإفادات، خصوصاً أن السلطات تحاول معرفة ما إذا كانت المجموعة تعمل بصورة مستقلة، أم أنها كانت جزءاً من شبكة أكبر تمتلك قدرة على توفير المسيّرات والتجهيزات والتوجيه.

عنصر أجنبي.. هل هو ضابط روسي؟

المسار الثاني للتحقيق يتعلق بهوية العناصر الأجنبية داخل الخلية، وهي نقطة لم تكشف عنها الحكومة الليبية في إعلانها الرسمي. فالبيان الحكومي اكتفى بالقول إن المجموعة تضم "ليبيين وأجانب"، من دون الكشف عن أعداد كل فئة أو جنسيات العناصر الأجنبية.

إلا أن مصدراً مطلعاً قال لـ"عربي بوست" إن التقدير الأولي لدى المحققين يشير إلى أن أحد العناصر الأجنبية ضابط يحمل الجنسية الروسية. وشدد المصدر على أن هذه المعلومة لا تزال ضمن نتائج التحقيق الأولية، ولم تُعلن بصورة رسمية حتى الآن.

من شأن إثبات وجود ضابط أجنبي ذي خلفية عسكرية داخل المجموعة أن يفتح أسئلة تتجاوز هوية منفذي الهجمات إلى طبيعة الخبرة التقنية التي كانت متاحة للخلية، خصوصاً أن العمليات اعتمدت على مسيّرات انتحارية لضرب أهداف محددة داخل منشآت شديدة الحساسية.

لكن تحديد الجنسية الروسية وحده، إذا تأكد، لن يكون كافياً لإثبات صلة المجموعة بالدولة الروسية أو بأي مؤسسة روسية، إذ يحتاج ذلك إلى أدلة إضافية تتعلق بصفة الشخص، ومسار دخوله إلى ليبيا، والجهة التي كان يعمل معها.

أتراك وأمريكيون على خط التحقيق

في تطور آخر، قالت مصادر مطلعة إن وزارة الدفاع استعانت بضباط أتراك للمشاركة في جانب من التحقيقات المتعلقة بالخلية والمسيّرات التي استخدمتها. وتركز الاهتمام التركي على الجوانب الفنية المرتبطة بالطائرات المستخدمة وطريقة تشغيلها، بالتوازي مع التحقيق الأمني مع الموقوفين.

فيما لم تعلن وزارة الدفاع الليبية أو الجانب التركي رسمياً حتى الآن مشاركة ضباط أتراك في التحقيقات. وتتمتع تركيا بحضور عسكري وتعاون أمني واسع مع السلطات في طرابلس.

ما يجعل الاستعانة بخبرات تركية في ملف تقني مرتبط بالمسيّرات أمراً ممكناً من الناحية العملية، لكنه يظل في هذه القضية معلومة مستندة إلى مصادر "عربي بوست" وليست إعلاناً رسمياً.

تكتسب الجوانب الفنية أهمية خاصة في القضية، لأن تحديد نوع المسيّرات ومكوناتها وطريقة تشغيلها قد يساعد في معرفة مصدرها، وكيف وصلت إلى المجموعة، وما إذا كانت الخلية تمتلك القدرة التقنية على استخدامها بصورة مستقلة.

لم يتوقف التحقيق مع الخلية عند الاستعانة بالخبرات التركية، إذ تكشف معلومات جديدة حصل عليها "عربي بوست" من مصدر مطلع على مسار التحقيق أن ضباطاً أمريكيين شاركوا بدورهم في التحقيق مع أفراد الخلية خلال الساعات الماضية.

بحسب المصدر، جاءت المشاركة الأمريكية بعد دخول الضباط الأتراك على خط القضية، في وقت تتوسع فيه التحقيقات لتحديد مصدر الطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجمات، والجهة التي زودت المجموعة بها، وطبيعة شبكة القيادة والتواصل التي كانت تربط أفراد الخلية بمن يقف خلف العمليات.

لم تعلن وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية أو أي جهة أمريكية رسمياً حتى الآن عن مشاركة ضباط أمريكيين في التحقيق، ولذلك تظل هذه المعلومة مستندة إلى مصدر "عربي بوست" المطلع على القضية.

لا تتوفر حتى الآن معلومات كافية حول طبيعة المهمة التي قام بها الأمريكيون، وما إذا كانت مشاركتهم اقتصرت على الجوانب الفنية والاستخباراتية المتعلقة بالمسيّرات، أم شملت الاستماع المباشر إلى أفراد الخلية وفحص الأدلة والأجهزة التي ضُبطت بحوزتهم.

لكن دخول خبراء من الولايات المتحدة وتركيا على خط التحقيق يضيف بعداً دولياً إلى قضية بدأت في ظاهرها كسلسلة هجمات تخريبية على منشآت ليبية، قبل أن تتسع لتشمل أسئلة حول مصدر المسيّرات وشبكات الدعم المحتملة.

وتزداد أهمية هذه المشاركة بالنظر إلى أن أحد المسارات الرئيسية للتحقيق، وفق المصادر، يتعلق بتحديد منشأ المسيّرات المستخدمة، وكيفية وصولها إلى منفذي الهجمات، وما إذا كانت الخلية تعتمد على دعم تقني ولوجستي من خارج ليبيا.

كما يسعى المحققون، وفق المصادر ذاتها، إلى مطابقة إفادات الموقوفين مع الأدلة الرقمية والفنية التي جُمعت من الأجهزة والمعدات وحطام المسيّرات، في محاولة لتحديد الجهات التي تواصلت مع أفراد المجموعة قبل تنفيذ الهجمات.

وفي حال نجحت التحقيقات الفنية في تتبع مصدر الطائرات أو شبكات الاتصال المستخدمة، فقد تصبح هذه الأدلة أكثر أهمية من اعترافات الموقوفين نفسها في تحديد الجهة التي تقف خلف الخلية.

خطر استهداف البنية الأساسية

تكمن أهمية القضية في أن الهجمات الأخيرة التي نفذتها "الخلية التخريبية" لم تستهدف مواقع عسكرية على خطوط تماس، بل طالت البنية الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد والحياة اليومية في غرب ليبيا.

إذ تضم الزاوية واحدة من أهم المصافي النفطية في البلاد، وترتبط منشآتها بسلاسل توريد الوقود إلى السوق المحلية، في حين تمثل محطات الكهرباء التي تعرضت للهجوم أو التي تقول الحكومة إنها كانت ضمن الأهداف المفترضة جزءاً حساساً من الشبكة الكهربائية في المنطقة الغربية.

بهذا المعنى، تكشف قضية الخلية عن تحول محتمل في طبيعة الصراع الليبي، إذ يمكن لمجموعة صغيرة، إذا امتلكت المسيّرات والخبرة اللازمة، إلحاق ضرر بمنشأة ذات قيمة استراتيجية أو خلق أزمة خدمية واقتصادية واسعة.

فبدلاً من تحريك أرتال عسكرية والسيطرة المباشرة على منشأة نفطية أو محطة كهرباء، تتيح المسيّرات نقل القدرة على الضرب إلى أهداف حساسة من دون الحاجة إلى انتشار عسكري واسع، وهو ما يرفع مستوى التهديد الذي تمثله هذه الأدوات في البيئة الأمنية الليبية.

وهو ما يفسر حساسية ما ورد في التحقيقات حول وجود قائمة إضافية من الأهداف، تشمل مقرات حكومية ومعسكرات وقيادات أمنية وعسكرية في طرابلس والزاوية.

إذا أثبتت التحقيقات أن الهجمات السابقة والمخططات اللاحقة صدرت عن جهة قيادة واحدة، فإن القضية ستخرج من توصيف "خلية تخريبية" إلى مستوى أكثر خطورة، يتعلق باستخدام المسيّرات في عملية منظمة لنقل الضغط العسكري والأمني إلى عمق المنطقة الغربية.

ويضيف دخول ضباط أمريكيين وأتراك إلى التحقيق بعداً آخر للقضية، لأن السؤال لم يعد محصوراً في هوية المنفذين داخل ليبيا، بل يمتد إلى مصدر التكنولوجيا المستخدمة وشبكات الدعم والتمويل والتوجيه المحتملة.

تحميل المزيد