فلول الأسد في لبنان: مصادر تكشف تفاصيل تفكيك شبكة عابرة للحدود وتدريبها وتمويلها وصلاتها بموسكو

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/07 الساعة 16:22 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/07 الساعة 16:22 بتوقيت غرينتش
انتشار فلول النظام السوري السابق في لبنان/ عربي بوست

كشفت مصادر أمنية لبنانية مطلعة لـ"عربي بوست" تفاصيل جديدة عن التحقيقات في شبكة مرتبطة بضباط وعناصر سابقين في نظام بشار الأسد، فككت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي جزءاً من بنيتها خلال عمليات امتدت من عكار شمالي لبنان إلى جبل لبنان.

لم تعد الأجهزة اللبنانية تتعامل مع القضية باعتبارها خلية محدودة تضم الموقوفين الـ5، وهم 3 سوريين ولبنانيان، وإنما كشبكة أوسع تولت إدخال عناصر موالين للنظام السوري السابق إلى لبنان وتأمين إقامتهم وتنقلاتهم ومصادر تمويلهم.

في المقابل، قالت مصادر دبلوماسية سورية لـ"عربي بوست" إن دمشق تتابع التحقيقات بصورة مباشرة عبر قنوات التواصل القائمة مع السلطات اللبنانية، وسط اهتمام بمعرفة هوية الضباط والعناصر الذين مروا عبر لبنان وطبيعة ارتباطاتهم بقيادات سابقة موجودة خارج سوريا.

كما تريد دمشق معرفة ما إذا كان بعض هؤلاء من فلول نظام بشار الأسد قد عاد بالفعل إلى الداخل السوري وشارك في نشاط أمني أو عسكري ضد السلطات الجديدة.

بداية تفكيك شبكة فلول نظام بشار الأسد

بدأت القضية بتوقيف 5 أشخاص وضبط أسلحة وقنابل ومتفجرات ومعدات، قبل أن تقود إفادات الموقوفين وتحليل الاتصالات وحركة السيارات والمستندات المضبوطة إلى توسيع دائرة التحقيق.

تقول مصادر أمنية لبنانية إن أحد أبرز الموقوفين هو علي صافي، وهو ضابط سابق في المخابرات الجوية السورية، سبق أن عمل في فرع التحقيق في منطقة الساحل قبل سقوط نظام الأسد، ثم انتقل إلى لبنان واستقر في عكار تحت غطاء مدني.

بحسب المعلومات الأولية، يشتبه المحققون في أن صافي أدى دوراً أساسياً في استقبال مجموعات قادمة من سوريا وتنظيم تحركاتها داخل لبنان، بالتعاون مع أشخاص لبنانيين وسوريين تولوا مهام النقل والإقامة والاحتياجات اللوجستية.

تتركز التحقيقات على تحديد الجهة التي كانت تصدر التعليمات لهذه الحلقة، والأشخاص الذين كانوا يختارون العناصر المراد إدخالهم إلى لبنان، إلى جانب تتبع مصادر الأموال التي غطت نفقات الإقامة والتنقل والتدريب.

تشير المصادر الأمنية إلى أن القضية توسعت سريعاً بعدما تبين أن الموقوفين لم يعملوا بصورة منفصلة، وإنما ضمن شبكة علاقات حافظ عليها ضباط وعناصر سابقون في أجهزة النظام السوري داخل لبنان وخارجه بعد سقوط الأسد.

نحو 50 عنصراً دخلوا لبنان

بحسب المصادر الأمنية اللبنانية، تشير التقديرات الأولية إلى أن نحو 50 شخصاً مروا عبر الشبكة خلال الفترة الماضية، غالبيتهم من أبناء الساحل السوري ومن الموالين للنظام السابق.

كان هؤلاء يدخلون الأراضي اللبنانية عبر طرق التهريب الممتدة على الحدود السورية اللبنانية، على دفعات صغيرة تضم عادة 5 أو 6 أشخاص لتجنب لفت الانتباه.

بعد عبور الحدود، كان أشخاص مرتبطون بالشبكة يستقبلونهم وينقلونهم إلى نقاط إقامة مؤقتة، فيما تعمل الأجهزة الأمنية حالياً على إعداد لائحة كاملة بأسماء الذين دخلوا لبنان عبر هذه القناة.

وتسعى الأجهزة كذلك إلى تحديد أماكن وجودهم، ومعرفة من بقي داخل الأراضي اللبنانية ومن عاد إلى سوريا. كما يجري التدقيق فيما إذا كان بعض الذين غادروا لبنان بعد تلقيهم تدريبات قد شاركوا في عمليات أمنية شهدتها سوريا خلال الفترة الماضية، ولا سيما في منطقة الساحل.

تقول مصادر دبلوماسية سورية إن هذه النقطة تحظى باهتمام خاص لدى دمشق، وإن الجانب السوري يعمل على مطابقة المعلومات الواردة من لبنان مع أسماء أشخاص مطلوبين أو مشتبه في مشاركتهم في مجموعات مسلحة نشطت بعد سقوط النظام السابق.

مسار يبدأ من عكار فالضاحية ثم البقاع

أظهرت التحقيقات، وفق المصادر الأمنية اللبنانية، أن عكار لم تكن سوى المحطة الأولى في مسار تحرك بعض العناصر من فلول نظام بشار الأسد داخل لبنان.

فبعد دخولهم عبر الحدود الشمالية، نُقلت مجموعات منهم إلى مناطق أخرى، بينها الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تشير إفادات قيد التحقيق إلى تأمين أماكن إقامة مؤقتة لهم، قبل انتقال قسم منهم إلى البقاع.

في البقاع، تحقق الأجهزة اللبنانية في استخدام موقع لتدريب بعض أفراد الشبكة على استخدام الأسلحة وإعداد العبوات الناسفة وآليات زرعها وتفجيرها. وشملت التدريبات، وفق المعلومات، تجميع وتشغيل الطائرات المسيّرة واستخدامها في مهمات ميدانية.

فيما تعمل الأجهزة المختصة على تحديد الأشخاص الذين أشرفوا على هذه التدريبات، والجهة التي وفرت الموقع والأسلحة والمتفجرات والطائرات والمعدات.

بحسب المصادر الأمنية، ظهرت خلال التحقيق أسماء أشخاص يشتبه بوجود صلات لهم بحزب الله، ويجري التدقيق في احتمال مساهمتهم في الإيواء أو النقل أو التدريب.

لكن المصادر تشدد على أن التحقيق لم يحسم حتى الآن وجود قرار أو دور تنظيمي للحزب في نشاط الشبكة، فيما نفى حزب الله الاتهامات المتداولة بشأن علاقته بها.

رواتب شهرية وتمويل قيد التتبع

كشفت التحقيقات، بحسب المصادر الأمنية اللبنانية، أن بعض العناصر الذين مروا عبر الشبكة كانوا يحصلون على مبالغ دورية تتراوح بين 200 و300 دولار للشخص، إلى جانب تغطية تكاليف الإقامة والتنقل والاحتياجات اليومية.

أدى ذلك إلى فتح مسار مالي موازٍ في التحقيق، يهدف إلى معرفة مصدر الأموال والجهات التي كانت تتولى دفع النفقات، وما إذا كانت التحويلات تتم من داخل لبنان أم تأتي من الخارج.

تعتبر الأجهزة اللبنانية أن تحديد مسار التمويل يمكن أن يقود إلى المستويات الأعلى في الشبكة، خصوصاً أن إدخال عشرات الأشخاص وإقامتهم ونقلهم بين أكثر من منطقة وتوفير التدريب والمعدات لهم يتطلب بنية مالية ولوجستية تتجاوز إمكانات المجموعة التي أوقفت حتى الآن.

كما تجري مراجعة بيانات الاتصالات وحركة السيارات والفواتير والمستندات التي صودرت خلال المداهمات، بهدف إعادة بناء شبكة الأشخاص الذين تعامل معهم الموقوفون خلال الفترة السابقة.

مخزن أسلحة ومحاولة التخلص من المتفجرات

سجل التحقيق تطوراً مهماً بعد وصول الأجهزة الأمنية إلى بستان في عكار استخدمته الشبكة، وفق المعلومات الأولية، لتخزين أسلحة ومعدات. ويضم الموقع 11 غرفة ومنشأة سكنية وزراعية، وعثرت القوى الأمنية داخله على أسلحة حربية وقنابل ومتفجرات وصواعق وتجهيزات تستخدم في إعداد العبوات وتفجيرها.

تعمل الأجهزة المختصة على تحديد مصدر هذه المضبوطات، وما إذا كانت قد أُدخلت من سوريا أو جرى الحصول عليها من مصادر داخل لبنان. لكن التحقيق كشف أيضاً أن أشخاصاً مرتبطين بالقضية حاولوا، بعد بدء الملاحقات، نقل قسم من الأسلحة والمتفجرات وإخفاءها في أماكن أخرى.

وأوقفت الأجهزة اللبنانية عنصراً في جهاز أمن الدولة للاشتباه بمشاركته في نقل مواد من البستان والتخلص منها. وبحسب المصادر، أقر الموقوف بنقل قنابل ومتفجرات ورميها في مجرى النهر الكبير عند الحدود اللبنانية السورية.

اقتيد لاحقاً إلى المكان لإجراء دلالة ميدانية، واستعانت الأجهزة بغطاسين للبحث في النقطة التي حددها، إلا أن عمليات المسح لم تؤد إلى العثور على المواد. وترجح التقديرات الميدانية أن يكون ارتفاع منسوب المياه وقوة التيار قد نقلاها إلى نقاط أخرى على امتداد المجرى.

التحقيق يتجاوز الموقوفين الـ5

تؤكد المصادر الأمنية اللبنانية أن الموقوفين الحاليين يمثلون جزءاً فقط من الملف، وأن العمل انتقل إلى مرحلة تحديد شبكات الإيواء والنقل والتمويل والأشخاص الذين وفروا المعدات والتدريب.

كما امتدت المداهمات من عكار إلى جبل لبنان، حيث أوقف أحد السوريين في شقة في بكفيا بعد مغادرته الشمال إثر بدء الملاحقات، وسط شبهات بمشاركته في نقل أو إخفاء مواد مرتبطة بالقضية.

بينما يجري في الوقت نفسه تحديد هوية الضباط والعناصر السابقين الذين دخلوا لبنان بعد سقوط النظام السوري، ومعرفة طبيعة العلاقات التي حافظوا عليها مع بعضهم، سواء داخل الأراضي اللبنانية أو مع شخصيات موجودة في الخارج.

وبحسب المصادر، تسير التحقيقات في 3 اتجاهات متوازية: تحديد الجهة التي أدارت الشبكة ومولتها، وكشف كامل بنيتها اللوجستية داخل لبنان، ثم معرفة مصير الأشخاص الذين أعيدوا إلى سوريا والمهام التي كان يفترض تنفيذها بعد عودتهم.

خيط يصل إلى ضباط في موسكو

يشكل البعد الخارجي أحد أكثر جوانب التحقيق حساسية، إذ كشفت المعلومات عن اتصالات بين بعض الموقوفين وضباط سابقين في قوات النظام غادروا سوريا ويقيم عدد منهم في روسيا.

تقول المصادر الأمنية اللبنانية إن التحقيق يركز بصورة خاصة على ضابط سوري سابق رفيع المستوى يقيم في موسكو، ويشتبه في وجود اتصالات بينه وبين الحلقة الموجودة في لبنان، ويشتبه أنه اللواء جميل الحسن.

فيما لا تزال طبيعة دوره غير محسومة، إذ يعمل المحققون على تحديد ما إذا كان التواصل معه يتعلق بإدارة النشاط أو التنسيق أو التمويل، أم أنه اقتصر على اتصالات بين ضباط سابقين بعد خروجهم من سوريا.

تقول مصادر دبلوماسية سورية إن دمشق مهتمة بهذا الجانب من التحقيق، خصوصاً أن السلطات السورية تسعى إلى معرفة ما إذا كانت مجموعات من فلول نظام بشار الأسد تعمل بصورة منظمة من خارج البلاد.

كما تريد معرفة ما إذا كانت هناك مراكز خارجية للتنسيق بينها وبين العناصر الموجودة في دول الجوار.

وفي موازاة التحقيق، كشفت مصادر دبلوماسية سورية لـ"عربي بوست" أن ملف ضباط وعناصر النظام السابق الموجودين في لبنان أصبح بنداً ثابتاً في الاتصالات الأمنية بين بيروت ودمشق.

وبحسب المصادر، طلبت السلطات السورية خلال اجتماعات واتصالات مع الجانب اللبناني ملاحقة عدد من المطلوبين الذين تعتقد أنهم دخلوا لبنان بعد سقوط النظام، على أن تتم معالجة ملفات التسليم وفق الإجراءات القانونية والاتفاقيات القائمة بين البلدين.

توضح المصادر أن دمشق تميز بين السوريين الموجودين في لبنان لأسباب شخصية أو إنسانية، وبين أشخاص مطلوبين في ملفات جنائية وأمنية أو يشتبه في استمرارهم بنشاط مسلح يستهدف السلطات السورية.

يأتي ذلك في ظل استمرار التنسيق بين الأجهزة في البلدين حول ضبط الحدود ومكافحة تهريب الأسلحة والأشخاص، إلى جانب تبادل المعلومات بشأن مجموعات يشتبه في نشاطها عبر جانبي الحدود.

لا لتحويل لبنان إلى قاعدة ضد سوريا

من جهتها، تقول مصادر حكومية لبنانية رفيعة إن الدولة تتعامل بحساسية كبيرة مع القضية، خصوصاً لجهة منع استخدام الأراضي اللبنانية قاعدة لإعادة تنظيم مجموعات تابعة للنظام السوري السابق أو التحضير لعمليات داخل سوريا.

تشير المصادر إلى أن التوجه لدى المؤسسات اللبنانية هو التعامل مع أي نشاط عسكري أو أمني غير شرعي باعتباره ملفاً أمنياً وقضائياً، بصرف النظر عن الجهة السياسية أو السورية التي يقف أصحاب النشاط إلى جانبها.

أما مسألة تسليم المطلوبين، فتخضع للإجراءات القضائية والاتفاقيات الموقعة بين البلدين، ولا سيما الاتفاق القضائي اللبناني السوري الذي ينظم التعاون وتنفيذ الأحكام وتسليم المطلوبين.

في هذا السياق، تقول المصادر الدبلوماسية السورية إن دمشق تريد أن يبقى الملف ضمن المؤسسات الرسمية والتنسيق المباشر مع الدولة اللبنانية. وتتمثل الأولوية بالنسبة إليها في منع تحول لبنان إلى مساحة خلفية تستطيع منها مجموعات مرتبطة بالنظام السابق إعادة تنظيم نفسها.

هل انتقلت الشبكة إلى التنفيذ؟

رغم حجم المعلومات التي ظهرت حتى الآن، يبقى السؤال الأساسي الذي تحاول التحقيقات الإجابة عنه متعلقاً بالمرحلة الأخيرة من نشاط الشبكة: هل اقتصر عملها على إدخال العناصر وإيوائهم وتدريبهم، أم انتقلت بالفعل إلى تنفيذ عمليات داخل سوريا؟

وتعمل الأجهزة اللبنانية، وفق المصادر الأمنية، على مطابقة أسماء الأشخاص الذين مروا عبر لبنان مع معلومات عن هجمات وعمليات شهدتها الأراضي السورية خلال الفترة الماضية، بالتنسيق مع المعلومات التي يوفرها الجانب السوري.

أما المصادر الدبلوماسية السورية فتقول إن دمشق قدمت معلومات تتعلق بأسماء وتحركات عدد من المشتبه بهم، لكنها تنتظر استكمال التحقيق اللبناني قبل الوصول إلى استنتاج نهائي بشأن حجم الشبكة وقيادتها.

وبذلك، لا يزال ملف شبكة فلول نظام بشار الأسد مفتوحاً على أكثر من مسار: شبكة داخل لبنان يجري تفكيك حلقاتها، وعناصر أعيد بعضها إلى سوريا، واتصالات مع ضباط سابقين في الخارج، ومسار مالي يعمل المحققون على تتبعه.

تقول المصادر الأمنية اللبنانية إن الأولوية في المرحلة الحالية هي الوصول إلى المستوى الذي كان يدير النشاط، بدلاً من الاكتفاء بالعناصر الميدانيين. كما تسعى الأجهزة إلى تحديد ما إذا كانت القضية تتعلق بشبكة واحدة مترابطة أم بعدة مجموعات استفادت من البنية نفسها للإيواء والنقل والتدريب.

أما دمشق، بحسب المصادر الدبلوماسية السورية، فتنتظر نتائج التحقيق لتحديد خطواتها اللاحقة وطلبات التسليم التي قد تقدمها رسمياً إلى بيروت. ويكتسب ذلك أهمية خاصة إذا أثبتت التحقيقات أن بعض الأشخاص الذين مروا عبر لبنان عادوا إلى سوريا للمشاركة في نشاط مسلح ضد السلطات الجديدة.

تحميل المزيد