نزع سلاح الفصائل العراقية: كواليس مأزق الزيدي ولماذا يصعب عليه الالتزام بموعد 30 سبتمبر

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/31 الساعة 11:49 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/31 الساعة 11:50 بتوقيت غرينتش
رئيس الوزراء العراقي الجديد يواجه ضغوطات أمريكية ومن الفصائل/ عربي بوست

مع اقتراب 30 سبتمبر/ أيلول 2026، الموعد الذي حددته الحكومة العراقية لإنهاء ملف السلاح خارج سلطة الدولة، تتجه بغداد نحو تأجيل الاستحقاق بدلاً من حسمه، وفق مصادر سياسية وحكومية عراقية تحدثت لـ"عربي بوست"، في ظل رفض الفصائل المسلحة التخلي عن ترسانتها وتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على رئيس الوزراء علي الزيدي.

تزداد الأزمة تعقيداً بسبب ارتباط الموعد نفسه بالانسحاب النهائي المقرر لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وفق الجدول الزمني المتفق عليه بين بغداد وواشنطن عام 2022، بعدما جعلت الفصائل انسحاب القوات الأمريكية شرطاً لتسليم سلاحها، فيما تربط واشنطن انسحابها الكامل بتسوية ملف الفصائل المسلحة.

وبين الضغوط الأمريكية والسعودية المطالبة بحصر السلاح، والموقف الإيراني الرافض لنزع سلاح الفصائل العراقية من حلفائه، يجد الزيدي نفسه أمام أزمة لا تتعلق بمجموعات مسلحة صغيرة، بل بفصائل تمتلك مقاتلين وترسانات عسكرية ونفوذاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً واسعاً داخل العراق.

وقال مسؤول أمني عراقي مقرب من الحكومة لـ"عربي بوست"، طالباً عدم ذكر اسمه لحساسية الملف: "لا أمل في نزع سلاح الفصائل العراقية، لا في 30 سبتمبر ولا بعد 30 سبتمبر".

الزيدي، وفق المسؤول الأمني، وجد نفسه وسط "فيضان من الضغوط"، بين فصائل داخلية ترفض تسليم سلاحها، وقوى إقليمية تضغط لتفكيك هذه الفصائل، إلى جانب واشنطن وطهران اللتين تمارسان ضغوطاً متعارضة لتحقيق أهدافهما.

ضغوط بسبب سلاح الفصائل العراقية

قالت مصادر حكومية عراقية مقربة من رئيس الوزراء علي الزيدي إن الأخير تعرض خلال الأسابيع القليلة الماضية لضغوط هائلة من أطراف متعددة بسبب ملف حصر السلاح بيد الدولة ومحاولات نزع سلاح الفصائل العراقية.

وقال مسؤول حكومي مقرب من الزيدي لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الإسناد، إن الضغوط تصاعدت بصورة كبيرة، وزادت تعقيداً مع مسألة الهجمات السعودية-الأمريكية المشتركة على الأراضي العراقية.

أضاف المسؤول الحكومي أن الرياض تمارس ضغوطاً على رئيس الوزراء من أجل محاسبة الفصائل التي اتُهمت باستهداف المملكة، في وقت أصبحت فيه قضية السيادة العراقية نفسها جزءاً من خطاب الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها.

في 29 يوليو/ تموز الماضي، استهدفت الرياض وواشنطن عدداً من مقار هيئة الحشد الشعبي العراقي في مناطق مختلفة من العراق في هجمات جوية مشتركة، رداً على مزاعم باستهداف فصائل عراقية موالية لإيران منشآت النفط في المملكة العربية السعودية في وقت سابق من الشهر نفسه.

بحسب مصادر سياسية عراقية، حذرت الرياض الحكومة العراقية مراراً من هجمات تستهدف منشآتها النفطية، وقالت إن هذه العمليات انطلقت من الأراضي العراقية.

وقال حسن الأعرجي، عضو الإطار التنسيقي الشيعي، لـ"عربي بوست": "بعد تولي الزيدي منصبه بفترة قصيرة أبلغ المسؤولون السعوديون الزيدي أن الرياض لن تقف صامتة أمام أي هجمات تنطلق من الأراضي العراقية تستهدف أراضيها".

وأضاف الأعرجي: "لكن لم يكن أحد يتوقع أن يقوم السعوديون بشن هجمات جوية داخل الأراضي العراقية"، وطالبت حكومة الزيدي السعودية بتقديم أدلة تثبت تورط أي فصيل عراقي في استهداف منشآت النفط السعودية، لكنه قال إنه لا يعتقد أن الرياض قدمت حتى الآن أدلة مؤكدة.

وأسفرت الهجمات السعودية-الأمريكية المشتركة على مواقع للحشد الشعبي العراقي عن مقتل 20 مقاتلاً من قوات الحشد الشعبي وفصائل "المقاومة الإسلامية في العراق" الموالية لإيران والمنتمية إلى محور المقاومة الذي تقوده طهران في المنطقة، إضافة إلى إصابة آخرين.

استغلت الفصائل العراقية الرافضة لتسليم سلاحها هذه الهجمات لتعزيز موقفها، وربطت بين استمرار ما تعتبره انتهاكات للسيادة العراقية وبين تمسكها بالاحتفاظ بالسلاح. وقال قيادي في كتائب سيد الشهداء، إحدى فصائل ما يعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق"، "الهجمات السعودية انتهكت السيادة العراقية وقبلها الهجمات الأمريكية والإسرائيلية".

أضاف أن الأجواء العراقية مخترقة من الجميع، وتأتي الحكومة التي لم تجرؤ حتى الآن على محاسبة السعودية على هذه الهجمات وقتل الأبرياء العراقيين، وتطلب من الفصائل تسليم سلاحها، وتابع القيادي: "سلاحنا هو الوحيد القادر على حماية العراق وشعبه".

بينما يقول المسؤول الحكومي المقرب من رئيس الوزراء إن الضغوط السعودية لم تتوقف عند الهجمات على مواقع الحشد الشعبي، بل امتدت إلى مطالبة الزيدي بمحاسبة الفصائل ونزع سلاحها لضمان عدم استخدام الأراضي العراقية في استهداف السعودية مرة أخرى.

في الوقت نفسه، يحتاج الزيدي إلى تحسين علاقات العراق مع محيطه الخليجي، وخصوصاً المملكة العربية السعودية، بهدف جذب مزيد من الاستثمارات الخليجية.

تزداد الحاجة إلى هذه الاستثمارات في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها الحكومة العراقية جراء توقف صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز منذ الحرب الإيرانية الأمريكية.

واشنطن وطهران وحلقة الانسحاب

إلى جانب الضغوط السعودية، تتصاعد الضغوط الأمريكية. فبحسب المصادر الحكومية والسياسية العراقية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، تضغط إدارة ترامب على رئيس الوزراء بصورة أكبر من أي وقت مضى للعمل بجدية على نزع سلاح الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها. وترتبط هذه الضغوط، بحسب المصادر، بالفصائل التي تستهدف المصالح والقوات الأمريكية في العراق والمنطقة.

وقال سياسي شيعي وعضو في الإطار التنسيقي الشيعي، وهو المظلة التي تجمع أغلب الأحزاب الشيعية التقليدية، لـ"عربي بوست"، إن الفصائل ربطت في البداية تسليم سلاحها بانسحاب القوات الأمريكية من العراق.

أضاف أن الزيدي طلب من واشنطن الالتزام بموعد سحب قواتها في 30 سبتمبر/ أيلول، لكن الموقف الأمريكي أصبح، بحسب المصدر، أن الانسحاب الكامل لن يكون ممكناً قبل تسليم جميع الفصائل أسلحتها.

في المقابل، ترفض الفصائل تسليم سلاحها قبل انسحاب الأمريكيين، لتنشأ بذلك ما وصفه المصدر بـ"حلقة مفرغة" تزيد الضغوط على الزيدي والعراق بشكل عام.

يقول المسؤول الحكومي المقرب من رئيس الوزراء إن اشتراط الفصائل انسحاب جميع القوات الأمريكية يمنحها فرصة إضافية للتمسك بالسلاح في حال عدم التزام واشنطن بموعد 30 سبتمبر/ أيلول.

أضاف المسؤول الحكومي أن عدم الانسحاب سيصبح "فرصة ذهبية للفصائل" للتذرع بعدم وفاء واشنطن بوعودها والاستمرار في رفض تسليم سلاحها.

ثم تأتي الضغوط الإيرانية الرافضة لنزع سلاح الفصائل العراقية المقربة من طهران لتزيد حجم المأزق الذي يواجهه الزيدي. وبحسب المصادر العراقية، ترفض طهران نزع سلاح الفصائل التي تعتبرها أصلاً استراتيجياً وامتداداً لنفوذها الواسع داخل العراق.

لكن إيران، في الوقت نفسه، لا تريد أن ترى الحكومة العراقية وحلفاءها من الفصائل المسلحة يدخلون في اقتتال.

لهذا حاول كل من قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري إسماعيل قاآني ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زياراتهما المتكررة للعراق في الآونة الأخيرة، إيجاد حل وسط بين الحكومة والفصائل. ويقول سياسي شيعي عراقي مقرب من طهران إن إيران "تلعب على وتر المماطلة".

بحسب المصدر، أبلغ مسؤولون إيرانيون الزيدي أن موعد 30 سبتمبر/ أيلول غير مناسب لحل أزمة سلاح الفصائل العراقية، وأن عليه إيجاد حل مع الأمريكيين بشأن هذه المسألة. وأضاف أن الإيرانيين لا يريدون وقوع صراع بين الحكومة والفصائل، ولذلك يحاولون الدفع نحو حل سياسي عبر التفاوض بين الطرفين.

يرى المصدر أن فترة التفاوض نفسها قد تفتح المجال أمام تغيرات في الوضع الإقليمي يمكن أن تؤثر في الملف وتعيد تشكيل مواقف الأطراف المختلفة.

حجم المواجهة مع الفصائل

أجمعت المصادر العراقية التي تحدثت لـ"عربي بوست" على أن مهمة نزع سلاح الفصائل ليست سهلة، نظراً إلى حجم القوى التي تتعامل معها الحكومة. وقال حسن الأعرجي إن الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها "ليست مجرد مجموعات صغيرة تمتلك الأسلحة، بل كيانات سياسية وعسكرية واقتصادية".

أضاف الأعرجي أن نفوذ هذه الفصائل يمتد في مؤسسات الدولة العراقية، وأن أي مواجهة عسكرية معها يمكن أن تفتح، بحسب تعبيره، "أبواب الجحيم على العراق والمنطقة بأكملها".

وأعلنت الفصائل المسلحة المنضوية تحت مظلة "المقاومة الإسلامية في العراق"، ومنها كتائب حزب الله وكتائب حزب الله النجباء وكتائب سيد الشهداء، رفضها التام لتسليم سلاحها.

كما أعلنت هذه الفصائل استعدادها لمواجهة الحكومة إذا حاولت نزع سلاحها بالقوة. وقال قيادي في كتائب سيد الشهداء لـ"عربي بوست"، "سلاح المقاومة سلاح مقدس لا يمكن نزعه ولا يحق لنا تسليمه، ونحن مستعدون لكافة أنواع المواجهة مع الحكومة".

بحسب المصادر العراقية، تمتلك كتائب حزب الله، التي توصف بأنها أكبر وأقوى فصيل مسلح عراقي مقرب من طهران، ما يقرب من 20 ألف مقاتل.

وتقول المصادر إن الفصيل يمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ قصيرة وطويلة المدى، والطائرات المسيّرة، والأسلحة المضادة للدروع والمنظومات المدفعية.

كما يمتلك، بحسب المصادر، شبكات استخباراتية وأمنية متغلغلة في مناطق مختلفة من العراق، إضافة إلى جناح سياسي باسم حركة "صادقون" في البرلمان العراقي الحالي.

أما حزب الله النجباء، فيأتي في المرتبة 2 بعد كتائب حزب الله، ويتميز بقربه الشديد من الحرس الثوري الإيراني ومشاركته في عمليات خارج العراق مرتبطة بمحور المقاومة الإيراني.

وشاركت حركة النجباء في الحرب السورية، وتمتلك، بحسب المصادر، ما يقرب من 10 آلاف مقاتل، إلى جانب ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة.

أما كتائب سيد الشهداء، فتعد أصغر الفصائل المذكورة ضمن "المقاومة الإسلامية في العراق"، وتقول المصادر إنها تضم نحو 4 آلاف مقاتل. كما تمتلك عدداً من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إضافة إلى أسلحة متوسطة وثقيلة.

ولا يقتصر نفوذ هذه الفصائل، بحسب المصادر، على القوة العسكرية، إذ تمتلك جميعها شبكات نفوذ اقتصادي وتسيطر على عقود للبناء وإعادة الإعمار الحكومية.

كما ترتبط بشبكات علاقات قوية مع عشائر عراقية مختلفة وتمتلك قاعدة اجتماعية لا يستهان بها. وقال المسؤول الحكومي المقرب من رئيس الوزراء لـ"عربي بوست" إن الزيدي سيفشل بالتأكيد إذا فكر في استخدام القوة العسكرية ضد هذه الفصائل.

أضاف المسؤول الحكومي أن رؤساء الحكومات العراقية السابقين تجنبوا الاصطدام المباشر بالفصائل بسبب إدراكهم خطورة هذا الخيار. كما قال إنه لا يعتقد أن الزيدي سيلجأ إلى القوة، خصوصاً أن الإطار التنسيقي يرفض استخدام القوة ضد الفصائل.

البحث عن تسوية مُرضية

مع اشتداد الضغوط وتصاعد القلق من احتمال استخدام القوة، تقول المصادر المقربة من رئيس الوزراء العراقي إن الزيدي يبحث عن تسوية تضمن، من وجهة نظر الحكومة، أمن واستقرار العراق.

بحسب المصادر السياسية والحكومية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، اقترح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تخزين الأسلحة الثقيلة التابعة للفصائل ضمن هيئة الحشد الشعبي.

يقول مسؤول أمني عراقي مقرب من الحكومة إن هذا الاقتراح يهدف عملياً إلى تأجيل حسم المسألة بدلاً من الانتقال مباشرة إلى نزع سلاح الفصائل العراقية.

يتضمن المقترح، بحسب المصدر، نقل الأسلحة الثقيلة التابعة للفصائل الرافضة لتسليم سلاحها إلى الألوية التابعة لها داخل هيئة الحشد الشعبي، وهي مؤسسة حكومية.

وبذلك لا تُسلّم الأسلحة مباشرة إلى وزارتي الدفاع والداخلية، وإنما تبقى ضمن إطار هيئة الحشد الشعبي. ووفقاً لهذا المقترح، تصبح الأسلحة جزءاً من مؤسسة رسمية من الناحية الإدارية والقانونية، لكنها تبقى في الوقت نفسه مرتبطة بالفصائل.

يقول المصدر إن الفصائل ستحتفظ، وفق هذه الصيغة، بحرية استخدام هذه الأسلحة في أي وقت. وأضاف المسؤول الأمني أن المقترح يمكن أن يرضي الفصائل وطهران، لكنه يرى أن موافقة واشنطن عليه ستكون صعبة.

كما قال إن الزيدي قد يوافق على الصيغة لفترة من الوقت، لكنه لا يعتبرها الحل النهائي أو المناسب لأزمة السلاح.

وتحدثت المصادر العراقية عن مسار آخر يميل إليه رئيس الوزراء حالياً، يتمثل في صياغة مشروع قانون يضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة. ومن المتوقع، بحسب المصادر، أن يقدم الزيدي مشروع القانون إلى البرلمان خلال الأسابيع المقبلة.

ويُعتبر هذا المشروع امتداداً لمشروع قانون هيكلة الحشد الشعبي الذي طرحته الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني. لكن المشروع السابق تعرض للعرقلة بسبب رفض واشنطن له، نظراً إلى الصلاحيات الواسعة التي كان يمنحها لهيئة الحشد الشعبي.

قال حسن الأعرجي إن ما يزال غير واضح هو ما إذا كان مشروع القانون الجديد الذي تعمل عليه الحكومة يتضمن تعديلات تهدف إلى خفض الضغط الأمريكي ومراعاة المصالح الإيرانية.

لكن الأعرجي قال إن الأمر المؤكد، من وجهة نظره، هو أن مهلة 30 سبتمبر/ أيلول لحصر السلاح بيد الدولة قد تعطلت، وأن تأجيل الموعد أصبح أكثر ترجيحاً. وأضاف: "تأجيل الموعد أسهل من حل الأزمة في الوقت الحالي".

هكذا يجد الزيدي نفسه أمام اختبار يتجاوز مجرد إصدار قرار حكومي بحصر السلاح، إذ يتعلق الأمر بإعادة ترتيب علاقة الدولة بفصائل تمتلك قوة عسكرية وسياسية واقتصادية واسعة، في وقت تتضارب فيه حسابات واشنطن وطهران والرياض.

ومع اقتراب موعد 30 سبتمبر/ أيلول، تبدو التسوية السياسية والتأجيل أكثر احتمالاً من مواجهة مفتوحة، بينما يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الزيدي تحويل شعار "حصر السلاح بيد الدولة" إلى مسار فعلي، أم أن توازن القوى داخل العراق سيجعل الموعد النهائي مجرد محطة جديدة في أزمة لم تقترب بعد من نهايتها؟

تحميل المزيد