لم تكن المكاسب التي حققتها القاهرة وراء افتتاح سد ومحطة "جوليوس نيريري" في تنزانيا، مع التزام التوقيت المتفق عليه ودون أي مشكلات فنية أو مالية تتعلق بحجز موقع للشركات المصرية وسط تنامي الاستثمارات الأجنبية في الدول الأفريقية والتي تستهدف مشروعات الطاقة والتنمية، وانما يبقى هناك هدفاً أسمى وأهم يتعلق بدحض السردية الإثيوبية التي تتهم بشكل مستمر القاهرة بأنها ضد خططها التنموية وذلك مع تكثيف الأدوات المصرية التي تهدف للضغط على أديس أبابا للتوقيع على اتفاق "قانوني ملزم" بشأن تشغيل سد النهضة.
مكاسب مصرية
وقال مصدر مصري مطلع، إن مشاركة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في افتتاح السد منذ أيام يتزامن مع تصعيد إعلامي إثيوبي واضح ضد مصر بعد أن ضيقت القاهرة الخناق على أديس أبابا التي تحاول النفاذ إلى موقع بحري على البحر الأحمر وترى بأن القاهرة تقيد حركتها في افريقيا ارتباطاً بأزمة سد النهضة، مشيراً إلى أن مراسم الافتتاح وما تجنيه تنزانيا من مكاسب اقتصادية وراء السد بالتعاون مع مصر يهدم السردية الإثيوبية التي تروج على مدار عقود طويلة بأن مصر لا تشجع على التنمية في أفريقيا وتسعى لاستفادة منفردة من نهر النيل، مشيراً إلى أن الرد المصري جاء عملياً وليس من خلال تصريحات إعلامية عهدت عليها أديس أبابا.
وأضاف المصدر ذاته أن انجاز السد في المدة المقرر لها ورغم كل الصعوبات التي واجهته منذ التوقيع على اتفاق تشييده في عام 2018 يبرهن على أنه هناك إمكانيات مصرية وجودة قادرة على تحقيق تنمية مشتركة مع باقي الدول الأفريقية وهو خطاب تعمل أديس أبابا على تكذيبه بشكل مستمر، مشيراً إلى أن العمل في بناء السد بدأ في مايو 2019 والتي أعقبها انتشار فيروس كورونا والذي ترتب عليه توقف سلاسل الإمداد حول العالم ثم وفاة الرئيس التنزاني جون ماغافولي، في عام 2021 ، وما نتج عنه من توقف العمل في السد لفترة بل والاتجاه لمراجعة عقوده.
وأكد أن الشركات المصرية استطاعت أن تبني احد أكبر السدود في شرق أفريقيا وأكبر محطة توليد للطاقة الكهربائية، مشيراً إلى أن القاهرة لا تنظر إلى نجاح تجربة تنفيذ المشروعات الكبرى في أفريقيا باعتبارها تجربة منفردة، وإنما تسعى إلى البناء عليها ضمن رؤية أوسع لتعزيز الحضور المصري في القارة، تقوم على ما وصفه بـ"دبلوماسية القدرة على التنفيذ"، وهو ما يحقق مكاسب عديدة بينها إقناع الدول الأفريقية بأن ما تروج له أديس أبابا بشكل مستمر ما هو إلا أكاذيب.
وأوضح المصدر أن المنافسة في السوق الأفريقية أصبحت قوية للغاية، في ظل وجود قوى كبرى مثل الصين وتركيا وروسيا والولايات المتحدة، التي تمتلك قدرات تمويلية ضخمة، مشيرًا إلى أن مصر لا تستطيع منافسة هذه الدول من حيث حجم التمويل، لكنها تستطيع تقديم نموذج مختلف يقوم على الخبرة والقدرة على التنفيذ والشراكة طويلة الأمد، مشيراً إلى أن العديد من الدول الأفريقية تواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بارتفاع مستويات الديون، وهو ما يجعلها أكثر حذرًا في الاعتماد على التمويل الخارجي لتنفيذ المشروعات الكبرى، خاصة مع وجود تجارب أفريقية أثارت تساؤلات بشأن تداعيات التعثر في سداد الديون على مستقبل بعض المشروعات والأصول.
وأشار إلى أن مصر تسعى في هذا السياق إلى تقديم نفسها باعتبارها شريكًا قادرًا على تنفيذ المشروعات، مع البحث عن نماذج تمويل متنوعة، سواء من خلال بنوك التنمية الأفريقية، أو المؤسسات المصرفية المصرية، أو الشراكات بين الشركات المصرية ونظيراتها الأفريقية.
وأكد أن المنافسة المصرية في أفريقيا لا ينبغي أن تقوم فقط على حجم التمويل، وإنما على القدرة على تحويل التمويل إلى مشروعات ناجحة على الأرض، لافتًا إلى أن امتلاك الشركات المصرية خبرات متراكمة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية والطاقة والمياه يمثل عنصر قوة يمكن البناء عليه، مضيفاً أن هذا التوجه يتطلب تفعيل دور الشركات المصرية ورجال الأعمال القادرين على الدخول في مشروعات كبرى بالقارة، بحيث لا يقتصر الحضور المصري على الجانب الحكومي، وإنما يمتد إلى شراكات اقتصادية واستثمارية قادرة على المنافسة.
دحض اتهامات أديس أبابا
وتزامنت مشاركة مصر في افتتاح السد التنزاني الذي شيّدته مع تمسك أديس أبابا ببناء سدود جديدة على النيل دون تنسيق مع دولتَي المصبّ مصر والسودان، ونشرت وكالة الأنباء الإثيوبية مؤخراً مقالاً زعم أن "بعض السياسيين في مصر يسعون إلى التحكم في تشغيل السد وتنظيم تصريف المياه، مؤكدًا أن "النهج القائم على التحكم في الفتح والغلق لن يكون مقبولًا من الجانب الإثيوبي".
ولفت إلى أن قضية سد النهضة تُستغل في مصر لصرف الانتباه عن التحديات الداخلية، كارتفاع عدد السكان وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى التوترات الإقليمية. وأكد أن هذا النهج يوحي وكأن نهر النيل ملكية خاصة، رغم أن مياهه كافية للجميع.
وبحسب وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا، أن "أديس أبابا لا تحتاج إلى إذن من أي جهة لتطوير مواردها المائية، باعتبارها دولة ذات سيادة" وقال: "لقد بنينا سد النهضة دون الحصول على إذن، وسنبني أيضاً سدوداً أخرى على أحواض أنهار أخرى كلما دعت الحاجة إلى ذلك"
ورفض الوزير الإثيوبي بشكل قاطع الدعوات المطالبة بالإدارة المشتركة لـ"سد النهضة"، في إشارة إلى مطالب مصرية توالت على مدار أسبوعين ترفض بناء سدود جديدة على النيل، وتطالب ببحث عقد اتفاق بشأن الملء والتشغيل لـ"سد النهضة".
ويوم الجمعة الماضية وصل رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى تنزانيا للمشاركة في افتتاح مشروع سد ومحطة "جوليوس نيريري" الكهرومائي بتنزانيا، الذي نفذه التحالف المصري "المقاولون العرب – السويدي إليكتريك" خلال 5 سنوات، بمشاركة 1700 مهندس وفني مصري ضمن فريق عمل يتكون من نحو 12 ألف عامل.
وأكد مدبولي أن مشروع سد ومحطة "جوليوس نيريري" يؤكد قدرة الشركات المصرية على تنفيذ مشروعات تنموية كبرى في القارة الأفريقية، بما يعزز من الحضور المصري في القارة السمراء,
وشدد مدبولي خلال تصريحات الجمعة على أن نجاح مشروع سد ومحطة "جوليوس نيريري" يدحض ما كان يُثار في السابق حول معارضة مصر للتنمية في دول حوض نهر النيل، مؤكداً حرص مصر الدائم على دعم جهود التنمية في دول حوض النيل، بما لا يضر بمصالح مصر والسودان؛ دولتَي المصبّ.
وقال مصدر مصري مطلع إن مشاركة الشركات المصرية في تنفيذ مشروع سد "جوليوس نيريري" تعكس تحولاً مهماً في طبيعة الحضور المصري بالقارة الأفريقية، من التعاون الحكومي التقليدي إلى شراكات تنموية واقتصادية تقوم على تنفيذ مشروعات استراتيجية ذات أثر مباشر على حياة الشعوب، فهو يمثل نموذجاً للتعاون الأفريقي-الأفريقي، خصوصاً في مجالات المياه والطاقة والبنية التحتية، ويعكس قدرة مصر على توظيف خبراتها الفنية والهندسية في دعم خطط التنمية في دول القارة، ولا سيما دول حوض النيل.
وأشار إلى أن أهمية المشروع تتجاوز كونه منشأة مائية لتخزين المياه، إذ يستهدف في الأساس إنتاج الطاقة الكهربائية ودعم احتياجات التنمية في تنزانيا، بما يجعله نموذجاً لمشروعات البنية الأساسية التي يمكن أن تحقق عوائد اقتصادية وتنموية واسعة للدول الأفريقية، مشيراً إلى أن التجربة المصرية في تنزانيا تحمل أيضاً دلالة سياسية مهمة في ظل الجدل المتواصل حول إدارة الموارد المائية في حوض النيل، مفادها أن التنمية لا تتعارض مع التعاون، وأن الاستفادة من الموارد المشتركة ينبغي أن تتم وفق قواعد القانون الدولي ومبادئ عدم الإضرار ومراعاة مصالح جميع دول الحوض.
ولفت المصدر إلى أن تزامن افتتاح المشروع مع تصاعد التصريحات الإثيوبية بشأن قضايا مياه النيل يضفي عليه أهمية إضافية، باعتباره نموذجاً عملياً لما يمكن أن تحققه الشراكة بين الدول الأفريقية بعيداً عن سياسات فرض الأمر الواقع أو التعامل مع الموارد المائية باعتبارها مجالاً للهيمنة، لافتاً إلى أن الرسالة المصرية الأساسية تتمثل في أن التنمية الحقيقية لا تقوم على إلحاق الضرر بدولة لحساب أخرى، وإنما من خلال التعاون والتنسيق وإيجاد صيغة تحقق مصالح جميع الأطراف، وهو ما يمكن أن يشكل أساساً لنموذج أوسع للتعاون بين دول القارة.
الشركات المصرية وفرص التوسع
وأشار المصدر إلى أن نجاح الشركات المصرية في تنفيذ مشروع بهذه الضخامة والتعقيد يعزز فرصها في الدخول إلى أسواق أفريقية جديدة، ويفتح المجال أمام توسيع نشاط الشركات المصرية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والنقل، مشيراً إلى أن القاهرة لديها خطط لبناء سدود جديدة وتعمل على توسيع حضور شركات القطاع الخاص في أفريقيا وتقديم تسهيلات لهذه الشركات بالتعاون مع البنوك الحكومية المحلية، وترى بأن الآثار الاقتصادية لمثل هذه المشروعات تشكل نقطة انطلاق لمرحلة أكثر اتساعاً في العلاقات المصرية-الأفريقية، تقوم على تحويل الخبرة المصرية في تنفيذ المشروعات الكبرى إلى شراكات اقتصادية وتنموية مستدامة مع دول القارة.
وقال رئيس الوزراء المصري إن مشروع السد التنزاني يكتسب أهمية كبيرة لكونه يجسد قدرة وإمكانات الشركات المصرية الوطنية بعناصرها المحترفة على تنفيذ مثل تلك المشروعات الكبرى على المستوى الدولي وبخاصة في أفريقيا، وأضاف أن بلاده مستعدة للمشاركة في تنفيذ أي مشروعات تنموية في الدول الأفريقية
ويقام مشروع السد التنزاني على نهر "روفيجي" ويبلغ ارتفاعه نحو 131 متراً، ويحجز خلفه بحيرة تخزين بسعة استيعابية تصل إلى 34 مليار متر مكعب من المياه، ويضم 9 توربينات مائية عملاقة بإجمالي طاقة إنتاجية تبلغ 2115 ميغاواط، بحسب بيان "مجلس الوزراء المصري"
وزار السيسي دار السلام في يوليو الماضي، وأكد خلال محادثات مع نظيرته التنزانية أهمية استثمار نجاح الشركات المصرية في إقامة مشروع سد "نيريري"، بتدشين مشروعات استثمارية أخرى في قطاعات التشييد والبناء والنقل البحري والموانئ، وطرح وقتها إمكانية "تطوير الشركات المصرية ميناء دار السلام البحري، وربطه بميناء سفاجا على ساحل البحر الأحمر في مصر".
يقع سد جوليوس نيريري، الذي يحمل اسم رئيس البلاد الأسبق، في جنوب تنزانيا، ويعد من أكبر مشروعات توليد الطاقة الكهرومائية في تاريخ البلاد. وتعتبره الحكومة مشروعا استراتيجيا يهدف إلى توفير احتياجات الدولة من الطاقة في قطاعات الزراعة والصناعة،
ويشير دبلوماسي مصري سابق إلى أن المشروع يبعث برسالة قوية إلى إثيوبيا مفادها أن الأنهار العابرة للحدود تخضع للتعاون وكذلك الوضع بالنسبة للموارد المائية الخاصة بالقارة والأفريقية والتي يجب أن يتم إدارتها وفقاً للمواثيق والاتفاقيات والأعراف الدولية، وبما يحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف المعنية، بل أن التصريحات المصرية العديدة خلال الافتتاح قدمت رسالة مفادها أن هذا النموذج يمكن تكراره وأن هناك فرصة لعقد شراكات بين الدول الافريقية والتي تحقق منفعة متبادلة بدلاً من الانخراط في توترات وأزمات وصراعات لا تحقق مصالح شعوب القارة وتخدم أجندات دول معادية للتنمية في أفريقيا.
ولفت المصدر ذاته إلى أنه من المتوقع الإعلان عن تشييد سدود جديدة في افريقيا بأيادي مصرية أبرزها في دولة الكونغو الديمقراطية، مشيراً إلى أن القاهرة تهدف للتأكيد على أن إثيوبيا هي من تتعنت وترفض كافة عروض التفاهم بشأن تشغيل السد بما لا يضر بدولتي المصب وتتمسك بقرارها الأحادي من دون تعاون أو تنسيق مع القاهرة، موضحاً أن القاهرة تهدف للتأكيد على أن إثيوبيا لا تهدف فقط للتحكم في تشغيل سد النهضة ولكنها تهدف للسيطرة على المياه وتعمل على فتح المجال لإقامة سدود جديدة داخل إثيوبيا، وإجبار مصر على التخلي عن الاتفاقيات التاريخية التي نظمت حصص المياه وعدم الاعتداد بها سياسيا أو فنيا.
وأوضح وزير الري المصري هاني سويلم أثناء توجهه إلى تنزانيا لحضور فعاليات افتتاح السد: "هذا ليس افتتاحًا عاديًا، بل نموذج حقيقي للتعاون بين دولة منبع ودولة مصب؛ التمويل تنزاني، والخبرة والمعرفة مصرية، والنتيجة مكسب مشترك وتنمية يستفيد منها الجميع".
وأشار إلى أن سد "جوليوس نيريري" نموذج مشرف للتعاون بين مصر ودول حوض النيل، على عكس سد النهضة، الذي انتهج قرارًا أحاديًا لا يحترم الأعراف الدولية والقانون الدولي، وهو بالنسبة لمصر غير شرعي، ويؤجج النزاع بين الأشقاء الأفارقة.
وأضاف: "مصر تؤمن بأن دول حوض النيل تستطيع أن تحقق التنمية معًا، من خلال التعاون واحترام قواعد القانون الدولي والأعراف والمعايير الدولية، بما يحقق المصالح المشتركة لجميع الدول".