أعلن مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، من قصر الشعب في دمشق، الثلاثاء 25 أغسطس/ آب 2026، حلّ القوة وإنهاء وجودها كتنظيم عسكري مستقل، في خطوة تقول مصادر سورية مطلعة إنها جاءت تتويجاً لمسار اندماج بدأ ميدانياً قبل الإعلان بأشهر.
بحسب مصادر دبلوماسية سورية تحدثت لـ"عربي بوست"، لم يكن إعلان الحل مفاجئاً، إذ اتفقت دمشق وعبدي مسبقاً على أن تكون الخطوة الأخيرة في مسار الاندماج، وليس نقطة البداية، بعدما جرى العمل على إعادة ترتيب البنية العسكرية والأمنية والإدارية في شمال شرقي سوريا.
شمل هذا المسار، وفق المصادر، تفكيك الهيكل العسكري الذي حكم المنطقة لأكثر من عقد، وإعادة توزيع آلاف المقاتلين ضمن تشكيلات الجيش السوري، ونقل أجهزة الأمن الداخلي إلى وزارة الداخلية، إضافة إلى تسليم حقول النفط والمنشآت والمعابر إلى مؤسسات الدولة.
وكان الخلاف الأصعب يتمثل في شكل الاندماج نفسه: هل تدخل "قوات سوريا الديمقراطية" الجيش كتلة عسكرية تحتفظ بقيادتها وهيكليتها، أم يجري تفكيكها وإعادة توزيع مقاتليها داخل مؤسسات الدولة؟
بحسب المصادر، استقرت دمشق خلال الأشهر الأخيرة على قاعدة تقضي باستيعاب المقاتلين والقادة داخل مؤسسات الدولة، ومنح عدد من القيادات السابقة مواقع عسكرية وإدارية، لكنها رفضت بقاء تنظيم يحمل اسم "قسد" ويمتلك قيادة وقراراً عسكرياً مستقلين عن وزارة الدفاع.
كواليس الاتفاق على الإدماج عسكرياً
قال مصدر عسكري سوري مطلع على عملية الدمج لـ"عربي بوست" إن المرحلة الأساسية من إعادة ترتيب القوات سبقت إعلان عبدي، وإن المقاتلين الذين تقرر استمرارهم في الخدمة العسكرية جرى توزيعهم على تشكيلات مرتبطة مباشرة بهيكلية الجيش السوري.
ولم تدخل قوات سوريا الديمقراطية، بحسب المصدر، إلى الجيش باعتبارها كتلة عسكرية واحدة، وإنما جرى تفكيك هيكليتها السابقة وتحويل الكتلة الرئيسية من قواتها إلى ألوية موزعة جغرافياً في الحسكة والقامشلي وديريك وعين العرب/ كوباني.
وتستهدف هذه الصيغة تحقيق معادلتين في الوقت نفسه: منع نقل آلاف المقاتلين بصورة واسعة خارج مناطقهم، ما قد يخلق مشكلة أمنية واجتماعية، وفي المقابل منع بقاء قيادة عسكرية موازية تستطيع إعادة تشكيل "قسد" مستقبلاً خارج تسلسل القيادة الرسمي.
وتشير المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" إلى أن عملية الدمج لم تقتصر على العناصر، بل شملت أيضاً جزءاً من الضباط والقادة السابقين، الذين جرى توزيعهم على مستويات مختلفة داخل البنية العسكرية الجديدة.
وبحسب المصدر العسكري، تقضي التعليمات الموجهة إلى الوحدات المدمجة بأن ترتبط الأوامر العملياتية والتحركات العسكرية والتعيينات والتسليح بقيادات الجيش ووزارة الدفاع، وليس بالهيكل القيادي السابق لقوات سوريا الديمقراطية.
كما شملت عملية التدقيق أسماء المقاتلين ورتبهم السابقة واختصاصاتهم وسنوات خدمتهم، إلى جانب مراجعة أوضاع عدد من القادة قبل تثبيت مواقعهم الجديدة داخل المؤسسة العسكرية.
مصير قيادة قوات سوريا الديمقراطية
المعادلة الأكثر حساسية بالنسبة إلى دمشق لم تكن مرتبطة بالمقاتلين العاديين بقدر ارتباطها بمستقبل الصف القيادي في قوات سوريا الديمقراطية.
وقالت مصادر دبلوماسية سورية لـ"عربي بوست" إن التفاهم الذي سبق إعلان الحل قام على استيعاب جزء من القيادات العسكرية والسياسية السابقة في مؤسسات الدولة، مقابل إنهاء القيادة المركزية لـ"قسد" بصيغتها السابقة.
بمعنى آخر، وافقت دمشق على انتقال شخصيات من تجربة قوات سوريا الديمقراطية إلى مؤسسات الدولة، لكنها رفضت انتقال هذه الشخصيات إلى داخل الدولة باعتبارها جسماً متماسكاً يحتفظ بتركيبته السابقة.
ويظهر ذلك في دخول عدد من القادة السابقين إلى الهيكلية العسكرية الجديدة وتولي بعضهم مواقع قيادية، في محاولة لمنع شعور المقاتلين بأن الاندماج يعني حلهم وتسريحهم بالكامل، وربط هؤلاء القادة في الوقت نفسه بسلسلة القيادة العسكرية السورية.
تقول المصادر إن مستقبل مظلوم عبدي نفسه كان موضع بحث خلال المفاوضات الأخيرة، مع وجود توجه لمنحه دوراً داخل مؤسسات الدولة، لكن طبيعة الموقع وصلاحياته ظلت من المسائل الحساسة.
يرجع ذلك إلى رغبة دمشق في الفصل بين استيعاب عبدي شخصياً داخل مؤسسات الدولة، وبين إعادة إنتاج موقعه السابق قائداً لقوة عسكرية مستقلة تحمل قراراً منفصلاً عن وزارة الدفاع.
"الأسايش" تنتقل إلى وزارة الداخلية
بالتوازي مع المسار العسكري، بدأت عملية منفصلة لدمج قوات الأمن الداخلي المعروفة باسم "الأسايش" في مؤسسات وزارة الداخلية السورية.
وقال مصدر في وزارة الداخلية السورية لـ"عربي بوست" إن قوائم العناصر خضعت لعملية تدقيق قبل إدخال المقبولين منهم إلى تشكيلات الوزارة، على أن تصبح مسؤولية الأمن داخل المدن والبلدات تدريجياً بيد الأجهزة الرسمية التابعة للدولة.
تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في الحسكة والقامشلي، حيث كانت "الأسايش" تمثل طوال السنوات الماضية الجهاز الأمني الفعلي للإدارة الذاتية، وتولت جانباً أساسياً من مهام الأمن الداخلي في المنطقة.
بحسب المصدر، لا تقوم الخطة على استبدال جميع العناصر بقوات قادمة من مناطق سورية أخرى، وإنما على إبقاء نسبة كبيرة من العناصر المحليين بعد دمجهم رسمياً.
سيخضع هؤلاء للقيادة والقوانين والرواتب والرتب التابعة لوزارة الداخلية، في صيغة ترى دمشق أنها تقلل احتمالات الاحتكاك الأمني وتحافظ على المعرفة المحلية الموجودة لدى العناصر.
في الوقت نفسه، تنهي هذه الصيغة وجود جهاز أمني مستقل عن الدولة، وتضع الأمن الداخلي في المنطقة ضمن التسلسل المؤسسي الرسمي.
من يسيطر على سلاح "قسد"؟
كان مصير مخازن الأسلحة والآليات والمعدات العسكرية التي راكمتها قوات سوريا الديمقراطية خلال سنوات دعمها من التحالف الدولي أحد الملفات التي رافقت المفاوضات.
وقال المصدر العسكري السوري إن عملية الدمج تضمنت حصر الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والمركبات العسكرية والمخازن التابعة للوحدات التي جرى دمجها، وتحويلها إلى عهدة التشكيلات الجديدة التابعة لوزارة الدفاع.
وأوضح أن دمشق تعاملت مع هذه النقطة باعتبارها شرطاً أساسياً لإنهاء الازدواج العسكري، إذ لا يمكن اعتبار وحدة ما مندمجة في الجيش بينما يبقى مخزن سلاحها أو قرار استخدامه مرتبطاً بقيادتها القديمة.
لهذا جرى بالتوازي مع إعادة توزيع المقاتلين نقل السيطرة الإدارية والعسكرية على جزء كبير من المخازن والمقار إلى الهيكل الجديد، ما يضمن ارتباط السلاح والتشكيلات بسلسلة القيادة الرسمية.
لكن إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية لا يعني أن كل التفاصيل العسكرية أصبحت منتهية. وتشير مصادر عسكرية سورية إلى أن ملف مقاتلات "وحدات حماية المرأة" كان من أكثر الملفات تعقيداً خلال المفاوضات.
يرتبط الخلاف بتمسك قيادات كردية بالحفاظ على خصوصية هذه القوات، مقابل رفض وزارة الدفاع وجود تشكيل قتالي نسائي مستقل يحتفظ بقيادته السابقة داخل الجيش السوري.
بحسب المصادر، طُرحت خلال المفاوضات أكثر من صيغة لاستيعاب المقاتلات، بينها إدخال جزء منهن في مؤسسات أمنية ومدنية ووظائف مرتبطة بوزارة الداخلية.
وكان الهدف هو تجنب الإبقاء على وحدة عسكرية مستقلة، لكن التنفيذ الكامل لهذه الترتيبات لا يزال يحتاج إلى وقت، خصوصاً بالنسبة إلى العناصر التي لا ترغب في الانتقال إلى المؤسسات المدنية.
الدولة تستعيد النفط والمعابر
خارج المؤسسة العسكرية، كان انتقال الموارد والمنشآت التي شكلت العمود الفقري الاقتصادي للإدارة الذاتية أحد أكبر التحولات في مسار الاندماج.
وقالت مصادر سورية مطلعة لـ"عربي بوست" إن دمشق كانت تعتبر ملف النفط والمعابر غير قابل للفصل عن الاندماج العسكري، ورفضت منذ البداية صيغة تسمح بإنهاء قوات سوريا الديمقراطية عسكرياً مع بقاء الإدارة الاقتصادية مستقلة.
بالفعل، انتقلت إدارة حقول رئيسية، بينها رميلان والسويدية، إلى مؤسسات الدولة، بالتوازي مع إدخال موظفين وفنيين كانوا يعملون في المؤسسات السابقة ضمن الهياكل الحكومية.
وشمل ذلك أيضاً المعابر الحدودية التي انتقلت إلى المنظومة الحكومية والجمارك السورية، إضافة إلى مطار القامشلي ومؤسسات خدمية وإدارية أخرى.
وبحسب المصادر، تقوم الترتيبات على استمرار عمل الموظفين المحليين في عدد كبير من هذه المؤسسات، لكن تحت مرجعية الوزارات السورية. وتسمح هذه الصيغة لدمشق باستعادة السيادة الإدارية على المؤسسات والموارد، من دون تفكيك الجهاز الوظيفي الموجود وإعادة بنائه من الصفر.
لماذا قبل مظلوم عبدي بالحل؟
قال مصدر دبلوماسي سوري شارك في متابعة الاتصالات لـ"عربي بوست" إن قرار عبدي لا يمكن فهمه باعتباره نتيجة اجتماع واحد مع الرئيس أحمد الشرع، إذ بدأ المسار عملياً منذ اتفاق 10 مارس/ آذار 2025.
لكن المسار مر بمراحل طويلة من التعثر بسبب الخلاف حول معنى "الاندماج": هل تدخل قوات سوريا الديمقراطية الجيش كتشكيل منظم يحتفظ بقيادته، أم يجري حلها وإعادة دمج عناصرها؟
وخلال الأشهر التالية، تغيرت البيئة المحيطة بعبدي بصورة متسارعة. وتقول المصادر إن 3 عوامل حسمت الاتجاه النهائي للمفاوضات.
العامل الأول كان تغير الموقف الأميركي من مستقبل قوات سوريا الديمقراطية، والثاني الضغط العسكري والسياسي التركي المستمر لمنع قيام بنية عسكرية مرتبطة بوحدات حماية الشعب.
أما العامل الثالث فتمثل في التحولات الميدانية التي أفقدت قيادة قوات سوريا الديمقراطية القدرة على التفاوض انطلاقاً من خريطة السيطرة التي كانت تمتلكها سابقاً.
بحسب المصدر الدبلوماسي، وصلت الرسالة الأميركية خلال المراحل الأخيرة بصورة واضحة إلى الطرفين، ومفادها أن واشنطن ستساعد في ضمان عملية اندماج تحفظ حقوق الأكراد وتمنع صداماً واسعاً، لكنها لن تدعم استمرار قوة عسكرية مستقلة عن الحكومة السورية.
ماذا حصل عليه الأكراد؟
في المقابل، لم يكن الاتفاق استسلاماً عسكرياً بلا مقابل سياسي، إذ ركز الجانب الكردي خلال المرحلة الأخيرة من المفاوضات على تحويل مكاسبه السابقة من "سيطرة جغرافية وعسكرية" إلى ضمانات سياسية وثقافية داخل الدولة السورية.
كان ملف اللغة الكردية والتعليم باللغة الأم واحداً من أبرز هذه الملفات، إلى جانب تمثيل شخصيات كردية في المؤسسات المركزية والحفاظ على نسبة كبيرة من الموظفين المحليين.
كما شمل التفاوض منع التعامل مع عشرات آلاف العاملين في مؤسسات الإدارة السابقة باعتبارهم خارج جهاز الدولة، في محاولة للحفاظ على جزء كبير من الكادر الإداري الذي راكم خبرة خلال سنوات الإدارة الذاتية.
وتضيف المصادر أن دمشق قبلت بمبدأ توسيع الحقوق الثقافية والمدنية للأكراد، لكنها تمسكت بالفصل بين هذه الحقوق وبين أي صيغة تمنح المنطقة وضعاً عسكرياً أو سياسياً منفصلاً عن الدولة.
نهاية "قسد" لا نهاية الملف
رغم الطابع التاريخي لإعلان عبدي، تقول مصادر عسكرية ودبلوماسية سورية لـ"عربي بوست" إن الأشهر المقبلة ستكون الاختبار الأكثر أهمية من الإعلان نفسه.
فالجزء الأسهل نسبياً كان الاتفاق السياسي على الحل، بينما يتمثل الاختبار الحقيقي في قدرة دمشق على تحويل عشرات آلاف العناصر والموظفين الذين عملوا طوال سنوات ضمن مؤسسات منفصلة إلى جزء فعلي من جهاز الدولة.
وتتركز المتابعة حالياً على 4 ملفات رئيسية: استكمال دمج الوحدات العسكرية وسلسلة قيادتها، وإنهاء ملف "الأسايش"، وتسوية وضع التشكيلات النسائية، واستكمال نقل المؤسسات المدنية والمالية والإدارية.
وتقول المصادر إن الحكومة السورية تريد إنهاء حالة وجود "دولة داخل الدولة"، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تفكيك المؤسسات المحلية بصورة تؤدي إلى فراغ أمني أو إداري في منطقة شاسعة وحساسة.
وتضم المنطقة حقول الطاقة والحدود مع العراق وتركيا، إلى جانب مراكز احتجاز مرتبطة بتنظيم داعش، ما يجعل أي فراغ في مؤسساتها الأمنية والإدارية محفوفاً بتحديات إضافية.
ولهذا جاء حل قوات سوريا الديمقراطية في نهاية عملية طويلة وليس في بدايتها. فبعد نحو 11 عاماً على تأسيسها، لم تختفِ آلاف العناصر التي حملت اسم "قوات سوريا الديمقراطية"، وإنما اختفى الإطار الذي جمعهم في قوة عسكرية مستقلة.
المقاتلون والقادة والمؤسسات والموظفون ينتقلون، بدرجات مختلفة، إلى الدولة السورية، بينما أصبح الاسم والقيادة المستقلة ومنظومة القرار العسكري التي حكمت شمال شرقي سوريا طوال سنوات جزءاً من مرحلة انتهت رسمياً بإعلان مظلوم عبدي من دمشق.