ما بعد “اليونيفيل”.. فرنسا وإيطاليا تتنافسان على النفوذ في جنوب لبنان، والجيش في قلب المعادلة

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/24 الساعة 13:48 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/24 الساعة 13:48 بتوقيت غرينتش
تنافس أوروبي على النفوذ في جنوب لبنان/ عربي بوست

تتحرك فرنسا وإيطاليا لتثبيت موقعيهما في الترتيبات الأمنية التي يجري بحثها لجنوب لبنان بعد انتهاء مهمة بعثة حفظ السلام متعددة الجنسيات "اليونيفيل" نهاية العام، فيما أصبحت الولايات المتحدة صاحبة الدور الأكثر تأثيراً في إدارة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.

قال مصدر حكومي لبناني رفيع لـ"عربي بوست" إن بيروت تتعامل منذ أسابيع مع ملف ما بعد "اليونيفيل" باعتباره من أكثر الملفات إلحاحاً، بعدما انتقل النقاش من كيفية تعويض انسحاب القوة الدولية إلى شكل المنظومة الأمنية التي ستدير الجنوب لاحقاً.

بحسب المصدر، تشمل الاتصالات الجارية الدول التي يمكن أن تشارك في الترتيبات الجديدة، وآلية عملها إلى جانب الجيش اللبناني، في وقت أصبحت فيه مسألة التحقق من تنفيذ التفاهمات على الأرض جزءاً أساسياً من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية.

كانت محادثات برعاية أميركية قد أفضت أخيراً إلى وضع قائمة دول مرشحة للمساهمة في آلية تحقق دولية، تضم بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا، مع استمرار التفاوض على حجم القوة وصلاحياتها والإطار القانوني لعملها.

فرنسا تحاول العودة من بوابة الجيش

يتمثل التحرك الفرنسي الأبرز في إعادة إحياء مسار المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بعد تعثر المحاولة السابقة لعقده في 5 مارس/ آذار 2026.

قال المصدر الحكومي اللبناني إن باريس أبلغت الجانب اللبناني بأن الاجتماع التحضيري الجديد سيُعقد في 17 سبتمبر/ أيلول 2026، مع توجه لإعطائه طابعاً دولياً أوسع من المحاولة السابقة.

بحسب المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست"، تعمل فرنسا بالتنسيق مع الأردن على مشاركة رؤساء أركان أو ممثلين عسكريين رفيعي المستوى من فرنسا والأردن والولايات المتحدة والسعودية وقطر، إلى جانب دول أخرى.

يهدف الاجتماع، وفق المصدر، إلى وضع تصور لحاجات الجيش وقوى الأمن خلال المرحلة المقبلة، وليس مجرد جمع تعهدات مالية جديدة، في ظل انتقال المؤسسة العسكرية إلى دور أكبر في ترتيبات الجنوب.

وتقوم الرؤية اللبنانية على أن الجيش سيكون "العمود الفقري لأي ترتيب أمني جديد"، سواء في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل أو خلال مرحلة ما بعد "اليونيفيل".

ولهذا تحتاج المؤسسة العسكرية، بحسب المصدر، إلى حزمة طويلة الأمد تشمل التجهيز والنقل واللوجستيات والمراقبة والتدريب، إضافة إلى القدرة على الانتشار السريع.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي لـ"عربي بوست" إن باريس ترى أن التحولات التي شهدها الملف اللبناني خلال الأشهر الماضية أدت عملياً إلى تراجع قدرتها على التأثير في مسار التفاوض. وأوضح أن إدارة الملفات الأكثر حساسية، وخصوصاً الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية والتحقق، انتقلت بصورة متزايدة إلى الجانب الأميركي.

كما أن فرنسا، يضيف المصدر الدبلوماسي، لا تريد أن تجد نفسها خارج هندسة اليوم التالي في جنوب لبنان، ولذلك تنظر إلى دعم الجيش باعتباره المساحة التي لا تزال قادرة من خلالها على الجمع بين دورها السياسي وعلاقاتها التاريخية بالمؤسسة العسكرية وحضورها الميداني الطويل في الجنوب.

لماذا فشلت المحاولة الأولى؟

بحسب المصدر الدبلوماسي الأوروبي، فإن تعثر مؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي كان مقرراً في مارس/ آذار 2026 لم يكن مرتبطاً فقط بالتصعيد الإقليمي الذي حصل حينها، بل سبقته تباينات حول وظيفة المؤتمر نفسه.

وأوضح أن الولايات المتحدة لم تكن متحمسة لتحويل مؤتمر الدعم إلى منصة تمنح فرنسا قيادة سياسية مستقلة للملف اللبناني، فيما ارتبط الموقف السعودي أكثر بطبيعة المهمة التي سيؤديها الجيش والضمانات المتعلقة بحصرية السلاح وسلطة الدولة.

وكان مسار دعم الجيش قد بدأ أصلاً بتنسيق أميركي ـ فرنسي ـ سعودي، مع ربط واضح بين تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية وتوسيع مسؤولياتها في تنفيذ ترتيبات وقف الأعمال العدائية وحصرية السلاح.

لهذا، بحسب المصدر الأوروبي، تعلمت باريس من التجربة السابقة، ولا تحاول هذه المرة بناء مسار فرنسي موازٍ للمسار الأميركي، وإنما إدخال نفسها في المنظومة التي تقودها واشنطن.

الفكرة الفرنسية اليوم، يوضح المصدر، ليست منافسة الأميركيين على إدارة التفاوض، لأن باريس تعرف أن ذلك غير واقعي، وإنما ضمان أن تكون فرنسا موجودة عندما يبدأ توزيع الأدوار في المرحلة التالية.

تقدم إيطالي هادئ من الميدان

تتقدم إيطاليا من بوابة مختلفة، مستفيدة من حضور عسكري وأمني راكمته خلال السنوات الماضية داخل لبنان والجنوب تحديداً.

وفق المصدر الحكومي اللبناني، أصبحت روما خلال الأشهر الأخيرة واحدة من أكثر العواصم الأوروبية التصاقاً بالملف الأمني اللبناني، وإن هذا الحضور لا يعود فقط إلى مشاركتها في "اليونيفيل"، بل إلى شبكة أوسع من التعاون العسكري مع الجيش اللبناني.

وتشارك إيطاليا منذ سنوات في القوة الدولية في الجنوب، كما تعمل عبر البعثة العسكرية الإيطالية الثنائية في لبنان "MIBIL"، وتتولى دوراً أساسياً في اللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان "MTC4L"، المخصصة لتنسيق جانب من الدعم الدولي للجيش اللبناني.

لكن النقلة السياسية الأهم، بحسب المصدر، جاءت مع استضافة روما الجولات الأخيرة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية برعاية أميركية.

وأعطى ذلك إيطاليا موقعاً مختلفاً عن بقية الدول الأوروبية، إذ لم تعد مجرد دولة مساهمة في "اليونيفيل" أو داعمة للجيش، بل أصبحت حاضرة في المسار الذي يناقش الانسحاب الإسرائيلي وآليات التحقق وترتيبات الانتشار اللاحقة.

وأكد المصدر الدبلوماسي الأوروبي أن إدراج إيطاليا ضمن الدول المرشحة للمشاركة في آلية التحقق لم يكن مصادفة، بل جاء نتيجة موقع بنته روما تدريجياً مع واشنطن وبيروت، إضافة إلى قدرتها على الاحتفاظ بقنوات سياسية مستقرة مع إسرائيل.

وتؤكد المعلومات المنشورة عن المفاوضات الأخيرة أن إيطاليا أصبحت بالفعل واحدة من 4 دول مطروحة للمساهمة في الآلية الجديدة.

ماذا سيأتي بعد "اليونيفيل"؟

حتى الآن، لا توجد صيغة نهائية للقوة التي يمكن أن تخلف "اليونيفيل". وقال المصدر الحكومي اللبناني إن النقاش يدور حول عدة احتمالات، من بينها قوة متعددة الجنسيات أو آلية تحقق تضم وحدات أو مراقبين من مجموعة دول.

وتشمل الخيارات أيضاً صيغة ترتبط بشكل ما بالأمم المتحدة وتعمل بالتنسيق المباشر مع الجيش اللبناني، في وقت لا تزال فيه طبيعة الإطار القانوني للوجود الجديد موضع تفاوض.

وأضاف المصدر أن بيروت رفضت فكرة إسناد مهمة التحقق إلى شركات أمنية خاصة، وتصر على أن تكون الجهات المشاركة دولاً، وأن يكون أي وجود أجنبي قائماً على إطار قانوني واضح وموافقة رسمية من الدولة اللبنانية.

تتقاطع هذه المعلومات مع ما ظهر في المفاوضات الأخيرة، حيث لا تزال الخيارات تشمل وضع العناصر الدوليين ضمن إطار أممي، أو إنشاء صيغة دولية جديدة، أو تنظيم وجودهم باتفاق مباشر مع لبنان.

بحسب المصدر الدبلوماسي الأوروبي، فإن الخلاف الحقيقي لم يعد حول ضرورة وجود آلية تساعد الجيش بعد "اليونيفيل"، بل حول "من يقودها، وتحت أي مظلة، وما هي حدود صلاحياتها".

ويفضل الفرنسيون الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الغطاء الدولي والأوروبي، بينما تميل واشنطن وإسرائيل إلى صيغة أكثر مرونة وفاعلية ميدانياً، خصوصاً في ملف التحقق من السلاح.

روما بدلاً من باريس؟

رغم التقدم الإيطالي، يستبعد المصدران اللذان تحدثا لـ"عربي بوست" أن تكون المعادلة المطروحة هي إخراج فرنسا وإحلال إيطاليا مكانها.

وقال المصدر الدبلوماسي الأوروبي إن النقاش داخل العواصم المعنية أقرب إلى تقسيم وظيفي للأدوار: تحتفظ فرنسا بثقلها السياسي والدبلوماسي وعلاقتها التاريخية بلبنان، بينما تمتلك إيطاليا أفضلية متزايدة في الجوانب العسكرية والميدانية.

لكن المصدر أقر بأن باريس تواجه مشكلة لم تكن موجودة قبل سنوات، تتمثل في أنها لم تعد "العنوان الأوروبي الوحيد" للملف اللبناني. فخلال سنوات، راكمت السياسة الفرنسية انتقادات أميركية ولبنانية بسبب مقاربتها للعلاقة مع حزب الله، ولا سيما منذ مبادرة الرئيس ماكرون بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020.

في تلك المرحلة، أبقت باريس أبواب التواصل مفتوحة مع الحزب وتعاملت معه باعتباره طرفاً لا يمكن تجاوزه في التسويات الداخلية، وهو ما ساهم في زيادة الحساسية الأميركية تجاه بعض تحركاتها اللبنانية.

أما إيطاليا، بحسب المصدر الأوروبي، فتدخل المرحلة الحالية "بحمولة سياسية أقل"، إذ بنت معظم حضورها اللبناني من خلال المؤسسة العسكرية و"اليونيفيل" والتعاون الأمني، ولم تدخل بالدرجة نفسها في تفاصيل الصراعات السياسية الداخلية.

واشنطن صاحبة القرار

رغم الحركة الأوروبية، يقول المصدر الحكومي اللبناني إن بيروت تدرك أن القرار الأساسي بشأن شكل المرحلة المقبلة سيبقى أميركياً.

فالولايات المتحدة ترعى المفاوضات مع إسرائيل، وهي التي ستلعب الدور الأساسي في اختيار الدول المشاركة في آلية التحقق، كما أن أي انسحاب إسرائيلي إضافي سيبقى مرتبطاً بالتفاهمات التي تتوصل إليها واشنطن مع الطرفين.

ويضيف المصدر أن المطلوب لبنانياً هو منع تحول انتهاء "اليونيفيل" إلى فراغ أمني، وفي الوقت نفسه تجنب إنشاء قوة دولية تمتلك صلاحيات تتعارض مع سيادة الدولة أو تجعل الجيش اللبناني طرفاً ثانوياً داخل أراضيه.

ولهذا تريد بيروت، وفق المصدر، أن يكون الجيش المؤسسة المركزية في أي ترتيب جديد، بينما يكون دور القوات أو المراقبين الدوليين مسانداً له في التحقق والمراقبة وتوفير الضمانات الدولية.

سبتمبر يكشف توزيع الأدوار

يرى المصدر الدبلوماسي الأوروبي أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد حجم الدور الذي ستحتفظ به فرنسا مقابل المساحة التي ستشغلها إيطاليا.

وسيكون اجتماع باريس في 17 سبتمبر/ أيلول الاختبار الأول، فإذا نجحت فرنسا في جمع الأميركيين والسعوديين والأردنيين وشركاء أوروبيين حول برنامج عملي لتطوير قدرات الجيش، يمكن لباريس أن تعيد تثبيت نفسها في قلب ترتيبات المرحلة المقبلة.

أما إيطاليا، فلا تحتاج إلى مؤتمر مماثل لإثبات حضورها. فوجودها في الجنوب، وعلاقتها بالجيش، واستضافتها المفاوضات، ودخول اسمها رسمياً في النقاش حول آلية التحقق، كلها عوامل جعلتها بالفعل جزءاً من الترتيبات التي يجري إعدادها.

ويقول المصدر الأوروبي إن المنافسة الفعلية ليست على من يحب لبنان أكثر أو من يمتلك علاقة تاريخية أقدم معه، بل على من سيكون موجوداً داخل الآليات التي ستدير المرحلة المقبلة. بذلك، لا يبدو أن روما ستزيح باريس بالكامل، لكن احتكار فرنسا التقليدي للدور الأوروبي في لبنان يتآكل بصورة واضحة.

في المقابل، تتشكل معادلة جديدة يكون فيها الأميركيون في موقع القيادة، والفرنسيون في المسار السياسي ودعم الجيش، والإيطاليون أكثر حضوراً في الجانب العسكري والميداني.

أما بالنسبة إلى بيروت، فإن الرهان الأساسي ليس على هوية الدولة الأوروبية التي ستتقدم، بقدر ما هو على تحويل هذا التنافس إلى دعم فعلي للجيش وضمان ألا يؤدي خروج "اليونيفيل" إلى فراغ جديد في الجنوب.

المرحلة التي يجري التحضير لها لن تحدد فقط شكل الوجود الدولي بعد نهاية المهمة الأممية، بل ستحدد أيضاً من سيمتلك نفوذاً فعلياً في واحدة من أكثر المناطق حساسية في لبنان خلال السنوات المقبلة.

تحميل المزيد