مصادر سورية: قصف إسرائيل لمطار أبو الظهور مرتبط بمنع إعادة بناء الجيش السوري، وبتحركات تركية

عربي بوست
تم النشر: 2026/08/20 الساعة 08:37 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/08/20 الساعة 08:37 بتوقيت غرينتش
إسرائيل قامت بقصف أبو الظهور رغم الدور التركي فيه/ عربي بوست

تحدثت مصادر عسكرية ودبلوماسية سورية لـ"عربي بوست"، عن كيف تنظر دمشق إلى الاستهداف الإسرائيلي الأخير لمطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الثلاثاء الماضي، معتبرة أن ذلك يمثل مساراً جديداً في المواجهة معها في سوريا.  

أكدت المصادر أن قصف أبو الظهور لم يكن مرتبطاً بوجود ما يمثل أي تهديد عسكري مباشر داخل المطار بقدر ما حملت رسالة استباقية إسرائيلية إلى دمشق وأنقرة بشأن الحدود التي تحاول إسرائيل فرضها بما يتعلق بعملية إعادة بناء الجيش السوري، وفق تقديرها.

بحسب مصدر عسكري سوري تحدث لـ"عربي بوست"، فقد نفذت الطائرات الإسرائيلية أربع غارات متتالية على مطار أبو الظهور قرابة الثالثة فجراً، تركزت على المدرج الرئيسي ومنطقة الحظائر القديمة وبعض النقاط المحيطة به. 

وأوضح أن القصف لم يسفر عن خسائر بشرية، فيما أصيبت أجزاء من المدرج ومنشآت قديمة كانت تخضع للكشف الفني تمهيداً لتحديد ما يمكن إعادة استخدامه منها.

وأكد أن المطار "لم يكن قد تحول إلى قاعدة عملياتية"، وأن الحديث الإسرائيلي عن وجود قوة جوية سورية ناشطة داخله "فبركة"، مشيراً إلى أن العمل الجاري خلال الفترة الماضية كان في معظمه هندسياً وفنياً، ويشمل تقييم المدرج والمنشآت والحظائر وإمكان إعادة تشغيل أجزاء من المطار مستقبلاً. 

زيارة تركية سبقت الضربة

لكن ما رفع مستوى الحساسية الإسرائيلية، وفق مصدر دبلوماسي سوري مطلع على الاتصالات مع أنقرة، هو أن أعمال التقييم في أبو الظهور لم تكن سورية فقط، فقد زار وفد عسكري تركي المطار قبل الضربة بأيام، واطلع ميدانياً على وضع المدرج والمنشآت والاحتياجات الفنية لإعادة تأهيل الموقع.

وقال المصدر لـ"عربي بوست" إن النقاش السوري–التركي لم يصل إلى قرار بإنشاء "قاعدة جوية تركية" في أبو الظهور كما روّجت الحكومة الاسرائيلية، بل كان جزءاً من نقاش أوسع حول مساعدة تركيا في إعادة تأهيل البنية العسكرية السورية، بما يشمل التدريب والصيانة والمطارات والقدرات اللوجستية.

ووفق المصدر العسكري، فقد جرى الحصول على آليات ومعدات تركية تعمل في إعادة تأهيل المطار، وإلى زيارة وفد عسكري تركي للموقع للاطلاع على هذه الأعمال.

وأضاف المصدر أن دمشق قرأت الضربة باعتبارها "رسالة إلى تركيا بقدر ما هي رسالة إلى سوريا"، لأن إسرائيل تريد تثبيت قاعدة مبكرة مفادها أن أي بنية عسكرية سورية يمكن أن تستفيد مستقبلاً من الخبرة أو التكنولوجيا أو الحماية التركية ستكون خاضعة للاستهداف قبل تحولها إلى أمر واقع.

ماذا كان داخل أبو الظهور؟

مصدر عسكري سوري آخر قال لـ"عربي بوست" إن المطار كان يخضع خلال الأسابيع الأخيرة لعملية إعادة ترتيب أمنية سبقت أعمال التأهيل، وشملت إخراج مجموعات وعناصر غير سورية كانت موجودة في محيطه، وإعادة ضبط الدخول إليه وحصره بقوات تتبع بصورة مباشرة للمؤسسات العسكرية الجديدة.

ويأتي ذلك متطابقاً مع معلومات عن مغادرة مقاتلين أجانب المطار خلال الأسابيع الأخيرة وانتقالهم إلى مناطق محيطة به.

وقال المصدر إن الهدف كان تحويل أبو الظهور تدريجياً من موقع عسكري مهمل إلى منشأة تابعة للدولة يمكن استخدامها، في مرحلة أولى، للتدريب والإسناد اللوجستي وتشغيل المروحيات والطائرات الخفيفة، وليس لإنشاء قوة هجومية موجهة ضد أحد.

وتكمن أهمية أبو الظهور أساساً في موقعه، فالمطار يقع على بعد نحو 27 كيلومتراً شرق سراقب ونحو 70 كيلومتراً بخط مستقيم عن الحدود مع تركيا، في منطقة تربط إدلب بحلب وحماة والبادية السورية، ما يجعله مفيداً لوجستياً وعسكرياً في شمال ووسط البلاد، حتى من دون نشر مقاتلات حديثة داخله، بحسب المصدر.

طلعات "سوخوي" رفعت مستوى الإنذار الإسرائيلي

وأفادت المصادر السورية بأن الضربة لا يمكن فصلها أيضاً عن النشاط الجوي السوري الذي سبقها، ففي 10 أغسطس/آب الجاري، نفذت مقاتلات سورية من طراز "سوخوي-22" طلعات تدريبية في شمال البلاد، بالتزامن مع محاولات وزارة الدفاع إعادة تجميع ما تبقى من الطيارين والقدرات الجوية القابلة للتشغيل.

وتابعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية هذه التحركات بصورة علنية، وظهرت تقارير تتحدث عن تسارع عملية إعادة تأهيل سلاح الجو السوري وتجنيد طيارين وتشغيل طائرات تدريب ومروحيات ومقاتلات قديمة.

لكن مصدراً عسكرياً سورياً نفى لـ"عربي بوست" أن تكون الطائرات التي نفذت الطلعات التدريبية متمركزة بصورة عملياتية في أبو الظهور عند تنفيذ الغارات، وقال إن إسرائيل "تعمدت الربط بين مسارين مختلفين"، وهو استعادة الحد الأدنى من قدرة الطيران السوري على التدريب، وإعادة تأهيل مطار أبو الظهور بالتعاون مع الجانب التركي.

وبحسب المصدر، فإن الجمع بين المسارين يسمح لإسرائيل بتقديم إعادة بناء قدرات الدولة السورية باعتبارها تهديداً عسكرياً ناشئاً، رغم أن القدرات الحالية للجيش السوري، وخصوصاً سلاح الجو، لا تزال بعيدة عن تشكيل تهديد مباشر لإسرائيل.

خط أحمر إسرائيلي جديد وراء قصف أبو الظهور

وتكشف مصادر دبلوماسية سورية لـ"عربي بوست" أن دمشق باتت تنظر إلى غارة أبو الظهور باعتبارها مؤشراً إلى تغيير تدريجي في قواعد العمل الإسرائيلية. 

ففي الأشهر السابقة تركز النشاط الإسرائيلي بصورة أساسية على الجنوب السوري، ولا سيما القنيطرة ودرعا ومحيط دمشق، بينما يعني الوصول إلى إدلب أن تل أبيب مستعدة لضرب مشاريع إعادة بناء المؤسسة العسكرية حتى في مناطق بعيدة عن الحدود معها.

وقال دبلوماسي سوري رفيع إن الرسائل التي وصلت إلى دمشق خلال الفترة الماضية، بصورة مباشرة وغير مباشرة، تظهر أن إسرائيل تضع ثلاثة ملفات تحت المراقبة، وهي إعادة تشغيل المطارات العسكرية، وبناء منظومات الرادار والدفاع الجوي، وأي وجود عسكري تركي طويل الأمد داخل قواعد سورية.

ووفق المصدر، فإن الخلاف لم يعد يدور فقط حول الجنوب والمنطقة الأمنية التي تطالب بها إسرائيل، بل بدأ يمتد إلى سؤال أكبر، وهو "ما حجم الجيش الذي يُسمح لسوريا الجديدة ببنائه، وما نوع القدرات التي تعتبرها إسرائيل مقبولة؟".

الخلاف مع تركيا ينتقل إلى الميدان السوري

مصدر دبلوماسي سوري مطلع، قال إن أنقرة لا تريد مواجهة عسكرية مع إسرائيل في سوريا، وإن تعليماتها للقوات التركية لا تزال تقوم على تجنب الاحتكاك المباشر، لكنها في المقابل لا تقبل بأن تتحول الضربات الإسرائيلية إلى "فيتو دائم" على تعاونها العسكري مع دمشق.

المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل، وفق تقييم المصدر، ليست في أبو الظهور وحده، فالتقارب السوري–التركي انتقل تدريجياً من الدعم السياسي والاقتصادي إلى ملف إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، وهو ما يضع المشروع التركي في سوريا في تعارض مباشر مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية التي تريد إبقاء القدرات العسكرية السورية محدودة.

ولهذا، اكتسبت الضربة دلالة أكبر من القيمة العسكرية للمطار نفسه، فالموقع الذي كان يضم قبل الحرب أسراباً من طائرات "ميغ-21″ و"ميغ-23" تعرض لدمار كبير خلال سنوات الحرب، وقدرته الحالية لا تبرر، وفق المصادر السورية، التعامل معه كتهديد جوي مباشر.

المفاوضات الأمنية تدخل مرحلة أكثر صعوبة

وتأتي الغارات أيضاً في وقت دخلت فيه المفاوضات الأمنية السورية–الإسرائيلية مرحلة من الجمود، مع استمرار الخلاف على عمق المنطقة الأمنية التي تريد إسرائيل فرضها في الجنوب وعلى شكل الوجود العسكري السوري فيها.

مصدر دبلوماسي سوري قال لـ"عربي بوست" إن دمشق ترى ارتباطاً بين تعثر هذا المسار وارتفاع مستوى الضغط العسكري الإسرائيلي، موضحاً أن تل أبيب تستخدم العمليات الميدانية لتحسين شروطها قبل أي جولة تفاوض جديدة.

وبحسب المصدر، فإن الجانب السوري يرفض أن تتحول الترتيبات المتعلقة بالجنوب إلى قيود على السيادة السورية أو على إعادة بناء الجيش في بقية أنحاء البلاد، بينما تحاول إسرائيل توسيع مفهوم "الضمانات الأمنية" بحيث يشمل طبيعة القدرات العسكرية التي يمكن لدمشق امتلاكها وعلاقاتها الدفاعية مع دول أخرى، وفي مقدمتها تركيا.

وهنا تحديداً تكتسب ضربة أبو الظهور أهميتها: فهي لا تستهدف فقط منشأة عسكرية، بل تختبر ما إذا كان بإمكان إسرائيل فرض قيود فعلية على التعاون العسكري السوري–التركي خارج الجنوب.

دمشق لن ترد عسكرياً

ورغم القراءة السورية المتشددة للغارات، تستبعد المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست" أن تتجه دمشق إلى رد عسكري مباشر. وقال مصدر دبلوماسي إن الأولوية السورية حالياً هي منع إسرائيل من تحويل تفوقها الجوي إلى قواعد سياسية وأمنية معترف بها، وليس الدخول في مواجهة لا يملك الجيش السوري حالياً أدواتها.

وتراهن دمشق، وفق المصدر، على رفع كلفة هذه السياسة من خلال علاقتها بتركيا والدول العربية والولايات المتحدة، وعلى إقناع واشنطن بأن استمرار استهداف الجيش السوري سيضعف قدرة الدولة على توحيد المؤسسات وضبط البلاد.

ووفق المصدر، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تكراراً لهذا النوع من الضربات كلما رصدت إسرائيل إعادة تشغيل منشأة عسكرية أو إدخال معدات جديدة، خصوصاً في المطارات والدفاع الجوي والرادارات.

وتزامن ذلك مع تصاعد واضح في الخطاب الإسرائيلي تجاه دمشق، وصل إلى وصف مسؤولين إسرائيليين القيادة السورية باعتبارها تهديداً مستقبلياً، بالتوازي مع استمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب السوري ومحاولات فرض وقائع ميدانية جديدة هناك.

وبالنسبة إلى دمشق، لذلك، لا تبدو غارات أبو الظهور حادثاً منفصلاً، فالتقدير داخل الدوائر السورية هو أن إسرائيل تحاول الانتقال من سياسة تدمير القدرات العسكرية الموروثة عن النظام السابق إلى سياسة أكثر استباقية: منع تشكل قدرات سورية جديدة قبل اكتمالها، وخصوصاً عندما تكون تركيا شريكاً في بنائها، بحسب المصادر ذاتها.

وأوضحت أن هذا ما يجعل مطاراً متضرراً في ريف إدلب، ولا يشكل بقدراته الحالية خطراً مباشراً على إسرائيل، نقطة اختبار لمواجهة أكبر آخذة في التشكل، بأن إسرائيل تريد الاحتفاظ بحرية ضرب أي قدرة عسكرية سورية تعتبرها خطراً مستقبلياً، بينما تريد دمشق وأنقرة إعادة بناء دولة وجيش مركزيين من دون منح تل أبيب حق تحديد سقف هذه العملية. 

وختمت بالقول إن غارات أبو الظهور قد تكون بداية انتقال الخلاف الإسرائيلي–التركي في سوريا من تنافس سياسي وأمني غير مباشر إلى احتكاك ميداني أكثر حساسية.

تحميل المزيد