لم تحمل الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في روما اختراقاً سياسياً يضع حداً للمواجهة المفتوحة على الحدود الجنوبية، لكنها كشفت عن انتقال المفاوضات غير المباشرة إلى مرحلة مختلفة، عنوانها الانتقال من مناقشة المبادئ العامة إلى رسم آليات تنفيذية تفصيلية لما بعد الحرب، في إطار تقوده الولايات المتحدة ويهدف إلى إنتاج ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
وكشفت مصادر حكومية لبنانية مطلعة لـ"عربي بوست" أن واشنطن تعمل على تحويل التفاهمات المطروحة إلى منظومة أمنية متكاملة، تربط بين انتشار الجيش اللبناني وإعادة الإعمار والحدود ومستقبل قوات "اليونيفيل"، ضمن تصور يتجاوز وقف إطلاق النار إلى إعادة صياغة الواقع الأمني في جنوب لبنان.
ولم يعد الخلاف في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل يدور حول مبدأ حصر السلاح بيد الدولة أو انتشار الجيش اللبناني، بل حول ترتيب تنفيذ الخطوات، والجهة التي تتحقق من تنفيذ كل مرحلة، وما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي يسبق الإجراءات الأمنية اللبنانية أم يصبح نتيجة لها.
فيما تتمسك إسرائيل بإخضاع أي انسحاب جديد لاختبارات ميدانية تثبت قدرة الجيش اللبناني على منع عودة البنية العسكرية لحزب الله، تسعى واشنطن إلى منع انهيار المفاوضات عبر تقسيمها إلى مراحل قابلة للقياس والتنفيذ، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة ما بعد "اليونيفيل" وترتيبات أمنية جديدة تحكم الجنوب اللبناني.
كيف غيّرت روما طبيعة المفاوضات؟
تؤكد مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست" أن الجولة السابعة في روما مثلت نقطة تحول في طبيعة المفاوضات، بعدما انتقل النقاش من المبادئ السياسية العامة إلى تفاصيل تنفيذية تتعلق بكيفية تطبيق أي اتفاق مستقبلي على الأرض، وهو ما جعل البحث يتركز للمرة الأولى على آليات التنفيذ أكثر من النصوص السياسية.
وتوضح المصادر أن الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل لم تفض إلى اختراق حاسم، لكنها وضعت ما تصفه بـ"القاموس التنفيذي" الذي تريد الولايات المتحدة البناء عليه خلال الجولات المقبلة، بحيث تصبح كل مرحلة من مراحل الاتفاق قابلة للقياس والتحقق، بدلاً من الاكتفاء بتفاهمات سياسية عامة يصعب تنفيذها ميدانياً.
في هذا الإطار، تكشف معلومات اطلع عليها "عربي بوست" أن الملحق الأمني الذي جرى بحثه في روما يقوم على 3 مراحل مترابطة تبدأ بـ"المسح"، أي إزالة المواقع العسكرية والأسلحة والأنفاق ومراكز القيادة.
بينما تقوم المرحلة الثانية على "التحقق" من تنفيذ هذه الإجراءات عبر آلية متفق عليها وبمشاركة طرف ثالث، وصولاً إلى "التثبيت"، أي انتقال المنطقة إلى سيطرة تشغيلية كاملة للجيش اللبناني ومنع أي وجود عسكري خارج مؤسسات الدولة.
بعد استكمال هذه المراحل، يُفترض أن تبدأ عملية إعادة الإعمار بإشراف الدولة اللبنانية وبدعم دولي تقوده الولايات المتحدة، على أن يتزامن ذلك مع انسحاب إسرائيلي تدريجي مرتبط بمستوى تنفيذ الالتزامات الأمنية على الجانب اللبناني، وليس وفق جدول زمني منفصل.
وتتضمن الصيغة المطروحة أيضاً إنشاء خلية تنسيق ثلاثية تتولى متابعة التنفيذ، وإزالة أي تعارض بين الأطراف، والتحقق من إنجاز كل مرحلة، وإصدار ما يشبه "شهادات الإنجاز" التي تسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية، وهو ما يمثل تحولاً لافتاً في طبيعة المفاوضات مقارنة بالجولات السابقة.
وقال مصدر دبلوماسي غربي مطلع على المباحثات لـ"عربي بوست" إن أهمية هذه المقاربة تكمن في أنها تنقل التفاوض من "النقاش السياسي المفتوح" إلى بناء نظام تنفيذي قابل للقياس، يقوم على تحديد منطقة جغرافية، وإجراءات مطلوبة من الجيش اللبناني، وآلية تحقق، ثم خطوة إسرائيلية مقابلة.
إلا أن المصدر يشير إلى أن العقدة الأساسية ما زالت قائمة، إذ يختلف الطرفان حول ترتيب التنفيذ؛ فلبنان يرى أن الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يسبق انتشار الجيش، بينما تصر إسرائيل على أن تثبت الدولة اللبنانية قدرتها على تنفيذ الإجراءات الأمنية أولاً قبل تقديم أي تنازل ميداني.
إسرائيل تغيّر قواعد اللعبة
أكدت مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست" أن العقدة الرئيسية في جولة روما تمثلت في الخلاف حول ترتيب تنفيذ الخطوات، بعدما دخل الوفد اللبناني المفاوضات وهو يدفع باتجاه توسيع المناطق التجريبية، بما يسمح بانسحاب إسرائيلي من منطقة جديدة يعقبه انتشار الجيش اللبناني وبدء تنفيذ الترتيبات الأمنية، إلا أن إسرائيل رفضت هذا الطرح.
وتوضح المصادر أن تل أبيب تتمسك بمقاربة مختلفة تقوم على اختبار النموذج الحالي أولاً، قبل الانتقال إلى أي مناطق إضافية، معتبرة أن نجاح المرحلة الأولى شرط أساسي لتوسيع الاتفاق، وليس نتيجة له.
وتشير مصادر دبلوماسية غربية تتابع المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى أن الأخيرة تنظر إلى المناطق التجريبية باعتبارها ميداناً لاختبار قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ 3 مهام أساسية: الوصول إلى المواقع التي تعتبرها إسرائيل بنية عسكرية، وإزالة الأسلحة والمنشآت الموجودة فيها، ثم ضمان عدم إعادة بنائها بعد انتهاء عمليات المسح.
وترى إسرائيل، بحسب المصادر، أن نجاح الجيش في هذه الاختبارات سيحدد مستقبل أي انسحاب إضافي، بينما تعتبر أن أي خطوة إسرائيلية تسبق التحقق من هذه الإجراءات قد تعيد إنتاج الواقع الأمني الذي سبق الحرب.
في المقابل، تتمسك بيروت بأن انتشار الجيش لا يمكن أن يتم بصورة فعالة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض المناطق، وأن الانسحاب يمثل المدخل الطبيعي لفرض سلطة الدولة وتنفيذ الالتزامات الأمنية، وليس العكس.
وتكشف المعلومات أن الوفد اللبناني طرح أكثر من منطقة يمكن اعتمادها كنموذج جديد للانتشار، إلا أن إسرائيل أصرت على استكمال تقييم المناطق التي بدأ العمل فيها سابقاً، مع مراجعة الخرائط، ووضع تسلسل جغرافي للمراحل المقبلة، من دون تقديم التزام واضح بشأن توقيت أي انسحاب جديد.
وتخلص المصادر إلى أن الخلاف لم يعد يتعلق بأهداف الاتفاق، بل بمن يتحرك أولاً؛ فإسرائيل تريد اختبار الجيش اللبناني قبل الانسحاب، بينما ترى بيروت أن نجاح الجيش يبدأ بانسحاب القوات الإسرائيلية وعودة السيطرة الفعلية للدولة على المناطق الحدودية.
واشنطن تمنع انهيار المسار السياسي
كشفت مصادر دبلوماسية غربية لـ"عربي بوست" أن الدور الأميركي خلال جولة روما لم يتركز على فرض اتفاق نهائي، بقدر ما انصب على منع انهيار المفاوضات والإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة، في ظل إدراك واشنطن أن التوصل إلى تسوية شاملة دفعة واحدة لا يزال بعيد المنال.
وتوضح المصادر أن الإدارة الأميركية تبنت مقاربة تقوم على تقسيم الملفات إلى مراحل صغيرة قابلة للتنفيذ والقياس، بدلاً من محاولة معالجة جميع القضايا الأمنية والسياسية في اتفاق واحد، وهو ما يفسر التركيز على وضع آليات تنفيذ واضحة أكثر من التركيز على الصياغات السياسية.
في هذا الإطار، انقسمت المفاوضات عملياً إلى 3 مسارات متوازية؛ مسار عسكري يناقش المصطلحات التنفيذية وآليات المسح والتحقق والتثبيت، ومسار سياسي يبحث ترتيب خطوات وقف إطلاق النار، والمناطق التجريبية، وتسلسل الانسحاب والانتشار، ومسار قانوني يركز على ملفات الحدود والمرجعيات القانونية التي يمكن أن تستند إليها أي تفاهمات لاحقة.
وتشير المصادر إلى أن واشنطن ترى أن نجاح أي اتفاق مستقبلي لن يعتمد على النصوص السياسية، وإنما على وجود منظومة تحقق قادرة على معالجة الخلافات الميدانية ومنع تحول أي حادث أمني إلى سبب لانهيار التفاهمات.
لهذا السبب، يتركز جزء كبير من النقاش حالياً على تحديد الجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ الالتزامات، وكيفية التعامل مع الاعتراضات التي قد يثيرها أي طرف، ومن يملك صلاحية إعلان انتهاء مرحلة والانتقال إلى المرحلة التالية.
وتؤكد المصادر أن الإدارة الأميركية تحاول بناء آلية تمنع عودة الطرفين إلى الحرب، أكثر من سعيها إلى إنتاج اتفاق سياسي جديد، وهو ما يفسر اهتمامها بتفاصيل التنفيذ والرقابة أكثر من اهتمامها بالشعارات أو المبادئ العامة التي حكمت الجولات السابقة من المفاوضات.
مستقبل حزب الله في صلب الترتيبات
كشفت مصادر عسكرية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست" أن أكثر البنود حساسية في المفاوضات الحالية لا يتعلق بانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، بل بات يمتد إلى مستقبل البنية العسكرية والأمنية لحزب الله على مستوى الأراضي اللبنانية، وهو ما يمثل تحولاً واضحاً في طبيعة المطالب المطروحة.
وتوضح المصادر أن الملحق الأمني الذي يجري التفاوض بشأنه يتضمن إجراءات لا تقتصر على المنطقة الحدودية، بل تشمل التزام الدولة اللبنانية باتخاذ خطوات قانونية وأمنية لمنع أي نشاط عسكري للجماعات المسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة، مع التركيز بصورة خاصة على البنية العسكرية واللوجستية والمالية المرتبطة بحزب الله.
وتتناول هذه البنود إجراءات تستهدف مصادر التمويل، وشبكات الدعم، والمنشآت العسكرية، إلى جانب الحد من قدرة الحزب على إعادة بناء بنيته العسكرية مستقبلاً، وهو ما تعتبره إسرائيل أحد الأهداف الرئيسية للمرحلة التي تلي الحرب.
وتصف المصادر اللبنانية هذه النقطة بأنها الأكثر تعقيداً في المفاوضات، لأنها تنقل النقاش من ترتيبات أمنية مرتبطة بجنوب لبنان إلى ملف داخلي يمس التوازنات السياسية والأمنية في البلاد، ويحتاج إلى قرارات تتجاوز صلاحيات المؤسسة العسكرية وحدها.
وتحاول بيروت الفصل بين ما يمكن للجيش اللبناني تنفيذه ميدانياً في المناطق الحدودية، وبين المطالب المرتبطة بإعادة تنظيم الواقع الأمني والسياسي داخل لبنان، معتبرة أن هذه الملفات تخضع لتوافقات وطنية وتشريعية، ولا يمكن إدراجها ضمن إجراءات أمنية تنفيذية قصيرة الأمد.
في المقابل، ترى إسرائيل أن أي ترتيبات أمنية لن تحقق أهدافها إذا اقتصرت على جنوب الليطاني، وتعتبر أن منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله يتطلب إجراءات أوسع تشمل كامل الأراضي اللبنانية، وهو ما يبقي هذه النقطة من أكثر ملفات التفاوض تعقيداً حتى الآن.
ترتيبات اليوم التالي لـ"اليونيفيل"
بالتوازي مع التفاوض على الترتيبات الأمنية، بدأت واشنطن، وفق مصادر عسكرية لبنانية، البحث في الإطار الدولي الذي سيحكم المرحلة التالية، مع تزايد الحديث عن الحاجة إلى مرجعية جديدة تتجاوز الصيغة الحالية لعمل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان "اليونيفيل".
وتوضح المصادر أن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في استصدار قرار جديد من مجلس الأمن يمنح أي تفاهم مستقبلي غطاءً قانونياً وسياسياً، ويحدد مرجعية واضحة للترتيبات الأمنية، بدلاً من الاكتفاء بتفاهمات ثنائية قد تبقى عرضة للاهتزاز مع أي تصعيد ميداني.
لا يقتصر النقاش على شكل القوة الدولية أو استمرار "اليونيفيل"، بل يمتد إلى طبيعة صلاحياتها، وما إذا كانت ستواصل أداء دورها التقليدي القائم على المراقبة ورفع التقارير، أم ستشارك بصورة مباشرة في التحقق من إزالة المواقع والأسلحة، وإصدار تقارير أو شهادات تسمح بالانتقال من مرحلة تنفيذية إلى أخرى.
في موازاة ذلك، بدأ ملف الحدود البرية يفرض نفسه على طاولة المفاوضات، بعدما أدى الدمار الواسع في عدد من القرى الحدودية إلى الحاجة إلى إعادة تثبيت بعض العلامات الحدودية والاستعانة بخبراء مساحة، مع استمرار البحث السياسي والقانوني بشأن النقاط المختلف عليها بين الجانبين.
وتؤكد المصادر أن الحكومة اللبنانية تتمسك بالفصل بين الإجراءات الأمنية المؤقتة وبين ترسيم الحدود الدولية، خشية أن تتحول التدابير الميدانية التي تفرضها الحرب إلى وقائع دائمة تؤثر في الوضع القانوني للحدود مستقبلاً.
كما يواصل الأميركيون، وفق المعلومات، إجراء اتصالات منفصلة مع لبنان وإسرائيل بشأن ملفي الحدود والأسرى، في محاولة لتحقيق تقدم تدريجي في القضايا الأقل تعقيداً، إذ يجري العمل على مسارين متوازيين في ملف الأسرى.
المسار الأول قانوني يتعلق بتحديد الوضع القانوني للمحتجزين، والثاني إنساني يركز على تبادل اللوائح والمعلومات، مع بحث إشراك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومحاولة الفصل بين المدنيين اللبنانيين المحتجزين لدى إسرائيل وعناصر حزب الله.
وتخلص المصادر إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه المسار السياسي يتمثل في استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بالتزامن مع المفاوضات، إذ تطالب بيروت بوقف شامل للأعمال العدائية لتهيئة الظروف أمام انتشار الجيش.
بينما ترى إسرائيل أن استمرار الضغط العسكري يمنحها موقعاً تفاوضياً أقوى ويدفع الدولة اللبنانية إلى تسريع تنفيذ الترتيبات الأمنية، وهو ما يجعل الجولة المقبلة مطلع سبتمبر/ أيلول مرشحة لأن تكون الاختبار الحقيقي لإمكانية الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ.