مصادر: الاحتلال الإسرائيلي يغيّر قواعد التفاوض مع لبنان، وجولة روما الجديدة أمام اختبار حاسم

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/29 الساعة 13:20 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/29 الساعة 13:20 بتوقيت غرينتش
لبنان يتجه لجولة مفاوضات جديدة مع إسرائيل/ عربي بوست

كشفت مصادر خاصة لـ"عربي بوست" أن الجولة المرتقبة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما يومي 4 و5 أغسطس/ آب 2026، لن تقتصر على استكمال تنفيذ "اتفاق الإطار"، بل ستحدد مستقبل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، بعدما تصاعد الخلاف بين بيروت وتل أبيب حول آلية تنفيذ الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وآليات المراقبة والتحقق.

وتسعى إسرائيل، قبيل انعقاد اجتماعات روما، إلى تعديل قواعد الاتفاق بصورة تمنحها حرية الإبقاء على وجودها العسكري في المناطق التي سيطرت عليها، وربط أي انسحاب لاحق باعتبارات أمنية تحددها منفردة، فيما يتمسك الجانب اللبناني بتنفيذ متزامن للالتزامات، باعتبار أن استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية يقوضان فرص نجاح الاتفاق.

وبحسب المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست"، فإن المفاوضات دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما توسعت الخلافات لتشمل مستقبل قوات "اليونيفيل"، والجهة التي ستتولى مراقبة تنفيذ الاتفاق، إلى جانب حراك عربي وأوروبي يهدف إلى منع انهيار المسار الذي رعته الولايات المتحدة منذ نهاية يونيو/ حزيران الماضي.

الاحتلال ورقة تفاوض دائمة

قالت مصادر دبلوماسية أوروبية مطلعة على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، إن تل أبيب غيّرت خلال الأسابيع الماضية مقاربتها لـ"اتفاق الإطار"، وانتقلت من التعامل معه بوصفه مساراً يقود إلى انسحاب تدريجي من جنوب لبنان، إلى محاولة تثبيت وجودها العسكري كجزء دائم من أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

وأوضحت المصادر أن الرسائل التي نقلتها تل أبيب إلى واشنطن قبل لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ركزت على الفصل بين مسار التفاوض ومسألة الانسحاب، بحيث يبقى الوجود العسكري الإسرائيلي خاضعاً للتقييم الأمني الإسرائيلي، وليس للجدول التنفيذي الذي نص عليه الاتفاق.

هذه المقاربة تفسر استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الجنوب، سواء عبر التوغلات المحدودة، أو عمليات النسف والتفجير، أو فرض ما تسميه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية "السيطرة بالنيران"، من خلال الطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع، من دون الحاجة إلى انتشار دائم داخل المناطق المستهدفة.

وأضافت المصادر أن هذه السياسة تمنح إسرائيل هامشاً لتوسيع المنطقة الأمنية تدريجياً وتحويل السيطرة العسكرية إلى أمر واقع، ما يسمح باستخدامها لاحقاً كورقة تفاوض في ملفات الحدود والسلاح والترتيبات الأمنية، بدلاً من اعتبارها مرحلة انتقالية تسبق الانسحاب الكامل.

وتنسجم هذه المقاربة مع تصريحات نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، اللذين أكدا التمسك بالبقاء في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وقطاع غزة، وهو ما تنظر إليه عواصم أوروبية باعتباره تحولاً من إدارة الحرب إلى إدارة مناطق النفوذ وفرض وقائع ميدانية طويلة الأمد.

وتشير المصادر إلى أن هذا التحول سيكون محوراً رئيسياً في اجتماعات روما، إذ ترى بيروت أن نجاح "اتفاق الإطار" يفترض تنفيذ الالتزامات بصورة متوازية، بينما تسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ بحق تحديد توقيت الانسحاب وحجمه وطبيعته، ما يغيّر جوهر التفاهم الذي رعته الولايات المتحدة عند إطلاقه.

لبنان يتمسك بالتنفيذ المتزامن للاتفاق

في المقابل، أكدت مصادر عسكرية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست" أن المؤسسة العسكرية تدخل جولة روما بموقف أكثر تشدداً من الجولات السابقة، بعدما باتت تعتبر أن التعثر في تنفيذ "اتفاق الإطار" لم يعد مرتبطاً بأداء الجيش أو بتنفيذ الدولة اللبنانية لالتزاماتها، وإنما بعدم وجود التزام إسرائيلي موازٍ، سواء فيما يتعلق بالانسحاب أو وقف الاعتداءات.

وأوضحت المصادر أن الجيش اللبناني أنجز الجزء الأكبر من المهام المنوطة به في المرحلة الأولى، وشملت الانتشار داخل المناطق المحددة، والكشف على المواقع والمنشآت التي كان يُشتبه في استخدامها لأغراض عسكرية، وإزالة ما أمكن من البنى غير الشرعية، وتثبيت وجوده في عدد من القرى التي كان يُفترض أن تشكل النموذج الأول لتطبيق الاتفاق.

وكانت المؤسسة العسكرية مستعدة للانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً، غير أن استمرار العمليات الإسرائيلية حال دون ذلك، بعدما تعرضت وحدات الجيش لإطلاق نار أكثر من مرة أثناء محاولتها التقدم نحو مواقع جديدة، ولا سيما في محيط زوطر الغربية وكفرتبنيت والنبطية الفوقا، وهو ما أدى إلى إبطاء تنفيذ الخطة الميدانية.

وترى قيادة الجيش أن هذه الاعتداءات لا تعرقل عملية الانتشار فحسب، بل تقوض أيضاً الثقة بآلية التنفيذ التي يُفترض أن تقوم على التزامات متبادلة بين الجانبين، لا على تحميل الدولة اللبنانية وحدها مسؤولية تنفيذ الاتفاق في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وأكدت مصادر "عربي بوست" أن الوفد اللبناني سيطرح في روما ضرورة العودة إلى جوهر الاتفاق، القائم على تنفيذ متزامن للالتزامات، بحيث يقابل كل إجراء لبناني خطوة إسرائيلية مماثلة، بدلاً من تكريس واقع تتحول فيه الدولة اللبنانية إلى الطرف الوحيد الملزم بتنفيذ التعهدات الأمنية.

التجربة التي كشفت ثغرات الاتفاق

وصفت المصادر العسكرية ما جرى في بلدة زوطر الغربية بأنه أول اختبار عملي لـ"اتفاق الإطار"، لكنه كشف، في الوقت نفسه، الخلل البنيوي في آلية التنفيذ.

فالجيش اللبناني دخل البلدة وانتشر فيها وفق الخطة الموضوعة، بينما واصلت القوات الإسرائيلية السيطرة على محيطها، مع استمرار عمليات الاستهداف وإطلاق النار بالقرب من تحركات الوحدات العسكرية اللبنانية.

وبذلك تحولت المنطقة التجريبية، بحسب المصادر، إلى نموذج يختبر قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ التزاماته، من دون أن يقابله تنفيذ فعلي للالتزامات الإسرائيلية، الأمر الذي دفع المؤسسة العسكرية إلى المطالبة بتعديل آلية التنفيذ قبل الانتقال إلى أي مناطق جديدة.

وتؤكد المصادر أن نجاح أي منطقة تجريبية مستقبلاً يجب أن يبدأ بانسحاب إسرائيلي كامل من المنطقة المحددة، يعقبه مباشرة انتشار الجيش اللبناني، ثم تبدأ عملية التحقق من خلوها من السلاح والمنشآت العسكرية، قبل الانتقال إلى منطقة أخرى.

أما اعتماد آلية يسبق فيها الانتشار اللبناني الانسحاب الإسرائيلي، فإنه يحول الاتفاق إلى مسار أحادي الجانب ويفرغه من مضمونه.

هذا الطرح يحظى بدعم كامل من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، الذي شدد في اتصالاته الأخيرة مع المسؤولين الأمريكيين على أن نجاح المرحلة التجريبية يجب أن يُقاس بمدى التزام الطرفين بتنفيذ تعهداتهما، وليس بقدرة الجيش اللبناني وحده على بسط سلطة الدولة في الجنوب.

وفي السياق نفسه، كشفت مصادر دبلوماسية عربية مطلعة لـ"عربي بوست" أن أحد أبرز التطورات خلال الأسابيع الأخيرة تمثل في تبدل التقييم الأمريكي لأداء الجيش اللبناني.

ويأتي ذلك بعدما أظهرت المعطيات الميدانية أن المؤسسة العسكرية أنجزت معظم المهام المطلوبة في المناطق التي انتشرت فيها، وأن عدداً من الأنفاق والمنشآت التي وصلت إليها القوات الإسرائيلية لاحقاً كانت قد أُخليت بالفعل أو عالجها الجيش اللبناني مسبقاً.

هذه المعطيات عززت داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية قناعة متزايدة بأن تعثر الاتفاق لم يعد ناجماً عن الجانب اللبناني، بل عن الخلاف حول الانسحاب الإسرائيلي وآليات التحقق والمراقبة.

لذلك، يُتوقع أن يدخل الوفد اللبناني اجتماعات روما وهو أكثر تمسكاً بربط أي مرحلة جديدة بانسحاب إسرائيلي واضح وقابل للتحقق، مع التأكيد أن الجيش لا يرفض تنفيذ الاتفاق، بل يرفض أن يبقى الطرف الوحيد الذي يواصل تنفيذ التزاماته، بينما تظل الخطوات الإسرائيلية خاضعة للحسابات السياسية والعسكرية لتل أبيب.

عقدة جديدة تهدد مسار الاتفاق

إذا كان الخلاف حول الانسحاب يشكل العقبة الأولى أمام المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما، فإن ملف مراقبة تنفيذ الاتفاق والتحقق من التزام الطرفين ببنوده يبرز بوصفه العقدة الثانية الأكثر تعقيداً، بعدما فشلت الجولات السابقة في التوصل إلى صيغة تحظى بقبول جميع الأطراف، رغم أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من "المناطق التجريبية" يبقى مرهوناً بحسم هذه المسألة.

وكشفت مصادر عسكرية لبنانية وأخرى دبلوماسية أن الولايات المتحدة أبلغت بيروت وتل أبيب أنها لا تعتزم نشر قوات أمريكية على الأرض في جنوب لبنان لمواكبة تنفيذ الاتفاق، مفضلة الاكتفاء بفرق الارتباط العسكرية الموجودة في لبنان وإسرائيل، بإشراف القيادة المركزية الأمريكية، تجنباً لأي مخاطر أمنية قد تجر واشنطن إلى مواجهة مباشرة.

وحسب المصادر، تعمل واشنطن حالياً على البحث عن "جهة ثالثة" تتولى مهمة التحقق الميداني من تنفيذ الاتفاق، غير أن هذا المسار اصطدم سريعاً بالموقف الإسرائيلي الرافض لإسناد أي دور إلى قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل)، أو إشراك أي قوة أوروبية في منظومة المراقبة الجديدة.

وأبلغت إسرائيل الأمريكيين رفضها المقترحات التي تضمنت تكليف "اليونيفيل" بمهمة التحقق، كما اعترضت على مشاركة الوحدات الفرنسية والإيطالية والإسبانية في أي لجنة ميدانية، متمسكة بآلية تقوم على تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، بوساطة أمريكية حصرية.

في المقابل، تتحدث مصادر دبلوماسية أوروبية عن تنامي الاستياء داخل عدد من العواصم الأوروبية، التي ترى أن تل أبيب لا تسعى فقط إلى تقليص دور الأمم المتحدة، بل تعمل على إقصاء أوروبا بالكامل من ترتيبات الأمن في جنوب لبنان، واستبدالها بآلية أمريكية–إسرائيلية تمنحها هامشاً أوسع للتحكم في تنفيذ الاتفاق.

كما تبدي هذه العواصم قلقها من عدم توجيه الحكومة اللبنانية، حتى الآن، طلباً رسمياً إلى الأمم المتحدة لتمديد ولاية "اليونيفيل"، رغم اقتراب انتهاء ولايتها، معتبرة أن استمرار القوة الدولية يمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على الغطاء الدولي للترتيبات الأمنية ومنع انهيار آلية الرقابة الحالية.

وكشفت المصادر أن فرنسا وألمانيا وإيطاليا بدأت بالفعل مشاورات أولية لبحث بدائل محتملة في حال تعذر استمرار "اليونيفيل" بصيغتها الحالية، ما في ذلك إعداد تصور لقوة أوروبية متعددة الجنسيات يمكن أن تساهم في دعم الاستقرار جنوب لبنان إذا انهار "اتفاق الإطار".

إلا أن هذه الأفكار لا تزال في مراحلها الأولى، وترتبط بنتائج جولة روما وبموقف الحكومة اللبنانية، في ظل إدراك أوروبي بأن أي ترتيبات أمنية جديدة لن تكون قابلة للاستمرار من دون غطاء دولي وقبول لبناني.

تحرك عربي–تركي لتوفير مظلة سياسية للاتفاق

بالتوازي مع التحضيرات لجولة روما، كشفت مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست" عن تصاعد الاتصالات السعودية–القطرية خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتوفير غطاء سياسي للموقف اللبناني، ومنع انهيار المسار الذي رعته الولايات المتحدة، في ظل اتساع الخلافات بين بيروت وتل أبيب حول تنفيذ الاتفاق.

وأجرى وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي سلسلة اتصالات مع مستشار وزارة الخارجية السعودية لشؤون لبنان الأمير يزيد بن فرحان، ونائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري، تمحورت حول تقييم الموقف الأمريكي عقب لقاء الرئيس ترامب ونتنياهو، وبحث سبل ممارسة ضغوط دبلوماسية على واشنطن لدفع إسرائيل إلى تنفيذ الانسحاب بالتوازي مع الخطوات التي تنفذها الدولة اللبنانية.

وأكدت المصادر أن الرياض والدوحة تنظران إلى نجاح "اتفاق الإطار" باعتباره مرتبطاً ليس فقط بالشق الأمني، وإنما أيضاً بقدرة الدولة اللبنانية على إعادة تثبيت السكان في الجنوب ومنع عودة المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.

لهذا السبب، يناقش الجانبان إطلاق حزمة دعم مشتركة تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، وفتح الطرق الرئيسية، وتوفير مساكن مؤقتة للمتضررين، ما يسرع عودة الأهالي إلى القرى التي دمرتها الحرب.

في السياق ذاته، أشارت المصادر إلى أن تركيا أبلغت شركاءها العرب استعدادها للمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار والدعم اللوجستي فور دخول الاتفاق مرحلة التنفيذ الفعلي، وهو الملف الذي يُتوقع أن يكون حاضراً خلال الزيارة المرتقبة للرئيس جوزيف عون إلى أنقرة.

إذ من المنتظر أن يبحث الجانبان مساهمة تركية في إعادة تأهيل المرافق والخدمات في الجنوب، إلى جانب استمرار التنسيق السياسي بين أنقرة والدوحة والرياض بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في لبنان.

وترى المصادر أن هذا الحراك العربي–التركي لا يستهدف الحلول محل الدور الأمريكي، وإنما يهدف إلى بناء مظلة سياسية وإقليمية تحول دون انفراد إسرائيل بفرض قواعد جديدة على "اتفاق الإطار"، وتمنح الحكومة اللبنانية مساحة أوسع للمناورة خلال مفاوضات روما.

وتكشف المعطيات التي حصل عليها "عربي بوست" أن جولة روما لن تكون اختباراً لمدى قدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر فحسب، بل لمدى استعداد الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل من أجل الالتزام بالصيغة الأصلية لـ"اتفاق الإطار".

إذ إن نجاح المفاوضات سيعني تثبيت مبدأ التنفيذ المتزامن للالتزامات، بينما قد يؤدي فشلها إلى تكريس واقع ميداني جديد يمنح تل أبيب قدرة أكبر على ربط أي انسحاب مستقبلي بشروط أمنية وسياسية تفرضها بصورة أحادية.

تحميل المزيد