مصر تراهن على دول “الآسيان” لتعويض خسائر النقد الأجنبي وجذب الاستثمارات

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/29 الساعة 18:54 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/29 الساعة 18:54 بتوقيت غرينتش
انفتاح مصر على دول الآسيان لتجاوز الضغوط على الاقتصاد/ عربي بوست

في ظل الضغوط المتزايدة على الاقتصاد المصري وتراجع عدد من أهم مصادر النقد الأجنبي، تتجه القاهرة إلى توسيع دوائر شراكاتها الاقتصادية خارج الأطر التقليدية، بحثاً عن أسواق جديدة قادرة على استقطاب الاستثمارات وزيادة الصادرات وتخفيف آثار الاضطرابات الإقليمية على الاقتصاد المحلي. 

وتعكس المشاركة المصرية في اجتماعات رابطة دول جنوب شرقي آسيا (الآسيان) تحولاً يتجاوز الحضور الدبلوماسي، إذ تسعى القاهرة إلى تحويل علاقاتها مع التكتل الآسيوي إلى شراكة اقتصادية واستثمارية أوسع، تستفيد من النمو المتسارع الذي تشهده اقتصادات المنطقة وموقعها في سلاسل التجارة العالمية.

وكشفت مصادر حكومية واقتصادية لـ"عربي بوست" أن التحركات المصرية استهدفت الترويج للفرص الاستثمارية، وفتح قنوات جديدة للتعاون في مجالات التصنيع والتجارة والخدمات اللوجستية، إلى جانب توظيف هذا الانفتاح الاقتصادي لتعزيز الحضور المصري في ملفات سياسية وإقليمية تحظى بأولوية لدى القاهرة.

تعويض تراجع موارد النقد الأجنبي

لم تقتصر مشاركة مصر في اجتماعات رابطة دول جنوب شرقي آسيا (الآسيان) على الحضور السياسي، بل جاءت في إطار تحرك اقتصادي يستهدف استغلال التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، مع إعادة تشكيل الشراكات الدولية والاعتماد بصورة أكبر على التكتلات الاقتصادية الكبرى، بحسب ما أكده مصدر حكومي مصري لـ"عربي بوست".

وأوضح المصدر أن القاهرة تعمل على تنويع شركائها الاقتصاديين، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على الشركاء التقليديين في الغرب بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا، أو على التعاون الاستثماري مع الصين، معتبرة أن اقتصادات جنوب شرق آسيا توفر فرصاً واعدة لبناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد، يمكن أن تمتد أيضاً إلى ملفات سياسية وإقليمية، في مقدمتها القضية الفلسطينية وأزمة سد النهضة.

وأضاف أن المباحثات التي قادها وزير الخارجية بدر عبد العاطي ركزت على جذب رؤوس الأموال، وزيادة الصادرات المصرية، وتعميق التصنيع المشترك، إلى جانب بحث إمكانية التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة بين مصر ورابطة الآسيان، ما يسمح بفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية والاستفادة من النمو الاقتصادي الذي تشهده دول التكتل.

في هذا السياق، حرصت القاهرة على الترويج للفرص الاستثمارية التي توفرها، خاصة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع إبراز التجارب الاستثمارية التي نجحت في جذب شركات صينية وتركية وروسية، والبناء على النمو الذي شهدته التجارة الثنائية مع عدد من دول الرابطة، وفي مقدمتها إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة.

وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري ضغوطاً متزايدة على موارد النقد الأجنبي، بعد تراجع إيرادات قناة السويس بفعل التوترات الإقليمية، إلى جانب تباطؤ التعافي السياحي الذي كانت الحكومة تراهن عليه للوصول إلى نحو 30 مليون سائح سنوياً.

هذا الوضع دفع القاهرة إلى تكثيف جهودها لزيادة الصادرات غير البترولية التي بلغت نحو 55 مليار دولار العام الماضي، ضمن خطة تستهدف رفعها إلى 145 مليار دولار سنوياً.

ويرى المسؤول الحكومي أن أسواق دول جنوب شرق آسيا، التي تضم قرابة 690 مليون مستهلك، تمثل فرصة مهمة أمام المنتجات المصرية، خاصة في ظل انخفاض قيمة الجنيه، ما يمنح الصادرات المصرية قدرة تنافسية أكبر من حيث الأسعار، ويساعد القاهرة على تعزيز مواردها من العملات الأجنبية.

جذب الاستثمارات وزيادة الصادرات

تسعى القاهرة إلى تحويل علاقتها مع رابطة دول جنوب شرقي آسيا من إطار التعاون السياسي إلى شراكة اقتصادية أوسع، تراهن من خلالها على استقطاب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز التصنيع المشترك وزيادة الصادرات، مستفيدة من المكانة التي تحتلها دول الآسيان باعتبارها أحد أهم مراكز التصنيع والتجارة والخدمات اللوجستية في العالم.

وركزت مصر على إبراز المزايا التي توفرها للمستثمرين الآسيويين، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بالدول العربية والقارة الأفريقية والاتحاد الأوروبي، وهو ما يمنح المنتجات المصنعة في مصر قدرة أكبر على الوصول إلى أسواق يتجاوز حجمها 3 مليارات مستهلك.

وطرحت القاهرة على مسؤولي دول الآسيان فرصاً للتوسع في مشروعات التصنيع المشترك، ما يسمح بإقامة مصانع آسيوية داخل مصر تستفيد من البنية التحتية والحوافز الاستثمارية، مع إعادة تصدير الإنتاج إلى الأسواق الإقليمية، بدلاً من الاكتفاء بعلاقات تجارية تقوم على الاستيراد والتصدير التقليدي.

كما شملت المباحثات الاستفادة من الخبرات الآسيوية في الصناعات التكنولوجية والإلكترونيات وصناعة السيارات والتحول الرقمي وإدارة الموانئ، مقابل زيادة صادرات مصر من البتروكيماويات والأسمدة ومواد البناء والموالح والتمور، سواء عبر التبادل التجاري المباشر أو من خلال إقامة استثمارات إنتاجية داخل السوق المصرية.

في هذا الإطار، أجرى رجال أعمال مصريون لقاءات مع وفود اقتصادية آسيوية على هامش الاجتماعات، ركزت على فرص الاستثمار في قطاعات الصناعة والموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب إمكانية جذب شركات آسيوية للمشاركة في إدارة وتشغيل الموانئ المصرية، بالتوازي مع التوسع الذي تشهده الدولة في إنشاء موانئ جديدة وتطوير أخرى.

رهان القاهرة على شراكات إنتاجية

تكشف أرقام التجارة بين مصر ودول شرق وجنوب شرق آسيا حجم التحدي الذي تسعى القاهرة إلى معالجته، إذ بلغ إجمالي التبادل التجاري مع أبرز دول المنطقة نحو 28 مليار دولار خلال عام 2024، بينما استحوذت الواردات المصرية على 26.2 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز 1.7 مليار دولار، ما يعكس اتساع العجز التجاري لصالح هذه الدول.

وتعتمد الصادرات المصرية بصورة رئيسية على المنتجات الصناعية والكيماوية والحاصلات الزراعية، في حين تستورد القاهرة من دول الآسيان المواد الخام ومدخلات الإنتاج والسلع الوسيطة المستخدمة في الصناعات المحلية، وهو ما يدفع الحكومة إلى التركيز على رفع القيمة المضافة للصادرات المصرية وتقليل الاعتماد على الواردات الصناعية.

وأشار مسؤول اقتصادي مصري إلى أن القاهرة تنظر إلى الشراكة مع دول الآسيان باعتبارها فرصة للاندماج في واحدة من أكثر شبكات الإنتاج العالمية ترابطاً، ولفت إلى أن هذا التكتل نجح في بناء منظومة اقتصادية متكاملة عززت قدرته التنافسية على مستوى التجارة الدولية، وهو النموذج الذي تسعى مصر إلى الاستفادة منه خلال المرحلة المقبلة.

وتبدي دول جنوب شرق آسيا اهتماماً متزايداً بتعزيز استثماراتها في منطقة الشرق الأوسط، غير أن معظم هذه الاستثمارات لا تزال تتجه نحو المحافظ الاستثمارية أكثر من الاستثمارات المباشرة، نتيجة محدودية الخبرات المشتركة في تنفيذ المشروعات الإنتاجية بين الجانبين.

حسب مصدر "عربي بوست"، تعمل القاهرة على تغيير هذا الواقع عبر طرح فرص استثمارية جديدة أمام القطاع الخاص الآسيوي، خاصة في قطاعات السياحة والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية، إلى جانب تقديم مزيد من الحوافز لجذب الاستثمارات والسياحة القادمة من هذه الدول، خصوصاً مع تنامي حركة السفر بين مصر ودول مثل إندونيسيا وتايلاند.

وتراهن الحكومة المصرية أيضاً على الثقل الاقتصادي المتنامي لرابطة الآسيان، التي تضم 11 دولة، ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 3.8 تريليون دولار، فيما سجلت تجارتها السلعية نحو 3.5 تريليون دولار خلال عام 2024، واستقطبت استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة تقارب 230 مليار دولار، وسط توقعات بأن تصبح رابع أكبر قوة اقتصادية في العالم بحلول عام 2030، وهو ما يمنح أي شراكة معها بعداً استراتيجياً يتجاوز المكاسب التجارية المباشرة.

تحركات نحو تعاون مؤسسي دائم

لم تقتصر التحركات المصرية خلال اجتماعات رابطة دول جنوب شرقي آسيا على الترويج للفرص الاستثمارية، بل سعت أيضاً إلى إرساء إطار مؤسسي طويل الأمد للعلاقات مع التكتل، من خلال تطوير قنوات التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، تمهيداً لرفع مستوى الشراكة خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق، عرض وزير الخارجية فرصاً استثمارية وتجارية على كل من فيتنام وإندونيسيا وسنغافورة ولاوس، خلال لقاءات ثنائية عقدها مع وزراء خارجية هذه الدول على هامش الاجتماع الوزاري للرابطة في الفلبين، حيث ناقش الجانبان سبل تعزيز التعاون الاقتصادي وتدشين قنوات تواصل مباشرة بين مجتمعات الأعمال والمستثمرين.

وأكد عبد العاطي خلال الاجتماعات اهتمام القاهرة بالاستفادة من الثقل الاقتصادي والإنتاجي لدول الآسيان، معتبراً أن حصول مصر على صفة "شريك حوار قطاعي" مع الرابطة سيفتح المجال أمام تعاون فني وتجاري واستثماري أوسع، ويمنح الشركات المصرية فرصاً أكبر للاندماج في الأسواق الآسيوية.

وتأتي هذه التحركات في إطار توجه دبلوماسي أوسع تتبناه الحكومة المصرية لتعزيز حضورها داخل التجمعات الإقليمية الفاعلة، وتنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية، ما يوسع مجالات التعاون مع دول جنوب شرق آسيا، ويعزز التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

كما دعا وزير الخارجية، خلال مشاركته في المؤتمر رفيع المستوى للدول الموقعة على معاهدة الصداقة والتعاون مع رابطة الآسيان، إلى تعزيز العمل متعدد الأطراف، ودعم دور المنظمات الدولية والإقليمية، والاستمرار في إصلاح منظومة التمويل الدولي وزيادة الاستثمارات، باعتبارها أدوات ضرورية لمواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

رهان على المكاسب السياسية أيضاً

إلى جانب الأهداف الاقتصادية، تنظر القاهرة إلى توسيع علاقاتها مع دول جنوب شرق آسيا باعتباره فرصة لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي، مستفيدة من تنامي وزن هذه الدول داخل المؤسسات الدولية، ومن مواقف عدد منها تجاه قضايا إقليمية تمثل أولوية للسياسة الخارجية المصرية.

ويؤكد دبلوماسي مصري لـ"عربي بوست" أن المشاورات التي أجراها وزير الخارجية جاءت استكمالاً للدبلوماسية الرئاسية التي عززتها زيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الصين وسنغافورة وإندونيسيا والهند وفيتنام.

وهي الزيارات التي أسهمت في بناء أرضية سياسية أتاحت تطوير التعاون الاقتصادي وفتحت المجال أمام تنسيق أكبر بشأن ملفات إقليمية، أبرزها الحرب في غزة، خاصة مع دول مثل إندونيسيا التي تتبنى مواقف داعمة للقضية الفلسطينية.

وأضاف المصدر أن القاهرة تسعى أيضاً إلى توظيف عناصر قوتها الناعمة في تعزيز العلاقات مع دول المنطقة، وفي مقدمتها الأزهر الشريف الذي يستقبل آلاف الطلاب سنوياً من إندونيسيا وماليزيا وتايلاند، ما يسهم في ترسيخ العلاقات الثقافية وبناء جسور تواصل طويلة المدى بين الجانبين.

وتبحث مصر كذلك عن آليات تمويل جديدة لمشروعاتها التنموية، من خلال الاستفادة من مؤسسات التمويل الآسيوية وبعض الدول الأعضاء في الرابطة، ما في ذلك الحصول على قروض ومنح بشروط ميسرة، أو بآليات سداد تعتمد على العملات المحلية بدلاً من الدولار.

ويرى المسؤولون المصريون أن توثيق العلاقات مع رابطة الآسيان يمنح القاهرة فرصة لتنويع تحالفاتها الاقتصادية والسياسية في آن واحد، مستفيدة من صعود التكتل كإحدى أبرز القوى الاقتصادية العالمية، ومن قدرته على توفير شراكات تمتد من الاستثمار والتجارة إلى التنسيق السياسي داخل المحافل الدولية.

علامات:
تحميل المزيد