تفاصيل إحياء خط أنابيب كركوك-بانياس، وكيف تسعى أميركا إلى إعادة رسم خريطة الطاقة بين العراق وسوريا ولبنان

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/27 الساعة 13:21 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/27 الساعة 13:21 بتوقيت غرينتش
خط أنابيب كركوك-بانياس يربط بين العراق وسوريا ولبنان/ عربي بوست

لم يعد مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس يُنظر إليه بوصفه مجرد خطوة لإحياء أحد أقدم خطوط نقل النفط في المنطقة، بل بات يمثل، وفق معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصادر سورية وعراقية ودبلوماسية، جزءاً من رؤية إقليمية جديدة لإعادة رسم خريطة الطاقة في المشرق. 

وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تقود، بالتنسيق مع بغداد ودمشق، مشروعاً يتجاوز الاعتبارات النفطية التقليدية، ويستهدف إنشاء ممرات تصدير بديلة تقلل الاعتماد على الخليج العربي ومضيق هرمز، وتفتح منفذاً جديداً للطاقة العراقية عبر البحر المتوسط، مع ربطه بشبكات النقل والموانئ في سوريا ولبنان.

ويأتي هذا التحول في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة ترتيب لموازين الطاقة والتجارة، بعدما كشفت الأزمات الأخيرة هشاشة مسارات التصدير التقليدية، ما دفع الولايات المتحدة وشركاءها إلى البحث عن بدائل أكثر استقراراً، قادرة على تأمين تدفقات النفط وربط اقتصادات المشرق بممرات لوجستية جديدة.

وفي هذا السياق، حمل توقيع مذكرة التفاهم بين العراق وسوريا في واشنطن، إلى جانب الاتفاق مع ائتلاف دولي يضم Chevron وUCC Holding وTI Capital لإعداد الدراسات الفنية والهندسية والمالية للمشروع، دلالات تتجاوز إعادة تشغيل خط متوقف، لتؤشر إلى بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية وخريطة الطاقة في المنطقة.

إعادة إحياء خط أنابيب كركوك-بانياس

لم يكن توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس في واشنطن مجرد اتفاق نفطي بين العراق وسوريا، بل شكّل، وفق مصادر سورية رفيعة المستوى لـ"عربي بوست"، بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل خريطة الطاقة في المشرق، ضمن مشروع إقليمي يحظى بدعم أميركي مباشر.

ويستهدف المشروع إنشاء ممرات تصدير بديلة تقلل الاعتماد على الخليج العربي ومضيق هرمز، وتربط العراق وسوريا ولبنان بشبكة نقل وطاقة موحدة تمتد إلى البحر المتوسط.

وقالت المصادر إن المشروع تجاوز، منذ أشهر، فكرة إعادة تشغيل خط أنابيب تاريخي متوقف، ليتحول إلى جزء من تصور سياسي واقتصادي أوسع تقوده واشنطن بالتنسيق مع بغداد ودمشق، ويهدف إلى تحويل شرق المتوسط إلى منفذ رئيسي لصادرات الطاقة العراقية، مع فتح الباب أمام مشاريع نقل وسكك حديدية ومرافئ تمتد لاحقاً إلى لبنان.

ويأتي هذا التحول بعد توقيع الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، والرئيس التنفيذي لشركة نفط البصرة باسم عبد الكريم ناصر، مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل الخط، بالتزامن مع توقيع اتفاق ثانٍ مع ائتلاف شركات دولي لإعداد الدراسات الفنية والهندسية والمالية الخاصة بالمشروع، بحضور رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت.

وبحسب مسؤول سوري رفيع مطلع على الاتصالات أكد لـ"عربي بوست" أن القرار السياسي بإحياء خط كركوك-بانياس سبق الاتفاقات الفنية بعدة أشهر، وتبلور عقب أزمة مضيق هرمز، عندما خلصت الولايات المتحدة والعراق إلى أن استمرار اعتماد بغداد على موانئ البصرة وحدها يشكل خطراً استراتيجياً على أمن الطاقة العالمي.

وأضاف المصدر أن دمشق تعاملت مع المشروع باعتباره فرصة لإعادة دمج سوريا تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي، وليس مجرد مصدر لعائدات رسوم العبور؛ لذلك أبلغ الرئيس أحمد الشرع فريقه الاقتصادي أن إعادة تشغيل الخط يجب أن تكون جزءاً من رؤية أوسع تشمل تطوير المرافئ، وتأهيل البنية اللوجستية، وربط سوريا بمشاريع النقل والطاقة الإقليمية.

وأوضح المصدر أن الشرع تابع شخصياً المفاوضات خلال الأشهر الماضية، وكلف فريقاً من الرئاسة ووزارة الطاقة بإزالة العقبات الفنية والقانونية، بالتوازي مع الاتصالات التي أجرتها دمشق مع واشنطن وبغداد.

لماذا استعجلت واشنطن المشروع؟

تشير مصادر دبلوماسية غربية لـ"عربي بوست" إلى أن الحرب الأخيرة في الخليج غيّرت نظرة الإدارة الأميركية إلى مسارات تصدير النفط في المنطقة، بعدما أدى تراجع الملاحة عبر مضيق هرمز إلى اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة.

وبحسب هذه المصادر، فإن الإدارة الأميركية لم تعد تنظر إلى خط كركوك-بانياس باعتباره مشروعاً عراقياً-سورياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من منظومة أمن الطاقة الجديدة في الشرق الأوسط، القادرة على توفير منفذ مباشر إلى البحر المتوسط بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية.

وتؤكد المصادر أن الاتفاق مع الائتلاف الدولي لا يقتصر على إعادة تأهيل الخط القديم، بل يشمل وضع تصور لبنية تحتية جديدة قابلة للتوسع مستقبلاً، بما يسمح برفع الطاقة التشغيلية تدريجياً إلى مستويات غير مسبوقة.

ورغم أن خط الأنابيب لم يعد إلى الخدمة بعد، فإن الممر السوري بدأ يؤدي عملياً دوراً بديلاً خلال الأشهر الماضية.

فقد تحولت قوافل الفيول العراقي التي تعبر الأراضي السورية نحو بانياس من حل طارئ فرضته أزمة هرمز إلى مسار تجاري شبه دائم، مع ارتفاع الكميات المنقولة بصورة متسارعة، وتوسع عمليات التخزين والتحميل في الساحل السوري.

وتكشف البيانات التي اطلعت عليها "عربي بوست" أن ميناء بانياس استقبل خلال الأشهر الأخيرة مئات آلاف الأطنان من الفيول العراقي، قبل إعادة تصديرها إلى أسواق المتوسط، ثم إلى الولايات المتحدة، في أول مرة تصل فيها شحنات عراقية إلى السوق الأميركية عبر الأراضي السورية، وهو ما اعتبرته مصادر غربية مؤشراً على نجاح النموذج اللوجستي قبل استكمال مشروع الأنابيب.

بانياس من محطة عبور إلى مركز إقليمي للطاقة

قالت مصادر في وزارة الطاقة السورية لـ"عربي بوست" إن الحكومة السورية لا تنظر إلى بانياس باعتباره محطة عبور مؤقتة، بل تعمل على تطويره ليصبح مركزاً إقليمياً للخدمات النفطية واللوجستية.

ولهذا الغرض، بدأت الشركة السورية للبترول توسيع ساحات التخزين، وإضافة خطوط تفريغ جديدة، ورفع القدرة الاستيعابية للمصب النفطي، تمهيداً للانتقال من مرحلة الاعتماد على الصهاريج إلى مرحلة تشغيل خطوط الأنابيب بصورة كاملة.

وأضافت المصادر أن الحكومة السورية تعتبر المشروع مدخلاً لجذب استثمارات إضافية في قطاع النفط والغاز، وإعادة تأهيل منشآت الطاقة التي تضررت خلال سنوات الحرب.

وترى مصادر مطلعة أن هذه الخطوات تعكس تحولاً في النظرة السورية إلى المشروع، إذ لم يعد الهدف يقتصر على إعادة تشغيل خط تاريخي، بل تحويل الساحل السوري إلى عقدة لوجستية رئيسية في شبكة الطاقة الجديدة التي يجري العمل على بنائها في شرق المتوسط.

كيف دخل لبنان إلى المشروع؟

بحسب مصادر سورية وعراقية متطابقة، فإن النقاش لم يعد يقتصر على العراق وسوريا، إذ جرى خلال الأسابيع الأخيرة إدراج لبنان ضمن التصور الإقليمي الجديد، عبر إعادة تفعيل منشآت تخزين النفط في طرابلس وربطها مستقبلاً بمسار كركوك-بانياس.

وأكدت المصادر أن الرئيس أحمد الشرع طرح، خلال اتصالاته مع مسؤولين عراقيين وأتراك، ضرورة عدم حصر المشروع بين بغداد ودمشق، بل توسيعه ليشمل لبنان، باعتبار أن مرفأ طرابلس يمكن أن يشكل امتداداً طبيعياً لشبكة الطاقة الجديدة على المتوسط.

وأضافت أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لعب دوراً محورياً في تنسيق الاتصالات بين بغداد ودمشق وبيروت، بالتوازي مع المشاورات التي يقودها المبعوث الأميركي توماس باراك، بهدف دمج لبنان في مشاريع الطاقة والنقل الإقليمية، وربط ذلك بخطط إعادة تأهيل السكك الحديدية والمرافئ.

وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى بغداد بُعداً يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.

وقالت مصادر حكومية لبنانية إن لقاء سلام مع علي الزيدي تضمن نقاشاً مفصلاً حول إعادة تشغيل منشآت النفط في طرابلس، وإمكان انضمام لبنان إلى منظومة النقل الجديدة المرتبطة بخط كركوك-بانياس، بما يسمح مستقبلاً بوصول جزء من التدفقات النفطية والخدمات اللوجستية إلى الساحل اللبناني.

ولم تكن ترتيبات الزيارة منفصلة عن المشاورات الإقليمية الجارية، إذ شاركت دمشق وأنقرة بصورة مباشرة في تهيئة الأرضية السياسية لها، بينما عمل هاكان فيدان على تنسيق جانب من الاتصالات بين العواصم الثلاث، في إطار رؤية أوسع تدعمها الولايات المتحدة لتحويل لبنان إلى جزء من شبكة الطاقة والربط الاقتصادي الجديدة في المشرق.

مرحلة جديدة تتجاوز النفط

بحسب المصادر نفسها، فإن المشروع لا يقتصر على نقل النفط، بل يرتبط أيضاً بمخططات لإحياء خطوط السكك الحديدية، وتطوير حركة الشحن بين العراق وسوريا ولبنان، بما يعزز موقع مرفأي بانياس وطرابلس بوصفهما محطتين متكاملتين على البحر المتوسط.

وتشير التقديرات التي حصل عليها "عربي بوست" من مصادر سورية رفيعة إلى أن الأشهر المقبلة ستشهد انتقال المشروع من مرحلة الدراسات الفنية إلى مرحلة الترتيبات التنفيذية، بالتوازي مع توسع الاستثمارات الأميركية والدولية في البنية التحتية للطاقة.

وترى المصادر أن نجاح المشروع لن يُقاس فقط بعدد البراميل التي ستتدفق عبر خط كركوك-بانياس، بل بقدرته على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمشرق، عبر إنشاء ممر إقليمي يربط العراق وسوريا ولبنان بالأسواق العالمية، ويمنح المنطقة منفذاً استراتيجياً مستقلاً عن الأزمات المتكررة في الخليج العربي.

تحميل المزيد