لقاء عون وترامب: تفاصيل تفاهمات أمنية، ودور لتركيا وسوريا في لبنان، وخطة أميركية جديدة

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/25 الساعة 23:10 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/25 الساعة 23:10 بتوقيت غرينتش
لبناني يتعرض لضغوط داخلية وخارجية/ عربي بوست

كشفت مصادر رئاسية لبنانية وأخرى دبلوماسية غربية مواكبة لزيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن أن اللقاءات التي جمعته بالرئيس دونالد ترامب وكبار مسؤولي الإدارة الأميركية أفضت إلى تفاهمات أولية لإعادة تنظيم العلاقة الأمنية والعسكرية بين بيروت وواشنطن، تتجاوز ملف وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.

وقالت المصادر لـ"عربي بوست" إن المباحثات تناولت خطة مرحلية لدعم الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب آليات جديدة للتعامل مع الجنوب والحدود مع سوريا، في إطار مقاربة أميركية تربط الاستقرار الأمني بتوسيع سلطة مؤسسات الدولة اللبنانية.

وبحسب المصادر، ناقش الجانبان أيضاً دور كل من سوريا وتركيا في المرحلة المقبلة، حيث شجعت واشنطن بيروت على تعزيز التنسيق الأمني مع دمشق، والانفتاح على أنقرة للاستفادة من نفوذها في سوريا ودعمها المحتمل للجيش اللبناني ومشاريع البنية التحتية والطاقة.

وأبلغت الإدارة الأميركية الوفد اللبناني أن دعمها الاقتصادي في المرحلة المقبلة سيركز على جذب الاستثمارات بدلاً من المساعدات المباشرة، مع ربط ذلك باستكمال الإصلاحات، واستعادة الدولة سيطرتها الأمنية، والتقدم في تنفيذ التفاهمات الخاصة بالجيش والحدود والانسحاب الإسرائيلي.

واشنطن تراهن على الجيش اللبناني

احتل دعم الجيش اللبناني صدارة المباحثات بين الجانبين، إذ عرض الرئيس جوزيف عون احتياجات المؤسسة العسكرية في ظل اتساع مهامها جنوباً وعلى الحدود مع سوريا، مؤكداً أن الجيش يمثل الجهة الوحيدة القادرة على تنفيذ أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

وبحسب مصادر رئاسية، ناقش الطرفان تطوير التعاون العسكري القائم، والانتقال من برامج المساعدات والتدريب التقليدية إلى شراكة أكثر استدامة تشمل التدريب، والتجهيز، والدعم اللوجستي والاستخباراتي، دون أن يصل ذلك إلى مستوى اتفاق دفاعي أو وجود عسكري أميركي داخل لبنان.

وتقول مصادر دبلوماسية غربية إن واشنطن تفضل تعزيز مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش، بدلاً من إنشاء تشكيلات أمنية موازية، خشية أن يؤدي ذلك إلى تعميق الانقسامات الداخلية.

وشملت المباحثات برنامجاً متعدد المراحل يتضمن زيادة المساعدات العسكرية، وتزويد الجيش بتقنيات للمراقبة والاتصالات، وتوسيع برامج التدريب، بما في ذلك تنظيم دورات لعسكريين لبنانيين في الأردن وتركيا بإشراف أميركي، إلى جانب التحضير لمؤتمر دولي جديد لحشد الدعم للمؤسسة العسكرية.

وفي موازاة ذلك، حمل عون إلى واشنطن تصوراً محدثاً لخطة حصر السلاح بيد الدولة، يبدأ باستكمال إنهاء الوجود العسكري لحزب الله جنوب نهر الليطاني، ومنع نقل الأسلحة إلى المنطقة، بالتزامن مع تعزيز انتشار الجيش، قبل الانتقال تدريجياً إلى معالجة ملف السلاح في بقية المناطق اللبنانية.

لكن الرئيس اللبناني شدد، بحسب المصادر، على أن نجاح هذه الخطة يبقى مرتبطاً بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، معتبراً أن معالجة سلاح حزب الله تحتاج إلى توافق داخلي وضمانات عربية ودولية، ولا يمكن اختزالها في مقاربة أمنية منفصلة عن الواقع السياسي.

وفي المقابل، طلبت الإدارة الأميركية، وفق المصادر الدبلوماسية، تفاصيل أكثر دقة حول آليات التنفيذ والجدول الزمني ووسائل التحقق من منع إعادة بناء القدرات العسكرية أو نقل الأسلحة، معتبرةً أن نجاح أي خطة يتطلب معايير واضحة وقابلة للقياس.

الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني

أكد الوفد اللبناني خلال اجتماعات واشنطن أن انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة يمثل المدخل الأساسي لإنجاح أي خطة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة، معتبراً أن استمرار الاحتلال سيقوض أي تسوية داخلية.

لكن مصادر رئاسية أوضحت أن الجانب الأميركي تجنب إعطاء جدول زمني واضح للانسحاب، واستخدم في بعض الاجتماعات مصطلح "إعادة الانتشار"، وهو ما أثار تساؤلات لدى الوفد اللبناني بشأن طبيعة الالتزام الأميركي.

وتقول مصادر دبلوماسية غربية إن واشنطن لا تعارض الانسحاب من حيث المبدأ، لكنها تربطه بانتشار الجيش اللبناني، ووجود آلية تحقق تضمن عدم عودة حزب الله إلى المناطق التي ستخليها القوات الإسرائيلية.

وفي المقابل، شدد الرئيس جوزيف عون على ضرورة أن تكون الخطوات متبادلة، بحيث يتزامن انتشار الجيش مع الانسحاب الإسرائيلي، حتى لا تتحول الالتزامات الأمنية إلى مسؤولية لبنانية أحادية.

وبرز خلال المحادثات ملف "المناطق التجريبية" في الجنوب، باعتباره نموذجاً أولياً لاختبار قدرة الجيش على الإمساك بالأرض بعد أي انسحاب إسرائيلي، قبل تعميم التجربة على مناطق أخرى.

وتناول النقاش حدود هذه المناطق، وآليات انتشار الجيش داخلها، ووسائل التحقق من خلوها من السلاح والمنشآت العسكرية، إضافة إلى الجهة الدولية التي ستشرف على تنفيذ هذه الترتيبات.

وبحسب المصادر، اقترح لبنان مشاركة الأمم المتحدة أو دول مثل فرنسا وإيطاليا وباكستان في آليات المراقبة، غير أن النقاشات لم تحسم بعد شكل الإشراف الدولي أو صلاحياته، على أن يُستكمل البحث خلال جولة المفاوضات المقبلة في روما.

دور سوريا وتركيا في لبنان

لم تقتصر المحادثات على الداخل اللبناني، بل امتدت إلى دور كل من سوريا وتركيا في أي ترتيبات أمنية مقبلة، في ظل قناعة أميركية بأن استقرار لبنان بات مرتبطاً بصورة مباشرة بما يجري على حدوده الشرقية والشمالية.

وبحسب مصادر رئاسية، ناقش الرئيس دونالد ترامب مع جوزيف عون إمكانية الاستفادة من الدور السوري في ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح، إلا أن الرئيس اللبناني رفض بصورة قاطعة دخول قوات سورية إلى الأراضي اللبنانية أو إسناد أي مهام عسكرية مباشرة إلى دمشق.

وأوضح عون أن أي حضور عسكري سوري داخل لبنان سيعيد إنتاج حساسيات سياسية وطائفية قد يستفيد منها حزب الله، كما سيقوض مسار إعادة بناء العلاقات بين البلدين.

وعقب ذلك، انتقل النقاش إلى صيغة مختلفة تقوم على تعزيز التعاون الأمني والسياسي بين بيروت ودمشق، عبر تبادل المعلومات، وضبط المعابر غير الشرعية، ومكافحة شبكات التهريب، من دون أي تدخل عسكري مباشر.

وتقول المصادر إن ترامب شجع عون على زيارة دمشق وفتح حوار مباشر مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بهدف تحويل سوريا إلى شريك في ضبط الحدود ومنع انتقال السلاح، بدلاً من أن تبقى جزءاً من المشكلة الأمنية.

وفي السياق نفسه، احتلت تركيا مساحة بارزة في المحادثات، إذ شدد ترامب على أهمية التنسيق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالنظر إلى النفوذ الذي تتمتع به أنقرة داخل سوريا، وعلاقاتها الوثيقة بالإدارة السورية الجديدة.

وترى واشنطن، بحسب مصادر دبلوماسية غربية، أن تركيا يمكن أن تؤدي دوراً في دعم أمن الحدود، والمساهمة في تدريب الجيش اللبناني، وتشجيع الاستثمارات في قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية، إلى جانب تسهيل التفاهمات بين بيروت ودمشق.

وتشير المصادر إلى أن زيارة جوزيف عون المرتقبة إلى أنقرة في 30 يوليو/ تموز تأتي لاستكمال ما بدأ في واشنطن، ومناقشة ملفات دعم الجيش، والتنسيق مع سوريا، وتوسيع التعاون الاقتصادي، في إطار توجه لبناني لتنويع الشراكات الإقليمية والاستفادة من الدور التركي في ترتيبات المرحلة المقبلة.

ربط الاستثمار بالإصلاح واستعادة سلطة الدولة

لم يقتصر النقاش في واشنطن على الملفات الأمنية، بل تناول أيضاً مستقبل الاقتصاد اللبناني، في ظل رغبة بيروت في استقطاب استثمارات خارجية تساعد على إخراج البلاد من أزمتها المالية.

وبحسب مصادر رئاسية، عرض الرئيس جوزيف عون مشاريع في قطاعات الطاقة والغاز والكهرباء والنقل والبنية التحتية، داعياً الولايات المتحدة إلى دعم مرحلة إعادة تنشيط الاقتصاد اللبناني.

لكن المسؤولين الأميركيين أبلغوا الوفد اللبناني أن مقاربة واشنطن تغيرت، وأن الأولوية لم تعد لتقديم مساعدات مالية مباشرة، بل لتهيئة الظروف التي تسمح بدخول الاستثمارات الخاصة ومؤسسات التمويل الدولية.

وتقول مصادر دبلوماسية غربية إن الإدارة الأميركية رحبت ببعض الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها الحكومة اللبنانية، لكنها اعتبرت أنها لا تزال غير كافية لاستعادة ثقة المستثمرين.

وطلبت واشنطن استكمال الإصلاحات المصرفية والقضائية، وتعزيز استقلالية الهيئات الناظمة، وتحسين بيئة الأعمال، بالتوازي مع فرض الدولة سيطرتها الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية.

كما تناولت المحادثات إمكانية دخول شركات أميركية إلى مشاريع النفط والغاز والمرافئ والكهرباء والنقل، وربط هذه المشاريع بشبكات التجارة الإقليمية التي تمتد عبر سوريا وتركيا والدول العربية، في إطار رؤية اقتصادية تتجاوز الحدود اللبنانية.

خريطة طريق للمرحلة المقبلة

ترى المصادر الرئاسية والدبلوماسية أن زيارة جوزيف عون لم تنتهِ باتفاقات نهائية، لكنها رسمت إطاراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً سيحكم العلاقة بين بيروت وواشنطن خلال المرحلة المقبلة.

وتشمل الخطوات الأولى زيارة الرئيس اللبناني إلى أنقرة نهاية يوليو/ تموز، وفتح قنوات تنسيق أوسع مع دمشق، إلى جانب متابعة برامج دعم الجيش واستكمال المفاوضات الخاصة بالمناطق التجريبية وآليات التحقق.

كما تعول بيروت على استمرار الضغط الأميركي لإقناع إسرائيل باستكمال الانسحاب من الأراضي اللبنانية، مقابل توسيع انتشار الجيش ومنع أي وجود عسكري خارج مؤسسات الدولة.

وفي موازاة ذلك، تسعى الحكومة اللبنانية إلى تحويل الدعم السياسي الذي حصلت عليه في واشنطن إلى استثمارات ومشاريع اقتصادية، باعتبار أن نجاح الإصلاحات الأمنية يبقى مرتبطاً أيضاً بتحسين الأوضاع المعيشية وإعادة تنشيط الاقتصاد.

غير أن نجاح هذه الخريطة، وفق المصادر، سيظل رهناً بعدة عوامل، أبرزها الموقف الإسرائيلي من الانسحاب، واستعداد حزب الله للدخول في تسوية داخلية بشأن سلاحه، وقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها، إضافة إلى مدى استعداد الشركاء الإقليميين والدوليين لمواكبة هذا المسار سياسياً ومالياً.

تحميل المزيد