تكثف مصر تحركاتها السياسية والأمنية بالتنسيق مع عدد من دول الخليج وقطر وتركيا وباكستان، في محاولة لاحتواء التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة المواجهة إلى ساحات جديدة قد تشمل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يهدد أمن الملاحة الدولية وينعكس مباشرة على قناة السويس.
وكشفت مصادر دبلوماسية مصرية لـ"عربي بوست" أن القاهرة لا تتحرك بصورة منفردة، بل تنسق مع الإمارات والبحرين وقطر، بالتوازي مع اتصالات إقليمية أوسع، لدعم جهود الوساطة ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، مشيرة إلى أن اللقاءات الرئاسية أو الوزارية تأتي في إطار بلورة موقف عربي مشترك يحافظ على أمن الخليج ويمنع توسيع دائرة الصراع.
وتضع القاهرة ضمن تقديراتها الأمنية احتمال امتداد المواجهة إلى البحر الأحمر عبر استئناف الحوثيين استهداف حركة الملاحة في باب المندب، وهو سيناريو تعتبره تهديداً مباشراً لمصر، ما يدفعها إلى التحرك على مسارين متوازيين، أولهما تعزيز التنسيق مع دول الخليج لدعم أمنها، وثانيهما تكثيف الاتصالات الدبلوماسية لإعادة واشنطن وطهران إلى مسار التفاوض.
القاهرة تقود تنسيقاً عربياً لاحتواء التصعيد
كشفت المصادر الدبلوماسية التي تحدثت لـ"عربي بوست" أن التحركات المصرية الجارية لا تقتصر على إصدار المواقف السياسية أو إجراء اتصالات ثنائية، وإنما تأتي ضمن تنسيق إقليمي واسع تقوده القاهرة بالتعاون مع عدد من دول الخليج، في محاولة لمنع انتقال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
وقال دبلوماسي مصري إن القاهرة كثفت خلال الأيام الأخيرة مشاوراتها مع قطر والإمارات والبحرين، باعتبارها الدول الأكثر تأثراً بالتطورات العسكرية الأخيرة، موضحاً أن هذه الاتصالات تتناول بصورة مباشرة الأبعاد السياسية والأمنية للأزمة، وفي مقدمتها تداعيات استهداف القواعد العسكرية في الخليج، وسبل منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
واكتسب هذا التنسيق زخماً خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الإماراتي محمد بن زايد في مدينة العلمين، إلى جانب الجولة الخليجية التي قام بها السيسي وشملت قطر والبحرين.
وناقشت المباحثات، وفق المصدر، مستقبل العلاقات العربية مع إيران، وآليات بلورة رؤية مشتركة للتعامل مع التطورات الإقليمية، فضلاً عن مستقبل العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة في ظل التحالفات العسكرية القائمة.
وأوضح المصدر أن الدور المصري يتجاوز الدعم السياسي التقليدي، إذ تنخرط القاهرة في مشاورات استراتيجية وأمنية مع شركائها الخليجيين، بالتوازي مع تنسيقها المستمر مع قطر التي تضطلع بدور الوساطة بين واشنطن وطهران، انطلاقاً من قناعة مصرية بأن أمن الخليج يمثل جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي.
ويرى المصدر أن القاهرة تسعى، من خلال هذا التحرك الجماعي، إلى الحفاظ على قنوات التشاور مفتوحة بين مختلف الأطراف، وتنسيق المواقف العربية إزاء الأزمة، بما يحد من مخاطر اتساع دائرة الصراع ويمنع انتقاله إلى ساحات إقليمية جديدة، في ظل تزايد المخاوف من دخول أطراف إضافية إلى المواجهة.
كيف تحاول القاهرة منع اتساع الحرب؟
تتحرك القاهرة، وفق المصادر الدبلوماسية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، على مسار موازٍ للدعم السياسي الذي تقدمه لدول الخليج، يتمثل في تكثيف الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى منع تحول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى حرب إقليمية مفتوحة، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع العواصم العربية، والتنسيق القائم مع قطر التي تقود جهود الوساطة بين واشنطن وطهران.
وقال مصدر دبلوماسي إن الاتصالات بين الأطراف المختلفة لم تتوقف رغم التصعيد العسكري، موضحاً أن قنوات تبادل الرسائل لا تزال قائمة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، في ظل قناعة لدى معظم الأطراف بأن المواجهة العسكرية لا يمكن أن تشكل بديلاً عن التسوية السياسية، حتى وإن بدت فرص استئناف المفاوضات محدودة في الوقت الراهن.
وأضاف أن القاهرة تدعم الجهود القطرية الرامية إلى إعادة الطرفين إلى طاولة الحوار، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن الطريق لا يزال معقداً بسبب تمسك كل من واشنطن وطهران بشروط تعتبرها أساسية لضمان مصالحها، سواء ما يتعلق بالبرنامج النووي أو أمن الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يفسر استمرار الفجوة بين الجانبين رغم استمرار قنوات التواصل.
وتندرج الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية المصري مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري ضمن هذا المسار، إذ ناقش الجانبان سبل احتواء التصعيد ومنع اتساع دائرة الصراع، وأكدا أهمية تغليب الحلول الدبلوماسية واستمرار التنسيق بين القاهرة والدوحة لدعم جهود التهدئة.
وفي السياق نفسه، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن القاهرة تواصل تحركاتها السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار الحرب ستكون له تداعيات إنسانية واقتصادية على المنطقة والعالم، وأن الحوار يبقى الطريق الوحيد لتجنب مزيد من التوتر وعدم انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة أوسع.
باب المندب في الحسابات المصرية
بينما تتركز الأنظار على المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، تكشف المصادر الدبلوماسية أن القاهرة تتابع عن كثب سيناريو آخر تعتبره أكثر حساسية بالنسبة إلى مصالحها الاستراتيجية، ويتمثل في احتمال انتقال التصعيد إلى البحر الأحمر عبر استئناف الحوثيين استهداف الملاحة في مضيق باب المندب.
وقال مصدر دبلوماسي مصري إن هذا السيناريو لم يتحول حتى الآن إلى واقع، لكنه يبقى ضمن الاحتمالات التي تضعها مؤسسات الدولة في حساباتها الأمنية، خاصة في ظل حديث مصادر إيرانية عن إمكانية لجوء طهران إلى استخدام نفوذها لدى الحوثيين للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها من خلال تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأوضح المصدر أن أي اضطراب في باب المندب ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة الملاحة في قناة السويس، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، فضلاً عن تأثيره في حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة، وهو ما يجعل أمن البحر الأحمر جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
وتحرص القاهرة على الإبقاء على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف المنخرطة في الأزمة، وتواصل العمل مع شركائها الإقليميين لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، مشيراً إلى أن مصر نجحت خلال مراحل سابقة في إقناع عدد من دول الخليج بعدم الانخراط المباشر في المواجهة، بما أسهم في الحد من اتساع دائرة الصراع.
ويرى المصدر أن التعامل مع هذا السيناريو لا يقتصر على الاستعدادات الأمنية، وإنما يشمل أيضاً تحركات دبلوماسية تهدف إلى منع فتح جبهات جديدة في المنطقة، ما قد يشكل نقطة تحول خطيرة، ليس بالنسبة إلى مصر ودول الخليج فحسب، وإنما للاقتصاد العالمي بأكمله، في ظل اعتماد جزء كبير من التجارة الدولية على هذا الممر البحري الحيوي.
تحالف إقليمي لاحتواء الأزمة
لا تقتصر التحركات المصرية على التنسيق مع دول الخليج، إذ تشير المصادر الدبلوماسية إلى أن القاهرة تراهن أيضاً على تفعيل آلية تشاور إقليمية تضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، باعتبارها إطاراً يمكن أن يسهم في احتواء التصعيد وفتح قنوات تفاوض جديدة إذا توافرت الظروف السياسية لذلك.
وقال مصدر دبلوماسي إن الاتصالات بين الدول الأربع لم تتوقف خلال الأيام الماضية، موضحاً أن المشاورات تركز على تقييم تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاساتها على أمن المنطقة، إلى جانب بحث السبل الكفيلة بمنع انتقال الصراع إلى دول أخرى، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي.
وتنظر القاهرة إلى هذه الآلية باعتبارها منصة للتنسيق السياسي أكثر من كونها تحالفاً عسكرياً، مشيراً إلى وجود توافق بين الدول الأربع على ضرورة وقف التصعيد، والالتزام بقواعد القانون الدولي، والعودة إلى الحلول الدبلوماسية باعتبارها السبيل الوحيد لتجنب حرب إقليمية واسعة.
وكشف المصدر أن القاهرة قد تستضيف اجتماعاً لوزراء خارجية الدول الأربع خلال المرحلة المقبلة إذا استمرت الأزمة، غير أن تحديد موعد لهذا الاجتماع سيظل مرتبطاً بمسار العمليات العسكرية ومدى استعداد أطراف الأزمة للعودة إلى طاولة التفاوض، في ظل إدراك مشترك بأن استمرار المواجهة سيزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويهدد استقرار المنطقة بأسرها.
الاستراتيجية المصرية في إدارة الأزمة
تستند التحركات المصرية، بحسب المصادر، إلى مسارين متوازيين؛ الأول يقوم على دعم أمن دول الخليج والتضامن معها في مواجهة أي تهديدات تستهدف سيادتها أو أمنها، والثاني يركز على منع اتساع المواجهة عبر مواصلة الاتصالات السياسية والدبلوماسية مع مختلف الأطراف، بما يهيئ الظروف لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران.
وقال مصدر مسؤول إن القاهرة ما تزال تنظر إلى التصعيد الحالي باعتباره قابلاً للاحتواء، رغم خطورته، وترى أن الخلافات القائمة بين الولايات المتحدة وإيران ترتبط في جوهرها بمسار التفاوض، وبالتالي يمكن معالجتها عبر الحلول السياسية إذا توافرت الإرادة لدى الطرفين.
إلا أنها، في الوقت نفسه، تعتبر استهداف دول الخليج بعد الضربات الأمريكية انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة. وأضاف أن التحرك المصري يجري بصورة جماعية بالتنسيق مع السعودية وتركيا وباكستان وقطر، انطلاقاً من قناعة بأن منع توسع الصراع مسؤولية إقليمية مشتركة، وأن أي مواجهة مفتوحة ستؤدي إلى إدخال أطراف وتنظيمات جديدة في الحرب، وهو ما من شأنه تعقيد الأزمة وتهديد السلم الإقليمي.
ويذهب هذا التقدير إلى أن الحفاظ على أمن الخليج، وحماية الممرات البحرية، ومنع فتح جبهات إضافية، تمثل أولويات مترابطة في الرؤية المصرية، وهو ما يفسر استمرار الاتصالات واللقاءات الدبلوماسية على مستويات مختلفة خلال الأيام الماضية، سعياً إلى خفض التصعيد والحفاظ على استقرار المنطقة.
ويتفق هذا التوجه مع ما يراه محللون سياسيون، إذ يؤكدون أن القاهرة تدرك أن أي تصعيد في الخليج أو مضيق هرمز أو البحر الأحمر ستكون له تداعيات مباشرة على قناة السويس، وحركة التجارة العالمية، وأسعار الطاقة، فضلاً عن انعكاساته على الاقتصاد المصري.
ويرى هؤلاء أن التحرك المصري لا يستهدف فقط احتواء الأزمة الراهنة، بل أيضاً استعادة دور القاهرة كوسيط إقليمي يحظى بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما يسمح لها بالمساهمة في منع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
لماذا تسابق القاهرة الوقت لاحتواء الأزمة؟
تعكس التحركات المصرية، وفق تقديرات دبلوماسيين ومحللين، إدراكاً متزايداً بأن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد شأناً ثنائياً، بل أزمة إقليمية مفتوحة قد تمتد آثارها إلى أمن الخليج والبحر الأحمر، وحركة التجارة العالمية، وهو ما يفسر حرص القاهرة على التحرك المبكر لتطويق التصعيد قبل تحوله إلى حرب يصعب احتواؤها.
ويقول محلل سياسي مصري إن القاهرة تنظر إلى الأزمة من زاوية المصالح الاستراتيجية أكثر من كونها انحيازاً إلى أحد طرفي الصراع، إذ تدرك أن أي اضطراب في الخليج أو مضيق هرمز أو باب المندب ستكون له انعكاسات مباشرة على قناة السويس، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية.
وأضاف أن التحركات المصرية تندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الوقائية"، القائمة على تكثيف الاتصالات مع القوى الإقليمية الفاعلة، ودعم جهود الوساطة، والحفاظ على قنوات الحوار بين مختلف الأطراف، بما يقلل فرص الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، مؤكداً أن القاهرة أبدت استعدادها لاستضافة أي جولة تفاوض أو لقاءات يمكن أن تسهم في إعادة إطلاق المسار السياسي.
ويرى المحلل أن مصر تسعى أيضاً إلى استثمار علاقاتها المتوازنة مع الدول العربية، وشراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وقنوات التواصل القائمة مع إيران، بما يعزز قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول إقليمياً، وهو دور تعتبره القاهرة جزءاً من مسؤوليتها في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، لا سيما في ظل الأزمات المتشابكة التي يشهدها الشرق الأوسط.
وبينما تبقى نتائج هذه التحركات رهناً بمسار المواجهة العسكرية وحسابات واشنطن وطهران، تشير المعطيات إلى أن القاهرة تراهن على منع اتساع دائرة الصراع أكثر من قدرتها على إنهائه، انطلاقاً من قناعة بأن احتواء الأزمة في هذه المرحلة سيجنب المنطقة تداعيات أمنية واقتصادية يصعب احتساب كلفتها إذا تحولت المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة.