ورقة أمريكية جديدة للبنان: مصادر تكشف تفاصيل مقترح توم باراك بشأن حصر السلاح والانسحاب الإسرائيلي

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/17 الساعة 14:27 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/17 الساعة 14:27 بتوقيت غرينتش
لبناني يتعرض لضغوط داخلية وخارجية/ عربي بوست

عاد الموفد الأمريكي إلى سوريا ولبنان، توماس باراك، إلى صدارة النقاشات الخاصة بالملف اللبناني عبر ورقة استراتيجية جديدة رفعها إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تتضمن تصوراً مختلفاً للتعامل مع الأزمة اللبنانية، يقوم على ربط الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإقليمية ضمن مسار تفاوضي واحد، بدلاً من مقاربة كل ملف بصورة منفصلة.

وبحسب مصادر دبلوماسية غربية، جاءت هذه الورقة بعد تزايد دعوات عربية وإقليمية مؤخراً إلى إعادة تكليف باراك بمتابعة الملف اللبناني، انطلاقاً من قناعة العواصم المعنية بأن المرحلة الحالية تتطلب شخصية قادرة على إدارة تفاهمات معقدة تتجاوز وقف التصعيد، وتؤسس لتسوية أكثر استدامة، في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة وإعادة ترتيب عدد من ملفاتها الإقليمية.

لا تقتصر الورقة على تقديم مقترحات لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بل تعيد صياغة المقاربة الأمريكية تجاه لبنان، عبر تبني مبدأ "التنفيذ المتوازي" الذي يربط بين حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، والانسحاب الإسرائيلي، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وإنشاء قوة متعددة الجنسيات.

كما تشمل الورقة التي أعدها الموفد الأمريكي، وفق مصادر "عربي بوست"، إشراك سوريا في الإطار الإقليمي الداعم للاستقرار، في وقت لا يزال فيه هذا التصور موضع نقاش داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب.

كيف أعاد باراك صياغة المقاربة الأمريكية؟

بحسب المصادر الدبلوماسية الغربية، لا تقدم الورقة التي أعدها توماس باراك مبادرة سياسية بالمعنى التقليدي، بقدر ما تمثل مراجعة شاملة للطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى الملف اللبناني، بعد استخلاص ما تعتبره دروساً من التجارب الأمريكية والإسرائيلية في لبنان منذ عام 1982 وحتى اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024.

وتقول المصادر إن باراك ينطلق من قناعة مفادها أن المقاربات السابقة أخفقت لأنها تعاملت مع عناصر الأزمة اللبنانية باعتبارها ملفات منفصلة، فجرى الفصل بين المسارات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإقليمية، في حين أثبتت التطورات أن هذه الملفات مترابطة بصورة تجعل معالجة أي منها بمعزل عن الآخر غير قابلة للاستمرار.

وتدعو الورقة إلى الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة بناء تسوية متكاملة، تكون الدولة اللبنانية محورها الأساسي، بحيث تتحرك مختلف المسارات بصورة متوازية، بدلاً من انتظار إنجاز أحدها قبل الانتقال إلى الآخر، وهو ما تعتبره الورقة المدخل الوحيد لإنتاج اتفاق قابل للاستمرار.

هذا التحول، وفق المصادر، يمثل الفارق الأساسي بين ورقة باراك والطروحات التي نوقشت خلال الأشهر الماضية، إذ لم يعد الهدف التوصل إلى تفاهم أمني محدود أو معالجة ملف بعينه، وإنما إنشاء إطار سياسي وأمني واقتصادي متكامل يضمن استدامة أي تسوية يتم التوصل إليها، ويمنع انهيارها مع تعثر أحد مكوناتها.

لا مهلة لحصر السلاح

أوضحت مصادر "عربي بوست" أن أحد أبرز التعديلات التي تتضمنها ورقة باراك بشأن الملف اللبناني يتعلق بملف حصر السلاح، إذ أُسقطت بالكامل فكرة تحديد مهلة زمنية لإنجاز هذه العملية، بعدما كانت بعض الصيغ السابقة تتحدث عن إطار زمني يتراوح بين 6 أشهر وسنة.

وبحسب الورقة، فإن الهدف النهائي لا يزال يتمثل في وضع جميع الأسلحة تحت السلطة الحصرية للدولة اللبنانية، إلا أن الوصول إلى هذا الهدف يجب أن يتم عبر مسار تدريجي يخضع للتقييم المستمر، ويرتبط بالوقائع السياسية والأمنية على الأرض، بدلاً من التقيد بتاريخ محدد.

وتؤكد المصادر أن باراك يعتبر فرض مهل زمنية جامدة عاملاً قد يحول ملف حصر السلاح إلى سبب لتعطيل التسوية، بدلاً من أن يكون إحدى نتائجها، ولذلك تقترح الورقة ربط تقدم هذا المسار بتقدم بقية عناصر الخطة، ضمن ما تسميه مبدأ "التنفيذ المتوازي".

وفي هذا السياق، تربط الورقة عملية حصر السلاح ببرنامج أمريكي ودولي لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، يشمل دعم إمكاناته العسكرية واللوجستية، وتوسيع انتشاره، وتمكينه تدريجياً من تولي كامل المسؤوليات الأمنية، ما يضمن انتقالاً عملياً ومنظماً لصلاحيات الدولة على الأرض.

وبموجب هذا التصور، تتحرك عملية حصر السلاح، وتعزيز الجيش اللبناني، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة في وقت واحد، ضمن إطار تنفيذي يخضع لمتابعة مستمرة وتقييم مرحلي، ما يحافظ على زخم العملية السياسية ويحول دون توقفها بسبب تعثر أحد المسارات.

قوة دولية وانسحاب إسرائيلي

بحسب المصادر الدبلوماسية الغربية، تتبنى ورقة باراك فيما يخص الملف اللبناني بصورة مباشرة المقترح الفرنسي القاضي بإنشاء قوة متعددة الجنسيات جديدة تحل محل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، انطلاقاً من قناعة بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إطار دولي مختلف لمواكبة تنفيذ الترتيبات الأمنية وضمان استمراريتها.

القوة المقترحة ستضم بصورة أساسية دولاً أوروبية، وستتولى مرافقة تنفيذ الاتفاق، ومراقبة الالتزامات الميدانية، وتوفير الغطاء الدولي للمرحلة الانتقالية، بالتنسيق مع الجيش اللبناني والجهات الدولية المعنية، ما يضمن وجود آلية متابعة أكثر فاعلية من الصيغ المعتمدة حالياً.

وترى الورقة، وفق المصادر، أن نجاح أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد يحتاج إلى وجود قوة دولية تحظى بدعم سياسي من الدول المشاركة في تنفيذ التسوية، وهو ما يفسر تبني باراك للمقترح الفرنسي باعتباره جزءاً من التصور الأمريكي الجديد، وليس مجرد مبادرة أوروبية منفصلة.

وفي موازاة ذلك، تنص الورقة على تنفيذ انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة خلال فترة لا تتجاوز 6 أشهر، على أن يتولى الجيش اللبناني مسؤولية كل منطقة فور انسحاب القوات الإسرائيلية منها، ما يمنع نشوء أي فراغ أمني أو إداري.

وتربط الورقة، في الوقت نفسه، بين الانسحاب وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، بحيث تبدأ أعمال إعادة التأهيل والخدمات والبنية التحتية بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني في المناطق المنسحب منها، ضمن برنامج تمويل تشارك فيه دول عربية ودولية.

وتؤكد المصادر أن إعادة الإعمار، وفق تصور باراك، لا تُطرح كمكافأة سياسية تُمنح بعد تنفيذ الالتزامات، وإنما كجزء من عملية التنفيذ نفسها، ما يهيئ بيئة أكثر استقراراً تسمح باستمرار المسار الأمني والسياسي وتحد من احتمالات تعثره.

سوريا تدخل معادلة الملف اللبناني

تكشف المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست" أن الورقة توسع الإطار الإقليمي للتسوية المقترحة عبر الدعوة إلى إشراك سوريا في المقاربة الجديدة الخاصة بلبنان، انطلاقاً من اعتبار أن الملفات الحدودية والأمنية والاقتصادية بين البلدين أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار اللبناني.

وتقترح الورقة تطوير قنوات تنسيق مع دمشق في ملفات أمن الحدود، ومكافحة التهريب، والتعاون الأمني والاقتصادي، باعتبار أن هذه الملفات ستؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الترتيبات المقترحة وترسيخ الاستقرار على المدى الطويل.

ورغم أن المصادر تؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبدى ارتياحاً لعدد من الأفكار الرئيسية التي تضمنتها ورقة باراك، فإنها تشير إلى أن النقاش داخل الإدارة الأمريكية لم يُحسم بعد.

فبحسب المصادر، ترى شخصيات في المؤسسات الأمنية وبعض دوائر صنع القرار أن المقاربة التي يدفع بها باراك تمنح مساحة زمنية وسياسية واسعة لتنفيذ الالتزامات الأمنية، وتفضل، في المقابل، اعتماد سياسة أكثر تشدداً تقوم على تسريع تنفيذ هذه الالتزامات قبل تقديم أي حوافز سياسية أو اقتصادية.

وتخلص المصادر إلى أن ورقة باراك أصبحت اليوم الإطار الأكثر حضوراً في النقاش الأمريكي حول لبنان، غير أن تحولها إلى مبادرة رسمية سيبقى مرهوناً بنتائج المداولات الجارية داخل إدارة ترامب خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت واشنطن ستتبنى هذه المقاربة الشاملة باعتبارها أساساً لتحريك الملف اللبناني في المرحلة المقبلة.

وبينما تبدو هذه الورقة اليوم الأكثر حضوراً داخل النقاشات الأمريكية بشأن لبنان، فإن انتقالها من إطار التقييم إلى مبادرة رسمية سيظل رهناً بما ستسفر عنه المداولات داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، ومدى توافقها مع مواقف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف اللبناني.

تحميل المزيد