مصادر تكشف كيف يهدد تجدد التصعيد الأمريكي – الإيراني تنفيذ اتفاق الإطار في جنوب لبنان

عربي بوست
تم النشر: 2026/07/14 الساعة 10:15 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/07/14 الساعة 10:15 بتوقيت غرينتش
الوضع في لبنان معقد ومفتوح على جميع الاحتمالات/ عربي بوست

كشفت مصادر حكومية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست" أن تجدد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بدأ يلقي بظلاله على مسار تنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، في وقت تستعد فيه الأطراف المعنية لجولة جديدة من الاجتماعات في روما، وسط تباطؤ في الانتقال من التفاهمات السياسية إلى الخطوات الميدانية، واستمرار الخلاف حول آليات تنفيذ الاتفاق.

وبحسب المصادر، تتابع بيروت باهتمام الاتصالات الجارية بين واشنطن وطهران، انطلاقاً من قناعة بأن مستقبل التفاهمات الأمريكية-الإيرانية سينعكس مباشرة على الملف اللبناني، سواء على مستوى اجتماعات روما أو تنفيذ الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، ولا سيما ما يتعلق بالمناطق التجريبية وانتشار الجيش اللبناني.

وتضيف المصادر أن المشهد لا يقتصر على التصعيد الإقليمي، بل يتأثر أيضاً بالتباين داخل الإدارة الأمريكية حول إدارة الملف اللبناني، بالتوازي مع تمسك إسرائيل بإعادة صياغة آليات تنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل بما ينسجم مع أولوياتها الأمنية، وهو ما يضع المرحلة المقبلة أمام اختبار سياسي وميداني قد يحدد مستقبل اتفاق الإطار برمته.

خلاف داخل إدارة ترامب بشأن لبنان

تكشف مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست" أن الأشهر الماضية شهدت نقاشات داخل الإدارة الأمريكية حول ما إذا كان ينبغي التعامل مع الملف البناني باعتباره جزءاً من أي تفاهم مستقبلي مع إيران، أم الإبقاء عليه في مسار تفاوضي مستقل.

وبحسب المصادر، كان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس من أبرز المؤيدين لربط الملفين، انطلاقاً من قناعته بأن أي تفاهم طويل الأمد مع طهران ينبغي أن يشمل مجمل الملفات الإقليمية، بما فيها مستقبل حزب الله والوضع الأمني في جنوب لبنان.

في المقابل، دفع وزير الخارجية ماركو روبيو باتجاه فصل المسارين، معتبراً أن تنفيذ اتفاق الإطار يجب أن يستمر بمعزل عن مسار التفاوض مع إيران، بما يمنع ربط استقرار لبنان بأي تطورات قد تشهدها العلاقات الأمريكية-الإيرانية.

وتضيف المصادر أن شخصيات وجهات لبنانية ناشطة في واشنطن أجرت خلال الفترة الماضية لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، دعت خلالها إلى إبقاء الملف اللبناني تحت إشراف وزارة الخارجية الأمريكية، محذرة من إدخاله ضمن التفاوض مع إيران، لأن ذلك سيمنح طهران أوراقاً إضافية في أي تسوية إقليمية مقبلة.

وبحسب المعلومات، انتهت هذه النقاشات إلى تقليص دور فريق نائب الرئيس في متابعة الملف اللبناني، مقابل تعزيز دور وزارة الخارجية والمبعوث الأمريكي توم باراك، الذي يتولى حالياً الاتصالات مع الأطراف اللبنانية والإقليمية.

وتؤكد المصادر الحكومية أن باراك لا يتعامل مع لبنان باعتباره ملفاً منفصلاً، بل جزءاً من مشروع إقليمي أوسع يشمل سوريا والعراق وتركيا، ويجري تنسيقه مع عدد من الدول الأوروبية والخليجية.

ووفق المصادر، يركز باراك على بناء ترتيبات أمنية وسياسية متدرجة تسمح بتثبيت الاستقرار في أكثر من ساحة في الوقت نفسه، إلا أن هذه المقاربة تواجه اعتراضات داخل الإدارة الأمريكية، كما تتحفظ عليها إسرائيل، التي تتمسك بإبقاء الملف اللبناني ضمن مقاربة أمنية منفصلة، تضمن لها هامشاً واسعاً من حرية العمل العسكري، ولا تربط ترتيبات جنوب لبنان بأي تفاهمات إقليمية أوسع.

وترى المصادر أن هذا التباين داخل واشنطن انعكس مباشرة على وتيرة تنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، إذ لم تنتقل المفاوضات حتى الآن إلى المرحلة التنفيذية الكاملة، رغم مرور أسابيع على توقيعه، بينما بقيت معظم الخطوات العملية معلقة بانتظار نضوج تفاهمات سياسية وأمنية تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها.

أول اختبار للانتقال من الاتفاق إلى التنفيذ

في موازاة النقاشات داخل واشنطن، تستعد الوفود اللبنانية والإسرائيلية والأمريكية لعقد جولة جديدة من الاجتماعات في العاصمة الإيطالية روما، التي تصفها مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست" بأنها ستكون أول اختبار فعلي لقدرة اتفاق الإطار على الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الميداني.

وبحسب المصادر، يدخل الوفد اللبناني الاجتماعات وهو يتمسك بـ3 مطالب رئيسية: وقف الخروقات الإسرائيلية، ووضع جدول زمني واضح للانسحاب من المناطق التي لا تزال تحتلها إسرائيل، والاتفاق على خريطة المناطق التجريبية التي سينتشر فيها الجيش اللبناني بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي.

وتضيف المصادر أن الجانب اللبناني سيطالب أيضاً بوضع آلية واضحة لمراقبة تنفيذ الاتفاق، وتحديد صلاحيات اللجان الفنية والعسكرية التي ستتولى متابعة التنفيذ، بما يمنع تعدد المرجعيات أو اختلاف تفسير بنود الاتفاق في المراحل اللاحقة.

في المقابل، تكشف مصادر عسكرية لبنانية لـ"عربي بوست" أن النقاشات مع الجانب الأمريكي لم تعد تتركز على مبدأ الانسحاب الإسرائيلي بحد ذاته، بل على طبيعة المناطق التي سيشملها الانسحاب الأول، وآلية انتقال المسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني.

وتوضح المصادر أن قيادة الجيش أبلغت الجانب الأمريكي استعدادها للانتشار في أي منطقة تنسحب منها القوات الإسرائيلية، بعدما استكملت معظم التحضيرات العملياتية واللوجستية المطلوبة، إلا أنها لم تتبلغ حتى الآن بصورة نهائية أسماء البلدات التي ستشكل المرحلة الأولى من الانسحاب.

وبحسب المصادر، نقل الوفد العسكري الأمريكي خرائط أولية تتضمن أكثر من تصور، لا تزال موضع تفاوض مع الجانب الإسرائيلي، وهو ما حال دون حسم خريطة المناطق التجريبية حتى الآن.

وعدّلت إسرائيل خلال الأسابيع الماضية تصورها الأولي لهذه المناطق. فبينما اقترح الجانب اللبناني أن تبدأ المرحلة الأولى ببلدات لا تزال تخضع للاحتلال الإسرائيلي، طرحت تل أبيب إدراج بلدات لا يوجد فيها وجود عسكري إسرائيلي فعلي.

وهو ما تعتبره بيروت خروجاً عن فلسفة الاتفاق، لأن الهدف الأساسي يتمثل في أن يقترن انتشار الجيش اللبناني بانسحاب إسرائيلي متدرج، وليس بإعادة انتشار داخل مناطق خاضعة أصلاً لسلطة الدولة اللبنانية.

وأثارت هذه المقاربة، وفق المصادر العسكرية، تحفظات داخل المؤسسة العسكرية، التي ترى أن نجاح المرحلة الأولى يتطلب خطوة إسرائيلية ملموسة يمكن البناء عليها في المراحل التالية، لأن أي تنفيذ لا يتضمن انسحاباً فعلياً سيضعف صدقية الاتفاق داخلياً، ويزيد من صعوبة تسويقه على المستويين السياسي والشعبي.

إسرائيل تربط الانسحاب بـ"اختبار" الجيش اللبناني

بالتوازي مع التحضيرات لاجتماعات روما، تؤكد مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست" أن الولايات المتحدة تكثف ضغوطها على إسرائيل لدفعها إلى تنفيذ أول انسحاب ميداني قبل انعقاد الجولة المقبلة من المفاوضات، باعتبار أن أي خطوة عملية ستمنح الاتفاق زخماً إضافياً، وستعزز فرص الانتقال إلى المراحل التالية من التنفيذ.

إلا أن المصادر تشير إلى أن تل أبيب لا تزال تتعامل بحذر مع هذا الطرح، وتربط أي انسحاب بمدى قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته الكاملة في المناطق التي ستنسحب منها قوات الاحتلال، مع استمرار تشكيكها في قدرة الدولة اللبنانية على منع أي عودة للنشاط العسكري لحزب الله في تلك المناطق.

وترى المصادر أن إسرائيل تحاول تحويل المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق إلى "اختبار" سياسي وعسكري للدولة اللبنانية، أكثر من كونها خطوة متبادلة لتنفيذ الالتزامات الواردة في اتفاق الإطار، وهو ما يفسر استمرارها في تعديل خرائط المناطق التجريبية وتأخير حسم أسماء البلدات التي ستشملها المرحلة الأولى، بالتوازي مع مواصلة عملياتها العسكرية اليومية في جنوب لبنان.

وتضيف المصادر أن الحكومة اللبنانية أبلغت الوسطاء الأمريكيين بأن استمرار الغارات والتوغلات الإسرائيلية يقوض أي محاولة لتسويق الاتفاق داخلياً، ويمنح القوى المعارضة لتنفيذه حججاً إضافية للتشكيك في جدواه وإمكان نجاحه.

وفي السياق نفسه، تكشف مصادر عسكرية لبنانية أن إحدى أبرز نقاط القلق داخل المؤسسة العسكرية تتعلق بطبيعة المراحل اللاحقة لتنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، ولا سيما إذا توسعت المناطق التجريبية تدريجياً لتشمل بلدات تقع شمال نهر الليطاني.

وتوضح المصادر أن الاتفاق الحالي ينطلق من معالجة الوضع الأمني في المناطق الواقعة جنوب الليطاني، إلا أن غياب تصور واضح للمراحل التالية يثير مخاوف من محاولات إسرائيل أو بعض الأطراف الدولية الدفع لاحقاً نحو توسيع نطاق التنفيذ قبل استكمال التفاهم السياسي الداخلي بشأن ملف السلاح.

وترى المصادر أن أي انتقال سريع إلى هذه المرحلة، من دون توافق لبناني واسع، قد يضع الجيش أمام تحديات سياسية وأمنية معقدة، لا تقتصر على الانتشار العسكري، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة مع القوى الموجودة على الأرض وآليات تنفيذ القرارات الحكومية المتعلقة بحصرية السلاح بيد الدولة.

العقدة الأكثر حساسية في المفاوضات

إلى جانب الخلاف حول المناطق التجريبية، تؤكد مصادر عسكرية لبنانية لـ"عربي بوست" أن تلة علي الطاهر لا تزال تمثل إحدى أكثر النقاط حساسية في المفاوضات الجارية، نظراً إلى موقعها العسكري وإشرافها على مساحة واسعة من القطاع الشرقي في جنوب لبنان.

وتوضح المصادر أن إسرائيل تتمسك بالإبقاء على سيطرتها العسكرية على التلة والمنشآت الموجودة فيها، فيما يجري تداول مقترحات تقضي بانتشار الجيش اللبناني ضمن مراحل تنفيذ اتفاق الإطار، إلا أن هذه الطروحات لا تزال تواجه اعتراضات من حزب الله، الذي يعتبر أن أي تغيير في وضع التلة يحتاج إلى تفاهمات سياسية وأمنية أوسع.

وتضيف المصادر أن قيادة الجيش تتعامل مع هذا الملف باعتباره قراراً سياسياً قبل أن يكون قراراً عسكرياً، ولن تقدم على أي خطوة في المناطق الحساسة من دون غطاء رسمي واضح يصدر عن السلطات الدستورية، تجنباً لتحويل المؤسسة العسكرية إلى طرف في أي مواجهة داخلية.

وبحسب المصادر نفسها، فإن استمرار إسرائيل في فرض طوق عسكري على التلة، ورفضها تقديم تصور نهائي بشأن مستقبلها، يزيد من احتمالات تحولها إلى إحدى أبرز نقاط التوتر خلال المرحلة المقبلة، إذا تعثرت المفاوضات أو شهدت المنطقة تصعيداً جديداً.

عاملان لنجاح اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل

تخلص مصادر حكومية لبنانية إلى أن نجاح المسار الذي ترعاه الولايات المتحدة سيبقى رهناً بعاملين أساسيين: قدرة واشنطن على إلزام إسرائيل بتنفيذ انسحاب تدريجي ووقف الخروقات، واستمرار المواجهة الأمريكية-الإيرانية ضمن حدود يمكن احتواؤها سياسياً.

وتؤكد المصادر أن أي انهيار في التفاهمات بين واشنطن وطهران سيعيد الملف اللبناني إلى نقطة الصفر، وسيمنح إسرائيل هامشاً أوسع لتجميد تنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل أو إعادة صياغة أولوياته بما يتوافق مع أهدافها العسكرية.

في المقابل، تؤكد مصادر عسكرية لبنانية أن المؤسسة العسكرية ستواصل استعداداتها لتنفيذ أي قرار يصدر عن السلطات اللبنانية بشأن المناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل، لكنها تشدد على أن نجاح المرحلة الأولى يتطلب وضوحاً كاملاً في خريطة الانسحاب، وآلية رقابة متفقاً عليها، وغطاءً سياسياً لبنانياً موحداً يحمي الجيش خلال تنفيذ مهماته.

وتضيف المصادر أن اجتماعات روما لن تكون مجرد محطة تفاوضية جديدة، بل ستحدد ما إذا كان اتفاق الإطار سينتقل فعلياً إلى مرحلة التنفيذ الميداني، أم سيبقى اتفاقاً سياسياً تعرقله الخلافات الإقليمية، والتباينات داخل الإدارة الأمريكية، وإصرار إسرائيل على ربط الانسحاب باختبار قدرة الدولة اللبنانية وجيشها على فرض الوقائع الجديدة في الجنوب.

تحميل المزيد