الجامعة العربية: نبيل فهمي يستعد لتولي الأمانة العامة وسط تحديات التمويل والانقسامات والدور الإقليمي

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/21 الساعة 12:21 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/21 الساعة 12:22 بتوقيت غرينتش
لقطة عامة تظهر الجلسة الافتتاحية لاجتماع سباق لوزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة العربية بالقاهرة/رويترز، أرشيفية

يستعد وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي لتولي مهامه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية مطلع شهر يوليو/ تموز 2026، في مرحلة تعد من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ المنظمة التي تواجه تحديات سياسية ومالية وتنظيمية متراكمة، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرتها على استعادة جزء من أدوارها التي تراجعت خلال السنوات الماضية بفعل الانقسامات العربية وتعدد مراكز التأثير الإقليمي والدولي.

ويأتي تسلم فهمي منصبه الجديد في وقت تواجه فيه المنطقة تحولات كبرى فرضتها التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية وتداعياتها، إضافة إلى استمرار الأزمات في عدد من الدول العربية، وتراجع مستويات التنسيق العربي المشترك، في ظل انتقادات متزايدة لأداء الجامعة العربية التي بدت خلال السنوات الأخيرة عاجزة عن مواكبة كثير من الملفات الساخنة أو التأثير في مساراتها.

وبحسب مصادر دبلوماسية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن الأمين العام الجديد سيكون مطالباً بالتعامل مع ملفات شائكة تتراوح بين أزمة التمويل التي تعانيها الأمانة العامة، وتراجع فعالية المؤسسات التابعة للجامعة، والانقسامات السياسية بين الدول الأعضاء، إلى جانب محاولات البحث عن صيغ جديدة للتعاون العربي المشترك في مرحلة تشهد إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات في المنطقة.

مهمة أصعب من وزارة الخارجية

قال مصدر دبلوماسي في جامعة الدول العربية إن تولي نبيل فهمي منصب الأمين العام يختلف كثيراً عن تجربته السابقة عندما تولى وزارة الخارجية المصرية عام 2013، في ظل الظروف الصعبة التي أعقبت رحيل جماعة الإخوان المسلمين عن السلطة وما ترتب على ذلك من تجميد جزء من المعونة العسكرية الأمريكية وتعقيدات كبيرة على مستوى العلاقات الخارجية المصرية.

وأوضح المصدر أن نجاح فهمي في تلك المرحلة في التعامل مع ملفات السياسة الخارجية المصرية لا يعني بالضرورة أن المهمة الجديدة ستكون بالسهولة نفسها، لأن منصب الأمين العام يبقى رهيناً بمواقف الدول الأعضاء وبمستوى التوافق بينها، في وقت تشهد فيه الساحة العربية تباينات واسعة حول عدد كبير من القضايا الإقليمية.

وأضاف أن النظام العربي الرسمي يعاني حالة من الضعف والتفكك والإنهاك نتيجة الأزمات التي مرت بها المنطقة على مدار عقود، وصولاً إلى اتساع دوائر العنف والصراعات التي طالت ما يقرب من نصف الدول العربية، وهو ما أوجد انقسامات حادة وأضعف قدرة المؤسسات العربية المشتركة على التحرك الفعال.

وبحسب المصدر ذاته، انعكس هذا الواقع على أدوار الجامعة العربية التي اكتفت في كثير من الأحيان بإصدار بيانات الإدانة أو الشجب، بل واجهت أحياناً صعوبة في التوصل حتى إلى تلك البيانات نتيجة اختلاف مواقف الدول الأعضاء.

وقاد ذلك، وفق المصدر، إلى حالة من الضعف المزمن داخل مؤسسات الجامعة، مع تراجع آليات المتابعة والتنفيذ وغياب الإلزام الفعلي للقرارات، ما أدى إلى اتساع الفجوة في التنسيق العربي المشترك.

الجامعة العربية تواجه أزمة وجود

وفق المصدر الدبلوماسي، فإن نبيل فهمي يتولى مسؤولياته في لحظة تتزايد فيها التساؤلات حول مستقبل الجامعة العربية نفسها، مع بروز أحاديث وتلميحات داخل بعض الأوساط السياسية والدبلوماسية عن تراجع دورها إلى حد الحديث عن "موت الجامعة العربية" وضرورة البحث عن بدائل جديدة للعمل العربي المشترك.

وانعكست بعض هذه الطروحات في أحاديث تتعلق بإمكانية انسحاب دول مؤثرة من الجامعة العربية أو تقليص مشاركتها، بالتزامن مع توسع شبكة التحالفات التي تقيمها دول عربية مع قوى إقليمية ودولية خارج الإطار العربي.

كما أن عدداً متزايداً من الدول العربية، يقول المصدر الدبلوماسي، بات يعتمد على تحالفات ثنائية أو إقليمية خاصة به بدلاً من تطوير منظومة تعاون عربي جماعي، وهو ما يجعل مهمة إحياء الجامعة واستعادة دورها التحدي الأكبر أمام الأمين العام الجديد.

ويرى مصدر "عربي بوست" أن نجاح فهمي في هذه المهمة يتطلب توافر إرادة سياسية لدى الدول الأعضاء، وهي الإرادة التي لا تبدو متوافرة حتى الآن بالشكل الكافي، إلى جانب قدرته على إقناع الدول العربية بتعزيز التعاون المشترك، وهو أمر يظل بالغ الصعوبة في ظل التباينات الحالية.

حدود صلاحيات الأمين العام

لا يمنح ميثاق جامعة الدول العربية الأمين العام هامش حركة واسعاً على المستوى السياسي، إذ إن غالبية صلاحيات الأمين العام تتركز في الجوانب الإدارية والإجرائية، مثل متابعة تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الجامعة، والإشراف على الأمانة العامة والأجهزة التابعة لها، والتنسيق بين المؤسسات المختلفة.

لذلك، فإن قدرة الأمين العام على إحداث اختراقات سياسية بين الدول الأعضاء تبقى محدودة مقارنة بما يمتلكه من صلاحيات إدارية وتنظيمية. ومع ذلك، يرى المصدر أن فهمي يستطيع لعب دور مهم في وقف حالة التراجع التي تشهدها الجامعة عبر إعادة بناء قنوات التواصل بين الدول الأعضاء، والعمل على تشكيل لجان متخصصة لتطوير آليات العمل العربي المشترك.

كما يمكنه، بحسب المصدر الدبلوماسي، المساهمة في استكمال مشاريع الإصلاح التي طُرحت قبل أكثر من عقد بشأن مراجعة ميثاق الجامعة العربية وتطوير هياكلها، لكن نجاح هذه الجهود سيبقى مرتبطاً بوجود دعم سياسي من الدول الأعضاء.

وشدد المصدر ذاته على أن إعادة تفعيل أدوار الجامعة تتطلب إطلاق مبادرات جديدة وبلورة مواقف سياسية مشتركة، وصولاً إلى تعزيز التعاون العربي في مجالات متعددة، بما فيها التعاون الأمني والعسكري الذي أعادت مصر طرحه أكثر من مرة منذ اندلاع الحرب الإيرانية الأخيرة.

فرصة جديدة بعد الحرب الإيرانية؟

يرى محلل سياسي مصري أن الجامعة العربية بقيت طوال أكثر من عقد في حالة شبيهة بـ"جهاز التنفس الصناعي"، نتيجة التراجع المستمر في أدوارها وتأثيرها في القضايا الإقليمية. لكنه أشار إلى أن المتغيرات التي تشهدها المنطقة حالياً، وما أفرزته الحرب الإيرانية الأخيرة، قد تفتح نافذة جديدة أمام الجامعة لاستعادة جزء من حضورها.

وأوضح المصدر ذاته أن الحرب الأخيرة كشفت حدود الدور الأمريكي في المنطقة وأظهرت عجز واشنطن عن توفير مظلة أمنية كاملة لحلفائها، وهو ما قد يدفع عدداً من الدول العربية إلى إعادة النظر في طبيعة تحالفاتها الإقليمية والدولية.

هذا الواقع قد يخلق فرصة لتطوير إطار عربي أكثر استقلالية، يقول المحلل السياسي، سواء من خلال تعزيز التنسيق العربي أو عبر بناء شراكات مع قوى إقليمية صديقة تمنع الفراغ الأمني وتحد من محاولات فرض ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على الهيمنة الإسرائيلية.

وبحسب المحلل السياسي، فإن هذه التحولات يمكن أن تمنح الجامعة العربية فرصة لاستعادة بعض أدوارها إذا أحسنت الدول الأعضاء استثمارها.

ماذا يمكن أن يفعل نبيل فهمي؟

وفق المحلل السياسي المصري، فإن الظروف الجديدة قد تتيح للأمين العام الجديد هامشاً أوسع للتحرك، خصوصاً إذا اتجهت الدول العربية نحو تعزيز التعاون البيني في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المتصاعدة.

لكنه يقر في الوقت نفسه بأن المهمة ستكون صعبة للغاية، نظراً لحجم التباينات القائمة بين الدول العربية، ولوجود ضغوط دولية وإقليمية تدفع باتجاه استمرار هذه الانقسامات.

ويرى أن فهمي يمتلك خبرة دبلوماسية طويلة وقدرة على إدارة الملفات المعقدة، وهو ما قد يساعده في تقريب وجهات النظر العربية بشأن بعض الملفات الملحة، فضلاً عن المساهمة في وضع استراتيجية جديدة لتطوير هياكل الجامعة وآليات عملها.

كما يتوقع أن تدفع تداعيات الحرب الإيرانية بعض الدول العربية إلى مراجعة رهاناتها التقليدية على الحماية الأمريكية المطلقة، والتفكير بصورة أكبر في بناء ترتيبات أمنية عربية أو إقليمية جديدة.

ومن شأن هذا التحول، إذا حدث، أن يمنح الجامعة العربية مساحة أوسع للحركة ويعيد إليها جزءاً من أهميتها المفقودة خلال السنوات الماضية.

أزمة التمويل على رأس الأولويات

لكن التحديات السياسية ليست وحدها ما ينتظر الأمين العام الجديد. فبحسب المصادر، سيجد فهمي نفسه أمام أزمة مالية حقيقية تعانيها الجامعة العربية منذ سنوات، بعدما اضطرت الأمانة العامة في بعض الفترات إلى اللجوء إلى الاحتياطي النقدي لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية الأساسية.

وتواجه الجامعة العربية أيضاً مشكلة تتعلق بعدم التزام بعض الدول الأعضاء بسداد مساهماتها السنوية، أو تأخرها في دفع هذه المساهمات، وهو ما انعكس على قدرة المؤسسة على تنفيذ عدد من برامجها وأنشطتها.

وتبلغ ميزانية الجامعة العربية نحو 60 مليون دولار سنوياً، يذهب نحو 90% منها إلى تغطية رواتب الموظفين ونفقات التشغيل. وتتحمل دول الخليج الحصة الأكبر من هذه الميزانية، حيث يبلغ الحد الأقصى لمساهمة الدولة الواحدة نحو 14%.

وكان الأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط قد اشتكى مراراً من تأخر بعض الدول في سداد التزاماتها المالية، محذراً من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تجميد عدد من الأنشطة والبرامج التابعة للجامعة.

وتضم الجامعة العربية شبكة واسعة من المؤسسات والمنظمات المتخصصة التي تعمل في مجالات اقتصادية وثقافية واجتماعية وعلمية مختلفة.

ويبلغ عدد هذه المنظمات نحو 14 منظمة متخصصة، إلى جانب عدد من الاتحادات والمؤسسات التمويلية، من بينها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو"، ومنظمة العمل العربية، والهيئة العربية للطاقة الذرية، واتحاد إذاعات الدول العربية.

كما تمتلك الجامعة نحو 20 بعثة ومكتباً خارجياً موزعة على عدد من العواصم الدولية المهمة، مثل نيويورك وجنيف وبروكسل وفيينا وأديس أبابا.

لكن عدداً من الدول الأعضاء طرح خلال السنوات الماضية مقترحات لإعادة هيكلة هذه البعثات وتقليص نفقاتها في إطار خطط لترشيد الإنفاق وإصلاح منظومة العمل داخل الجامعة.

وتشير بيانات جامعة الدول العربية إلى أن ميزانية البعثات الخارجية بلغت عام 2015 نحو 20 مليون دولار سنوياً، خُصص منها نحو 19 مليون دولار للرواتب والإيجارات، فيما لم تتجاوز المخصصات الموجهة للأنشطة المختلفة 5% من إجمالي الميزانية.

تحميل المزيد