سلاح مصر المحلي: كيف تنظر إسرائيل إلى المشاريع العسكرية الجديدة، وما الأسلحة التي تثير قلقها؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/18 الساعة 17:09 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/18 الساعة 17:11 بتوقيت غرينتش
توطنين الصناعات العسكرية في مصر يثير قلق إسرائيل/ عربي بوست

لم يعد القلق الإسرائيلي من القدرات العسكرية المصرية مرتبطاً فقط بصفقات السلاح أو بحجم الإنفاق الذي تخصصه القاهرة لتحديث قواتها، بل بات يتركز بصورة متزايدة على توسيع قاعدة التصنيع العسكري المصري المحلي وتطوير منظومات قتالية مصرية الصنع قادرة على تقليص الاعتماد على الخارج وكسر قيود الحصول على بعض الأسلحة والتقنيات المتقدمة.

خلال الأشهر الماضية، خصصت وسائل إعلام إسرائيلية وتقارير أمنية مساحة واسعة للحديث عن البرامج العسكرية المصرية الجديدة، سواء المتعلقة بالطائرات المسيّرة أو تطوير الدبابات أو إنتاج الذخائر ومنظومات التسليح محلياً، معتبرة أن هذا التوجه يمنح القاهرة هامشاً أكبر من الاستقلالية العسكرية ويعزز قدرتها على تطوير أسلحتها بعيداً عن القيود السياسية.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه القاهرة أن برامج التطوير والتصنيع العسكري المصري تأتي في إطار استراتيجية دفاعية طويلة المدى هدفها حماية الأمن القومي المصري والاستعداد للتعامل مع التهديدات الإقليمية المتزايدة، يرى مراقبون أن المخاوف الإسرائيلية تعكس إدراكاً متنامياً بأن مصر لم تعد تكتفي بتنويع مصادر السلاح، بل انتقلت إلى مرحلة بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية.

لماذا يقلق التصنيع العسكري المصري إسرائيل؟

تعددت التقارير الإعلامية الإسرائيلية التي عبرت عن قلقها بشأن التصنيع العسكري المصري المحلي الذي أخذ وتيرة متسارعة مؤخراً، وانعكس ذلك على تراجع الإنفاق المصري على التسليح خلال 2025، وهو ما يطرح تساؤلات حول أبعاد المخاوف الإسرائيلية وما إذا كان التسليح المصري المتطور يشكل خطراً فعلياً على دولة الاحتلال أم أن الأمر يندرج ضمن الاشتباك الإعلامي والسياسي المستمر بين الجانبين.

وقال مصدر عسكري مطلع لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه نظراً لحساسية الموضوع، إن القلق الإسرائيلي ينبع من "كفاءة الأسلحة المصرية المصنعة محلياً"، التي يمكن أن تُحدث تغييراً في موازين القوى بين البلدين، كما أنها تتجاوز قيوداً فُرضت على القاهرة بشأن الحصول على أسلحة أكثر تطوراً تمتلكها إسرائيل.

وتمضي مصر في عملية تطوير الأسلحة والمعدات القتالية، ونجحت في اتخاذ مسارات متعددة بالتوازي مع صفقات لم يتم إبرام بعضها، من خلال توسيع الشراكات الصناعية مع الدول الصديقة التي تمتلك خبرات في التصنيع العسكري، وعبر التوصل إلى تفاهمات مع واشنطن لتطوير أسلحة سبق أن استوردتها مصر منها، ولعل تطوير الدبابة "أبرامز" يعد أبرز الأدلة على ذلك.

وفق المصدر العسكري، فإن مصر تنفذ خطة تطوير شاملة لأسلحتها، من بينها الدبابات التي سبق أن استوردتها من الولايات المتحدة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، قبل التوقيع على اتفاق قبل عامين لتطويرها إلى جانب أسلحة أخرى عبر إدخال تكنولوجيا حديثة عليها لزيادة قدراتها العسكرية.

واستفادت مصر على مدار العقود الماضية من التقنيات التي تمتلكها، يقول المصدر العسكري لـ"عربي بوست"، وباتت هناك خبرات محلية قادرة على إعادة تطويرها محلياً، مثل الدبابة "أبرامز"، حيث تُصنع غالبية مكوناتها محلياً.

ويهدف التعاون مع الولايات المتحدة إلى تعزيز "أبرامز" بأحدث الأنظمة التكنولوجية الموجودة في الدبابات، وأن تكون لديها القدرة على التعامل مع التحديات الأمنية والعسكرية الحديثة، بحيث لا تكون متماشية فقط مع الحروب التقليدية بين الجيوش النظامية، بل أيضاً مع مواجهة التنظيمات الإرهابية.

خطة تطوير شاملة للجيش المصري

كشف المصدر العسكري خلال حديثه لـ"عربي بوست" عن تطوير يجري الآن لسلاح المدرعات المصري إلى جانب سلاح الطائرات والدفاع الجوي، وكذلك تصنيع كميات هائلة من الذخيرة التي تبقى ذات أهمية كبيرة في حال اندلاع حروب أو صراعات ممتدة.

وأكد أن التطوير ليس موجهاً ضد أحد، بل يأتي في إطار استراتيجيات مصرية طويلة المدى، بعد أن حقق الجيش المصري نجاحات مهمة في مجال مكافحة الإرهاب وتمكن من القضاء عليه تقريباً. وأشار إلى أن الاضطرابات الإقليمية تتطلب تسريع وتيرة التصنيع المحلي والتطوير العسكري لصد أي اعتداءات خارجية وتأمين الأبعاد الاستراتيجية للأمن القومي المصري.

وتقوم رؤية تطوير الجيش المصري، يوضح المصدر، على عدم احتكار جهة واحدة لتوريد السلاح أو الاعتماد عليها في مشروعات الشراكة العسكرية، موضحاً أن التحولات بدأت مع تنويع مصادر التسليح قبل الاتجاه إلى تعزيز الشراكات مع دول صديقة في التصنيع المشترك.

ولفت المصدر نفسه إلى أن مصر واجهت ضغوطاً هائلة لإثنائها عن هذا الطريق، غير أنها لم تتراجع واستكملت مسارات تطوير التسليح وصولاً إلى بناء خبرات محلية قادرة على إنتاج أسلحة عبر المصانع التي تم تطويرها أيضاً.

ولم تعد مصر الآن تتخوف من الضغوط المتعلقة بعدم تسليمها قطع الغيار التي تحتاجها أو عدم حصولها على كميات الذخيرة المطلوبة أثناء العمليات القتالية، بعدما أصبحت أكثر قدرة على تلبية جزء مهم من احتياجاتها العسكرية ذاتياً، يوضح مصدر "عربي بوست" العسكري.

وشدد المصدر ذاته على أن مصر لديها شراكات مع دول مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وروسيا والصين وتركيا وكوريا الجنوبية، وفي الوقت ذاته تعمل على التعاون في مجالات التصنيع مع هذه الدول بما يخدم البيئة المصرية ومسرح العمليات المصري ويحقق التناغم بين مختلف المنظومات القتالية.

وأضاف أن أبرز مجالات التعاون حالياً تبقى مع ألمانيا في مجال تصنيع الفرقاطات، التي يشارك في تصنيعها طلاب مصريون في أكاديميات عسكرية، إلى جانب التعاون مع الجانب التركي في مجال تصنيع الطائرات المسيّرة.

المسيّرة التي أثارت اهتمام تل أبيب

مؤخراً، تطرقت وسائل إعلام إسرائيلية إلى المسيّرة المصرية "جبار 150″، التي كشفت عنها مصر خلال معرض "إيديكس 2025" بالقاهرة. واعتبرت منصة "ناتسف نت" الإسرائيلية أن امتلاك مصر لهذا النوع من المسيّرات الهجومية يمثل تطوراً استراتيجياً يستحق المتابعة الدقيقة من جانب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

وأشارت المنصة إلى أن مصدر القلق لا يتعلق فقط بكون الطائرة مصرية الصنع، بل بالقدرات القتالية التي تمتلكها، وفي مقدمتها المدى التشغيلي الكبير وإمكانية حمل رؤوس حربية تزن نحو 50 كيلوغراماً، فضلاً عن قدرتها على تنفيذ مهام هجومية بعيدة المدى.

كما لفتت إلى أن بعض طرازات المسيّرة مزودة بكاميرات تسمح بتحديد الأهداف وتوجيه الضربات بشكل مباشر وفي الوقت الفعلي، وهو ما يمثل تطوراً نوعياً يمنح القوات المسلحة المصرية مرونة عملياتية كبيرة.

وبحسب ما أعلنته القاهرة خلال معرض "إيديكس"، تستطيع "جبار 150" التحليق لمسافة تصل إلى 1500 كيلومتر بسرعة تقارب 200 كيلومتر في الساعة، مع قدرة على البقاء في الجو لما يقرب من 10 ساعات متواصلة، فضلاً عن حمل ذخائر يتراوح وزنها بين 40 و50 كيلوغراماً.

وتعد "جبار 150" بداية لسلسلة من الطائرات المسيّرة المصرية التي تشمل نماذج أكثر تطوراً مثل "جبار 200" و"جبار 250″، وذلك في إطار استراتيجية مصرية تستهدف تعزيز الاعتماد على التصنيع العسكري المحلي وتطوير منظومات الردع الحديثة.

تطوير دبابات "أبرامز" يثير المخاوف

سلطت وسائل الإعلام الإسرائيلية الضوء أيضاً على الصفقة التي أبرمتها القاهرة مع واشنطن لتطوير 555 دبابة "أبرامز M1A1" من أصل 1130 دبابة أمريكية بحوزة الجيش المصري.

ووفق ما تضمنه تقرير لمنصة "ناتسف نت"، سيتولى مصنع 200 الحربي في منطقة أبو زعبل شمال القاهرة، وهو الوحيد خارج الولايات المتحدة المخول له إنتاج مكونات هذا الطراز، إدارة مشروع التطوير بتكلفة إجمالية تبلغ نحو 4.69 مليار دولار.

وأورد التقرير أن هذا التطوير "ينقل الدبابات إلى التكوين M1A1 SA المتقدم، ويجعلها ذات قدرات قتالية فتاكة تشمل الخرائط الرقمية للوعي الظرفي، وأنظمة الرؤية الليلية والحرارية المتطورة، وتدريعاً محصناً ضد الصواريخ، فضلاً عن محركات ونظم نقل حركة جديدة".

وأضافت المنصة الإسرائيلية أن هذه القدرات تجعل فيلق المدرعات المصري واحداً من أكثر الجيوش تقدماً وفتكاً في المنطقة، بقدرات قتالية عالية في مختلف الظروف، وهو ما يثير قلق تل أبيب بصورة مباشرة.

وحسب بيانات وزارة الإنتاج الحربي المصرية، فإن الدبابة "أبرامز" تمثل مدرعة القتال الرئيسية في الجيش المصري، وتبلغ سرعتها نحو 20 ميلاً في الساعة في المتوسط.

كما نجحت القاهرة في رفع نسب المكون المحلي داخل الدبابة تدريجياً عبر خطوط الإنتاج التابعة لمصانعها العسكرية، ضمن مساعيها الرامية إلى بناء قاعدة صناعية قادرة على تلبية جزء مهم من احتياجات الجيش المصري وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية.

الاستفادة من دروس أوكرانيا وإيران

قال مصدر عسكري آخر إن طبيعة الحروب التي اندلعت مؤخراً، سواء في أوكرانيا أو إيران، تشير إلى أنها لا تتوقف سريعاً وتحتاج إلى سنوات طويلة، وهو ما يفرض تحديات تتعلق بتوفير السلاح والذخيرة اللازمين استعداداً لأي طارئ خارجي.

وأوضح أن القاهرة من خلال التصنيع العسكري المصري المحلي لا تبحث عن الانخراط في أي أعمال عسكرية، وتضع الأولوية للسلام، لكن السلام نفسه يحتاج إلى قوة عسكرية قادرة على حمايته.

وأشار إلى أن نمط الحروب الحالية دفع العديد من الدول إلى بناء قواعد صناعية عسكرية محلية، بعدما كانت تعتمد بصورة شبه كاملة على صفقات السلاح الخارجية، مؤكداً أن النموذج المصري ليس استثناءً، وأن إسرائيل تحاول إظهار هذا المسار على أنه يشكل خطراً مباشراً عليها.

وفق المصدر ذاته، فإن مصر لا تنظر إلى تكلفة تصنيع السلاح بقدر ما تهتم بامتلاك القدرة على إنتاج أسلحتها بنفسها، خاصة في ظل القيود المفروضة على بعض أنواع الأسلحة المتطورة التي يتم استيرادها من الخارج، لا سيما من الولايات المتحدة.

وأوضح أن الاستيراد في المستقبل سيركز على بعض الأنظمة التكنولوجية المتخصصة، بينما سيجري الاعتماد بصورة أكبر على التصنيع العسكري المصري المحلي، وهو ما يعد نتيجة مباشرة لنجاح مصر في كسر جزء من التبعية التسليحية التي استمرت لعقود طويلة.

وأشار إلى أن المعونة العسكرية الأمريكية كانت توجه تاريخياً نحو صفقات التسليح الأمريكية، لكن ارتفاع أسعار الأسلحة وتغير طبيعة الصراعات جعلا من الضروري البحث عن بدائل أكثر استدامة.

حدود ملتهبة وحسابات ردع جديدة

بحسب مصدر "عربي بوست"، فإن مصر لديها رغبة في أن يكون هناك طابع خاص لتسليح الجيش المصري، إلى جانب تعزيز قدرات الردع الإقليمية.

وأوضح أن هناك مخططات ما تزال مطروحة لتهجير الفلسطينيين، وهو ما يجعل الحدود الشمالية الشرقية لمصر منطقة شديدة الحساسية، إلى جانب استمرار الصراعات على الحدود الغربية والجنوبية، فضلاً عن اضطرابات الأوضاع في البحر الأحمر.

ولفت المصدر العسكري إلى أن القاهرة تعمل على الاستفادة من الأسلحة التي أحدثت تأثيرات واضحة في ساحات القتال الحديثة، وهو ما يفسر الاتجاه المتزايد نحو تصنيع الطائرات المسيّرة وتطوير أنظمة الرصد والاستطلاع.

وأكد أن جهود التصنيع تشمل العربات المدرعة والدبابات والطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي وأنظمة الاتصالات والرصد والاستطلاع والذخائر والأسلحة المختلفة. ونجحت مصر مؤخراً في صناعة راجمة الصواريخ "رعد 200" ومدفع "هاوتزر K9″، وتصنيع الفرقاطة "ميكو 200″، في إطار توسيع قاعدة التصنيع العسكري المحلي.

استراتيجية توطين الصناعات الدفاعية

مؤخراً، قال وزير الدولة للإنتاج الحربي المصري صلاح جمبلاط إن الحكومة تتحرك بقوة للاعتماد على الإنتاج الحربي المحلي. وأشار إلى أن المرحلة الحالية تعتمد على توطين أحدث التكنولوجيات الصناعية داخل مصر، بما يضمن رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق تنافسية للمنتجات المصرية.

كما أوضح أن خطة التصنيع العسكري المصري المحلي تستهدف الدخول في شراكات جديدة مع القطاع الخاص لتقليل الفاتورة الاستيرادية ودعم الاقتصاد الوطني.

وشهد معرض "إيديكس 2025" عرض 57 منتجاً عسكرياً مصرياً، من بينها 18 منتجاً جديداً بالكامل، وهو ما يعكس التوسع المستمر في برامج التصنيع العسكري.

ولفتت العديد من الأسلحة المصرية الجديدة الأنظار خلال المعرض، من بينها طائرات مسيّرة وراجمة صواريخ ومدفع مضاد للطائرات، إلى جانب الإعلان عن التصنيع المحلي لأجزاء من الطائرة المقاتلة الفرنسية "رافال" التي تعد أحد الأعمدة الرئيسية للقوات الجوية المصرية.

وكشفت مصر للمرة الأولى عن إنتاجها راجمة صواريخ متعددة يصل مداها إلى 300 كيلومتر، بحيث تستطيع "رعد 300" إطلاق أعيرة مختلفة من الذخيرة تتراوح بين 122 و300 ملليمتر، إضافة إلى مواصلة تطوير الراجمة "رعد 200" التي أعلن عنها للمرة الأولى في معرض "إيديكس 2023".

كما ازداد الاهتمام الحكومي بتوسيع قاعدة التصنيع المحلي للأسلحة عبر توقيع شراكات مع دول مختلفة، مثل تصنيع الفرقاطة البحرية "ميكو A-200" بالتعاون مع شركة ألمانية، والفرقاطة "جو ويند" بالتعاون مع فرنسا.

وقبل أيام، وقعت وزارة الإنتاج الحربي اتفاقية تعاون جديدة مع شركة صينية، ضمن جهود نقل التكنولوجيا وتوسيع التصنيع العسكري المصري المحلي.

وفي عام 2020، أعلن وزير الدولة للإنتاج الحربي آنذاك اللواء محمد العصار وضع خطة للاكتفاء الذاتي من الذخائر خلال 3 أعوام، مؤكداً أنه بعد تنفيذها "لن تستورد مصر طلقة ذخيرة واحدة".

تحميل المزيد