كشفت مصادر ليبية خاصة لـ"عربي بوست" أن الوفد الأمريكي الذي زار طرابلس قبل يومين أبلغ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في اجتماع مغلق، بوجود مقترح أمريكي يقضي بإعادة تكليفه برئاسة الحكومة المقبلة، مقابل تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، ضمن ترتيبات سياسية يجري العمل عليها حالياً لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا.
وتسعى الأطراف المنخرطة في مسار المقترح الأمريكي إلى الوصول إلى مرحلة الإعلان السياسي مع نهاية شهر يوليو/ تموز 2026، في إطار مساعٍ أمريكية لإنتاج سلطة تنفيذية موحدة تنهي حالة الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب، لكنها في جوهرها تقوم على تفاهم مباشر بين مركزي النفوذ الأبرز في البلاد: عائلة الدبيبة في طرابلس، وعائلة حفتر في الشرق.
وتتقاطع هذه المعلومات مع تسريبات وتقارير سابقة تحدثت عن مبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تقوم على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا عبر صيغة تبقي عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، وتطرح صدام حفتر داخل مجلس رئاسي جديد، في موازاة دفع واشنطن نحو ترتيبات مالية وسياسية أوسع.
وبينما تقدم واشنطن هذه الترتيبات باعتبارها مدخلاً لإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة، تثير التسريبات المتداولة بشأنها تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية الليبية حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو تسوية انتقالية تمهد لانتخابات شاملة، أم نحو صفقة جديدة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الممسكة بالسلطة والمال والسلاح.
اجتماع أبوظبي لـ"هيكلة" المناصب
تشير معلومات متداولة في أوساط سياسية ليبية، تقاطعت مع ما أكدته مصادر متابعة لـ"عربي بوست"، إلى أن التفاهمات الجارية بين معسكري الشرق والغرب لا تتوقف عند إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، بل تمتد إلى عدد من المؤسسات السيادية والرقابية التي تمثل مفاتيح القرار المالي والإداري في البلاد.
وبحسب هذه المعلومات، شهدت أبوظبي خلال الفترة الماضية اجتماعاً جمع إبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية، وصدام حفتر، نجل قائد قوات الشرق خليفة حفتر، تركز جانب منه على إعادة هيكلة عدد من المناصب السيادية ضمن ترتيبات أوسع يجري بحثها بالتوازي مع المقترح الأمريكي المتعلق بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا.
وبحسب المعلومات التي حصل عليها "عربي بوست" من مصادر فضلت عدم ذكر اسمها لحساسية الموضوع، جرى التفاهم على إعفاء رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، واستبدال محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى بعضو مجلس إدارة المصرف رضا قرقاب، مع الإبقاء على رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه دون تغيير.
وتشير هذه التفاهمات إلى أن الترتيب الجاري لا يستهدف فقط توزيع المواقع السياسية العليا بين الدبيبة وحفتر، بل يمتد إلى مفاصل الدولة المالية والرقابية، إذ إن المصرف المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية ليست مؤسسات هامشية في المشهد الليبي، بل تمثل مفاتيح التحكم في الإنفاق العام، ومراقبة المال العام، وإدارة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات المالية.
كما تزداد حساسية هذه الترتيبات لأن مصرف ليبيا المركزي لا يزال يقدم ناجي عيسى رسمياً بصفته المحافظ ورئيس مجلس الإدارة، فيما يظهر رضا قرقاب ضمن أعضاء مجلس إدارة المصرف، ما يجعل طرح اسمه بديلاً محتملاً يحمل أبعاداً سياسية ومؤسسية تتجاوز مجرد تغيير إداري داخل المؤسسة.
غير أن تنفيذ أي تفاهمات من هذا النوع، في حال صحتها، لن يكون قراراً إدارياً بسيطاً أو قابلاً للتمرير بمجرد اتفاق بين طرفين، إذ إن المناصب السيادية والرقابية في ليبيا تخضع لتوازنات سياسية ومؤسسية معقدة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، كما أن أي تغيير في قيادة المصرف المركزي أو ديوان المحاسبة يحتاج إلى غطاء قانوني وسياسي أوسع، حتى لا يتحول إلى أزمة مؤسسية جديدة بدل أن يكون جزءاً من تسوية شاملة.
من صفقة حكم إلى صفقة مؤسسات
هذا البعد الجديد يغير زاوية قراءة "المسار الأمريكي" بأكمله، فالأمر لم يعد مجرد مقترح لتكليف الدبيبة برئاسة الحكومة وصدام حفتر برئاسة المجلس الرئاسي، بل يبدو كأنه محاولة لإعادة تركيب هرم السلطة من الأعلى إلى الأسفل: الحكومة، المجلس الرئاسي، المصرف المركزي، ديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية.
وبهذا المعنى، فإن الترتيب المحتمل لا يستهدف فقط إنهاء الانقسام بين حكومتين، بل إعادة توزيع مفاتيح القرار السياسي والمالي والرقابي بين الطرفين، إذ يحتاج الدبيبة إلى ضمان استمراره في السلطة التنفيذية، بينما يحتاج حفتر إلى اعتراف سياسي أعلى عبر صدام، فيما تحتاج أي تسوية من هذا النوع إلى ضبط المؤسسات التي تراقب المال وتتحكم في الإنفاق.
هنا تكمن حساسية التفاهمات، فإذا دخلت المناصب السيادية والرقابية ضمن تسويات سياسية مغلقة، فإن المؤسسات التي يفترض أن تكون أدوات مساءلة وضبط قد تتحول إلى جزء من معادلة تقاسم النفوذ. وهذا يعني أن التسوية، بدل أن تبني دولة مؤسسات، قد تعيد إنتاج نظام محاصصة جديد، لكن بواجهة أكثر تنظيماً.
الميزانية كمقدمة لإنهاء الانقسام
التحرك الأمريكي في ليبيا لا يبدأ من فراغ، إذ أُعلن في أبريل/ نيسان 2026، اعتماد أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ أكثر من عقد، بقيمة 190 مليار دينار ليبي، في خطوة قُدمت على أنها مدخل لإنهاء الانقسام المالي بين الشرق والغرب. وذكرت رويترز أن هذا الاتفاق جاء بعد أشهر من التيسير الأمريكي، بينما رحب به مسعد بولس باعتباره جزءاً من مسار أوسع نحو السلام والوحدة الوطنية.
كما أعلن مصرف ليبيا المركزي، في 11 أبريل/ نيسان 2026، أن المحافظ ناجي عيسى أعلن اعتماد أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، معتبراً أن الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يمثل خطوة محورية نحو إنهاء الانقسام المالي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
لكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن الترتيبات السياسية الجارية تبدو قاصرة، إذ تتحرك واشنطن، وفق مصادر سياسية متابعة، عبر 3 سلال مترابطة: توحيد الإنفاق العام، ثم إعادة ترتيب المؤسسات المالية والرقابية، ثم إنتاج سلطة تنفيذية جديدة قادرة على إدارة هذا التوازن.
وبهذا المعنى، فإن الحديث عن تغيير محافظ المصرف المركزي أو إعفاء رئيس ديوان المحاسبة لا يبدو تفصيلاً إدارياً، بل جزءاً من صلب الترتيب السياسي. فالسيطرة على الحكومة دون ضبط المصرف المركزي وديوان المحاسبة تبقى سيطرة ناقصة، خصوصاً في بلد تُدار فيه القوة السياسية، إلى حد كبير، عبر المال العام وشبكات الإنفاق والولاءات.
هل يجري تسويق صدام حفتر دولياً؟
في موازاة التفاهمات السياسية المتداولة، برزت تحركات خارجية لافتة لصدام حفتر، كان أبرزها زيارته إلى العاصمة الفرنسية باريس ولقاؤه الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، وفق ما أوردته وسائل إعلام ليبية ودولية، وتركزت المباحثات، بحسب ما نُشر، على العلاقات الثنائية والملفات الأمنية والعسكرية وسبل دعم مسارات الاستقرار في ليبيا.
غير أن أهمية زيارة صدام حفتر إلى باريس لا ترتبط فقط بمضمون اللقاءات، بل أيضاً بتوقيتها، فهي تأتي في وقت تتزايد فيه المعلومات حول دور محتمل لصدام حفتر داخل أي سلطة تنفيذية جديدة، ما يمنحها بعداً سياسياً يتجاوز الطابع البروتوكولي أو الدبلوماسي التقليدي.
وتقرأ مصادر متابعة هذه التحركات باعتبارها جزءاً من اختبار أوسع لمستوى القبول الدولي بشخصية صدام حفتر كفاعل سياسي محتمل داخل مؤسسات الدولة الليبية، بعد سنوات ارتبط فيها اسمه بصورة أساسية بالموقع العسكري داخل معسكر والده في شرق البلاد.
كما تشير معلومات متداولة إلى احتمال قيامه بزيارة مرتقبة إلى العاصمة السعودية الرياض، فيما يبدو أنه مسعى للحصول على غطاء إقليمي موازٍ للقبول الدولي، أو على الأقل ضمان عدم وجود اعتراض من العواصم المؤثرة على أي دور سياسي قد يلعبه مستقبلاً.
لكن هذا المسار يثير في الوقت نفسه تساؤلات داخل الأوساط الليبية بشأن طبيعة التحول الجاري. فهل يتعلق الأمر بمحاولة لإدماج الشرق الليبي بصورة أكبر في مؤسسات الدولة الموحدة، أم أنه يمثل بداية انتقال النفوذ السياسي والعسكري داخل عائلة حفتر إلى جيل جديد من القيادات؟
اعتراضات ومخاوف من تجاوز المؤسسات
رغم الزخم الذي يحيط بالتفاهمات المتداولة، فإنها تواجه اعتراضات مبكرة داخل المشهد الليبي، خصوصاً من جانب المؤسسات التي تخشى أن تجد نفسها خارج ترتيبات يجري التفاوض بشأنها بعيداً عن الأطر السياسية القائمة.
فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة في أبريل/ نيسان 2026، رفضه أي تسوية سياسية تتم خارج إطار الاتفاق السياسي الليبي، مؤكداً عدم اعتداده بأي تمثيل له في أي مفاوضات أو ترتيبات لا تستند إلى تفويض رسمي صادر عنه. وجاء هذا الموقف بالتزامن مع تداول معلومات عن مبادرة أمريكية يشرف عليها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وتستهدف إعادة ترتيب السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية ومعسكر حفتر.
وتكمن أهمية هذا الاعتراض في أن المجلس الأعلى للدولة كان شريكاً في التفاهمات التي أفضت إلى اعتماد الميزانية الموحدة، لكنه يرفض في المقابل أن تتحول التفاهمات المالية إلى مدخل لفرض تسوية سياسية مغلقة.
وهو ما يعكس انقساماً واضحاً بين من يرى في المقاربة الأمريكية فرصة لإنهاء حالة الانسداد السياسي، ومن يعتبرها تجاوزاً للمؤسسات الليبية وإعادة إنتاج للسلطة عبر تفاهمات بين مراكز النفوذ السياسية والعسكرية.
ولا تقتصر التحفظات على غرب ليبيا فقط، فقد تحدثت تقارير عن وجود تباينات داخل معسكر حفتر نفسه بشأن مبادرة بولس، خاصة أن الدفع بصدام حفتر إلى واجهة المجلس الرئاسي قد يعيد ترتيب موازين القوة داخل العائلة والمؤسسة العسكرية في الشرق الليبي.
بين خارطة الأمم المتحدة ومقاربة واشنطن
تأتي هذه التحركات القائمة على أساس المقترح الأمريكي، في وقت تواصل فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الترويج لخارطة طريق تنتهي بإجراء انتخابات وطنية خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً، بعد استكمال مجموعة من الترتيبات السياسية والمؤسسية والأمنية.
وتقوم المقاربة الأممية في ليبيا على حزمة مترابطة تشمل اعتماد إطار انتخابي قابل للتطبيق، وتوحيد المؤسسات تحت حكومة جديدة، وإطلاق حوار منظم حول قضايا الحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة، وصولاً إلى انتخابات تمنح الشرعية للسلطات الجديدة.
لكن المقترح الأمريكي بشأن ليبيا، كما تعكسه التسريبات والمعلومات المتداولة، يبدو أقرب إلى منطق مختلف يقوم على توحيد السلطة أولاً عبر تفاهم بين القوى الأكثر نفوذاً على الأرض، ثم الانتقال لاحقاً إلى بقية الاستحقاقات السياسية.
وهنا يبرز أحد أكثر الأسئلة حساسية في المشهد الليبي الحالي: هل تمثل هذه الترتيبات مرحلة انتقالية مؤقتة تمهد للانتخابات، أم أنها قد تتحول إلى بديل طويل الأمد عن المسار الانتخابي نفسه؟
فإذا جرى تمرير السلطة الجديدة قبل حسم القواعد الانتخابية والضمانات المرتبطة بها، فقد تتحول الانتخابات إلى استحقاق مؤجل مرة أخرى. أما إذا ارتبطت أي سلطة تنفيذية جديدة بجدول زمني واضح وضمانات ملزمة لإجراء الانتخابات، فقد يُنظر إليها باعتبارها مرحلة انتقالية محددة الأهداف لا صفقة سياسية دائمة.
الاختبار الحقيقي لأي تسوية
ورغم أهمية التفاهمات الدولية والإقليمية، يبقى نجاح أي ترتيب سياسي مرهوناً بقدرته على الصمود داخل ليبيا نفسها، وتحديداً في العاصمة طرابلس التي ظلت خلال السنوات الماضية العامل الحاسم في نجاح أو فشل أكثر من مبادرة سياسية.
إعادة تكليف عبد الحميد الدبيبة قد تمنح المقترح الأمريكي فرصة للمرور داخل جزء من مؤسسات الغرب الليبي، لكنها لا تضمن بالضرورة قبول جميع القوى السياسية والعسكرية الموجودة في العاصمة ومحيطها، والتي تمتلك بدورها حسابات ومصالح قد لا تتطابق مع الترتيب المطروح.
وفي المقابل، فإن وضع صدام حفتر على رأس المجلس الرئاسي قد يفتح باباً واسعاً للاعتراض داخل أوساط سياسية ومدنية تعتبر أن مثل هذا الخيار يكرس انتقال النفوذ داخل العائلة الواحدة أكثر مما يعبر عن انتقال نحو دولة مدنية تقوم على المؤسسات والانتخابات.
ولهذا، فإن نجاح الترتيب المطروح لن يتوقف فقط على موافقة الدبيبة أو حفتر، ولا على الدعم الأمريكي أو الفرنسي، بل على قدرته على تحييد القوى المسلحة المؤثرة في طرابلس، وطمأنة مجلسي النواب والدولة، والحصول على غطاء أممي وإقليمي يمنع ظهوره كصفقة مفروضة من الخارج.
ولم يتسنَّ لـ"عربي بوست" الحصول على تعليق فوري من حكومة الوحدة الوطنية أو القيادة العامة أو مصرف ليبيا المركزي أو ديوان المحاسبة بشأن هذه المعلومات حتى وقت النشر.
سلطة موحدة أم محاصصة أكثر تنظيماً؟
تتقاطع المعلومات الخاصة التي حصل عليها "عربي بوست" بشأن المقترح الأمريكي بشأن ليبيا مع سلسلة من المؤشرات السياسية المتسارعة: مبادرة مسعد بولس، اعتماد الميزانية الموحدة، زيارة صدام حفتر إلى باريس، ومعلومات متداولة عن تفاهمات تتعلق بالمناصب السيادية والرقابية.
والعنوان المعلن لكل هذه التحركات هو توحيد السلطة وإنهاء الانقسام المستمر منذ سنوات، لكن خلف هذا العنوان تبرز معركة أخرى تتعلق بإعادة توزيع مراكز النفوذ السياسي والعسكري والمالي داخل الدولة الليبية. فإذا نجح هذا الترتيب ضمن إطار زمني واضح يقود إلى الانتخابات ويضمن توحيد المؤسسات، فقد يشكل مدخلاً لإنهاء الانقسام المزمن.
أما إذا تحول إلى صفقة مغلقة بين مراكز القوة التقليدية تشمل الحكومة والمجلس الرئاسي والمؤسسات المالية والرقابية، فإن ليبيا قد لا تكون أمام نهاية للانقسام، بل أمام نسخة أكثر تنظيماً منه: سلطة موحدة في الشكل، ومحاصصة سياسية ومؤسسية في الجوهر.