وسط مخاوف من “فخ استراتيجي”.. طهران حائرة بين استئناف محتمل للحرب أو التوصل لاتفاق مع واشنطن

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/14 الساعة 07:54 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/14 الساعة 07:54 بتوقيت غرينتش
مسار جديد للمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة/ عربي بوست

تتزايد التقارير والأخبار التي تتحدث عن الاقتراب من إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، والتوقيع على مذكرة تفاهم بين البلدين لمدة 60 يوماً، ومن بعدها التحضير لمفاوضات أوسع نطاقاً تشمل البرنامج النووي الإيراني، وباقي الملفات الخلافية بين البلدين.

وبالرغم من التصريحات المتتالية على مدار الأيام القليلة الماضية، التي دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إطلاقها بشأن الاقتراب الوشيك من التوقيع على مذكرة التفاهم مع إيران، وعلى الرغم من نشر وسائل الإعلام الإيرانية المحلية في الوقت نفسه الكثير من بنود مذكرة التفاهم هذه، لكن دون التأكيد على موافقة إيرانية نهائية، إلا أن صناع القرار الإيرانيين سواء الامنيين أو السياسين، يعتقدون أن علي طهران الخروج فوراً من حالة وقف إطلاق النار الاسمي، سواء باستئناف الحرب أو بالتوصل إلى اتفاق مؤقت مع الولايات المتحدة.

و لتوضيح الصورة أكثر، قال مصدر أمني إيراني مقرب من المؤسسة العسكرية الايرانية، لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه نظراً لحساسية الموضوع، إن "التوقيع النهائي على مذكرة التفاهم ليس مضموناً حتى يومنا هذا، ولكن الأكيد أن إيران لا ترغب في الاستمرار في حالة وقف إطلاق النار الاسمي، وتكرار ما حدث في الأسابيع الماضية".

وعلى ذكر الأسابيع القليلة الماضية، فقد تبادلت كلاً من إيران والولايات المتحدة الهجمات، فشنت طهران هجوماً على إسرائيل رداً علي استهداف الأخيرة للضاحية الجنوبية في لبنان، واستهدفت أيضاً مطار الكويت الدولي وأطلقت موجة قصيرة من الهجمات باتجاه البحرين مستهدفة القواعد الأمريكية في الخليج. 

جاء الهجوم الإيراني هذا رداً على تعطيل القوات البحرية الأمريكية لعبور سفينة كانت متجهة إلى جزيرة خرج الايرانية، وتوالت هذه الاستهدافات المتبادلة بين واشنطن وطهران، ووصف كلا الجانبين كل تبادل لاطلاق النار بانه رد علي سابقه، محافظين بذلك على وقف إطلاق للنار اسمياً فقط.

القلق من إضعاف النفوذ الإيراني

بحسب المصادر الأمنية والسياسية المطلعة والتي تحدثت لـ"عربي بوست"، تتصاعد المخاوف داخل دوائر صنع القرار الايرانية، وخاصة الحرس الثوري الايراني، من أن يتحول وقف إطلاق النار بشكله الحالي إلى فخ استراتيجي لإيران.

وفي هذا الصدد، يقول مسؤول إيراني مقرب من المؤسسة الأمنية الإيرانية، لـ"عربي بوست"، إذا طال أمد المفاوضات والأخذ والرد فيما يتعلق بمذكرة التفاهم، فإن هذا الوضع يتم تفسيره داخل المؤسسات الإيرانية الحاكمة علي أنه فخ استراتيجي لإيران من قبل الولايات المتحدة واسرائيل".

وأضاف المصدر ذاته قائلاً "يرى القادة الإيرانيون أن استمرار وقف إطلاق النار الاسمي، بأنه فرصة ذهبية لاسرائيل والولايات المتحدة لإعادة صياغة نتائج الحرب، ورفع مستوى الضغط العسكري والاقتصادي على إيران لانتزاع التنازلات منها على طاولة المفاوضات".

ويرى على رضا مقصودي، الخبير السياسي والأمني المقرب من دوائر صنع القرار في إيران، أن استمرار المسار الدبلوماسي بجانب الاستمرار في حالة وقف إطلاق النار الاسمي، هي مرحلة ضاغطة على القيادة الايرانية، وتنذر باستئناف محتمل وقريب للحرب.

وأوضح في تصريحه لـ"عربي بوست"، "لا تتعامل القيادة الإيرانية مع الوضع الراهن على أنه مرحلة تهدئة لبحث المسار الدبلوماسي، بل أنها ترى أن وقف إطلاق النار وسط تبادل الهجمات مع الولايات المتحدة حتى وإن كانت على نطاق ضيق، تعني تحول في شكل الصراع وليست مرحلة تهدئة، ومحاولة من الأمريكيين إيجاد أدوات جديدة لإضعاف النفوذ الذي اكتسبته إيران خلال أربعين يوماً من الحرب".

مضيق هرمز

يشكل مضيق هرمز في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية أداة ضغط ترجمت صمود إيران في الحرب إلى نفوذ سياسي واقتصادي ملموس. هذا الممر المائي الذي يعبر من خلاله خمس النفط والغاز المسال عالمياً، أتاح لإيران فرصة ذهبية للردع الاقتصادي لتعويض التفوق العسكري والاستخباراتي لكلاً من الولايات المتحدة واسرائيل بأقل تكلفة.

لكن بعد أن أحكمت الولايات المتحدة حصارها البحري على إيران، وقامت القوات البحرية الأمريكية في الأيام القليلة الماضية بتأمين ممر لعبور السفن العالقة في المضيق، بدأت القيادة الإيرانية تشعر بأنها قد تفقد أداة نفوذها الاستراتيجية شيئا فشيئا إذا استمرت فترة وقف إطلاق النار.

وفي هذا الصدد، يقول المصدر الأمني الإيراني لـ"عربي بوست"، "سيطرة إيران على مضيق هرمز، ضمنت لها نفوذاً استراتيجياً لم تحقق نتائج الميدان، وأمنت لها بطاقة بقوة على طاولة المفاوضات، لكن ما يحدث مؤخرا ينذر بحرمان إيران من هذه الأداة".

وأضاف المصدر ذاته قائلاً "هناك قلق داخل المؤسسة الحاكمة الإيرانية من أن واشنطن من خلال حصارها البحري لإيران، وإقدامها على تأمين ممر لعبور السفن، تهدف إلى إضعاف الاهمية الجيوسياسية للمضيق بشكل تدريجي".

وبحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإنه إذا فشلت طهران في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، تفكر القيادة الإيرانية في عدم الاستسلام للوضع الحالي لمضيق هرمز، حتى وأن اضطرت طهران إلى اغلاقه بشكل كامل، لتجنب تآكل النفوذ الاستراتيجي لمضيق هرمز، قبل الحصول على تنازلات من الولايات المتحدة.

تطبيع الهجمات الأمريكية على الأراضي الإيرانية

لم تتوقف مخاوف القيادة الإيرانية عند القلق من فقدان تأثير مضيق هرمز، بل امتدت إلى القلق من تطبيع الهجمات الأمريكية على الأراضي الإيرانية.

وبحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، ينصّب القلق الإيراني حالياً على تطبيع الهجمات الأمريكية على إيران في ظل عدم التوصل إلى اتفاق واستمرار وقف إطلاق النار بشكله الحالي.

وبدأت القيادات الإيرانية في مقارنة ما حدث مؤخراً من تبادل الهجمات مع الولايات المتحدة، بما كان يحدث بين حزب الله في جنوب لبنان واسرائيل.

ويقول علي رضا مقصودي، لـ"عربي بوست"، "في النقاشات الاستراتيجية الحالية في ايران، يكمن القلق في تكرار لنموذج حزب الله واسرائيل في السنوات الماضية، حيث تترسخ ديناميكية تقوم على هجمات امريكية متكررة ضد الأراضي الايرانية، يقابلها رد إيراني محدود ضد القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، وفي الوقت نفسه تحتفظ الولايات المتحدة بالقوة العسكرية لتهديد إيران باستمرار".

وأضاف مقصودي "فقد فسرت القيادة الإيرانية الهجمات الأمريكية على جزيرة قشم الإيرانية والسواحل الإيرانية الأخرى على أنها بمثابة محاولة أمريكية لتجريد إيران من قوة الردع، واستباحة الأراضي الإيرانية ضمن اتفاق وقف إطلاق نار وهمي".

تداعيات استئناف الحرب

ترى بعض الأصوات في إيران أن استئناف الحرب هو الحل الأمثل للخروج من المأزق الحالي الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران تحت مسمى وقف إطلاق النار.

ولكن في الوقت نفسه، تخشى القيادة الإيرانية من التداعيات الاقتصادية لاستئناف الحرب، وبحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن إيران تعيش حالياً في أزمة اقتصادية غير مسبوقة وزادت من حدتها الحصار الأمريكي للسواحل الإيرانية وما ترتب علي هذا الحصار من منع إيران من عائدات صادراتها النفطية.

هذا بالإضافة إلى تكلفة إعادة الإعمار المؤجلة إلى الآن، ولا تجد القيادة الإيرانية حلا أمامها سوى التمسك باداة الضغط المتمثلة في مضيق هرمز من أجل كسر الحصار البحري الأمريكي على سواحلها.

ويرى المصدر الأمني الإيراني، أن هناك حل آخر يتمثل في الحصول على ضمانات اقتصادية بتخفيف العقوبات وكسر الحصار البحري الأمريكي، من خلال مسار كسر الحصار الاقتصادي بالقوة، فيقول لـ"عربي بوست"، "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وواصلت واشنطن حصارها البحري على ايران، فلن يكون أمام طهران سوى القوة وكسر الحصار الأمريكي لتأمين مرور سفن النفط الإيرانية إلى الصين واستئناف عائدات النفط لحل الازمة الاقتصادية".

حسم الصراع

تقول المصادر الإيرانية المطلعة التي تحدثت لـ"عربي بوست"، أن النقاش الحالي داخل المؤسسات الحاكمة الإيرانية، الآن لا يقتصر فقط على قدرة المسار الدبلوماسي على حل الازمة الحالية، أو قبول أو رفض الدبلوماسية، بل حول مدى قدرة هذا المسار على إخراج إيران من أزمتها الحالية.

لذلك ترى المؤسسة الحاكمة في إيران، أن المشكلة ليست في المفاوضات بل في خوض المفاوضات بالاستناد إلى نتائج ميدانية قوية قادرة على حماية أوراق النفوذ الإيراني.

ويختتم على رضا مقصودي حديثه لـ"عربي بوست" قائلا "بصرف النظر عما إذا كانت الأيام المقبلة ستحمل اتفاقا ام جولة جديدة من الصراع، فإن حسم الحرب سيكون من نصيب الطرف الأكثر قدرة على  فرض واقعه الجيوسياسي وحماية أوراق نفوذه".

تحميل المزيد