أزمة السفير: القاهرة ودمشق تتجهان إلى تسوية ملف البعثة السورية في مصر.. والأولوية للتعاون الاقتصادي والأمني

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/11 الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/11 الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش
إغلاف ملف أزمة تعيين سفير سوريا في مصر/ عربي بوست

تتجه أزمة تعيين سفير سوريا في مصر إلى الإغلاق بعد تفاهمات مصرية ـ سورية شملت اسم السفير الجديد وتركيبة البعثة الدبلوماسية، في خطوة تعكس رغبة متبادلة في تجنب أي توتر سياسي بين البلدين، بعد أن شهدت الأيام الماضية جدلاً بسبب تقارير بشأن تحفظ القاهرة على المرشح السوري لرئاسة البعثة الدبلوماسية في مصر.

وبحسب معلومات حصل عليها "عربي بوست"، فإن النقاشات التي جرت بين الجانبين لم تصل في أي مرحلة إلى مستوى الخلاف الدبلوماسي المباشر، بل بقيت ضمن الأطر المعتادة المتعلقة باعتماد رؤساء البعثات الدبلوماسية، قبل أن تنتهي بتوافق على مرشح جديد لمنصب سفير سوريا في مصر حظي بقبول القاهرة.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحركات اقتصادية متسارعة بين البلدين، تشمل ملفات إعادة الإعمار والطاقة والاستثمار، ما يدفع مراقبين إلى اعتبار تسوية ملف السفير جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء الثقة وتوسيع التعاون بين القاهرة ودمشق بعد سنوات من الحذر السياسي الذي طبع العلاقات بين البلدين.

كيف انتهت أزمة سفير سوريا في مصر؟

قال مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن الجدل الذي أثير حول السفير السوري جرى تضخيمه إعلامياً، موضحاً أن المسألة لم تتجاوز كونها اقتراحاً سورياً لاسم رئاسة البعثة الدبلوماسية أبدت القاهرة بعض الملاحظات بشأنه، قبل أن تبادر دمشق إلى تقديم مرشح آخر حظي بقبول الجانب المصري.

وأكد المصدر أن النقاشات التي جرت بين الدوائر الدبلوماسية المصرية والسورية لم تحمل أي مؤشرات على وجود توتر بين البلدين، بل تمت في إطار من التفاهمات المعتادة المرتبطة باعتماد البعثات الدبلوماسية، وانتهت بما يشبه الموافقة الكاملة من القاهرة على تركيبة البعثة السورية الجديدة.

وأضاف أن اعتماد السفير الجديد لا يعكس أزمة بقدر ما يعكس تطوراً إيجابياً في العلاقات، لأن اعتماد رؤساء البعثات الدبلوماسية يخضع لاعتبارات سيادية وأعراف دبلوماسية متعارف عليها بين الدول، مشيراً إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة يؤكد وجود رغبة متبادلة في تسهيل الاتصالات الرسمية ورفع مستوى التنسيق بين البلدين.

وكانت تقارير إعلامية عربية قد تحدثت عن اعتراض القاهرة على ترشيح الخارجية السورية لمحمد طه الأحمد لمنصب سفير سوريا في مصر، مشيرة إلى تحفظات مصرية مرتبطة بخلفياته السياسية وبعض أعضاء البعثة المقترحة. لكن مصادر مصرية وسورية أكدت لاحقاً أن دمشق قدمت مرشحاً جديداً لرئاسة البعثة هو يحيى دياب، وأن الأمور تتجه نحو اعتماده رسمياً.

ويشغل دياب عضوية المكتب التنفيذي ومكتب العلاقات الخارجية والدبلوماسيين في التجمع الوطني الحر للعاملين في مؤسسات الدولة السورية، كما سبق له العمل في بعثات دبلوماسية سورية في روما وأبوظبي والكويت وبلغراد، وتولى رئاسة اللجنة النقابية في وزارة الخارجية السورية، وهو حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق.

بناء الثقة بين القاهرة ودمشق

بحسب المصدر المصري الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع، فإن العلاقات بين مصر وسوريا تتحرك حالياً في مسار تصاعدي، مع وجود جهود متواصلة بين البلدين لإعادة بناء الثقة وتوسيع التنسيق الدبلوماسي والاستثماري بين القاهرة ودمشق.

وأوضح المصدر ذاته أن اعتماد السفير الجديد جاء بعد سلسلة من الاتصالات السياسية والدبلوماسية، شملت لقاءات بين وزيري خارجية البلدين، إضافة إلى لقاء جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس السوري أحمد الشرع قبل نحو شهر، فضلاً عن اجتماعات اقتصادية متكررة خلال الأشهر الماضية.

وأشار المصدر إلى أن توصيف الوضع الحالي للعلاقات بين البلدين هو وجود بوادر واضحة لمزيد من التعاون بعد فترة من الجمود النسبي، وإن كانت العلاقات لم تصل بعد إلى مستوياتها التاريخية السابقة.

وتنظر القاهرة بإيجابية إلى عدد من الخطوات التي اتخذتها دمشق خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها التأكيد على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، والسعي إلى بناء علاقات إقليمية متوازنة، والعمل على تأسيس جيش وطني يمثل مختلف مكونات المجتمع السوري، إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني في الملفات المرتبطة بالعناصر المتورطة في أعمال عنف داخل مصر.

وشدد المصدر المصري المطلع على أن سياسة القاهرة تقوم على تجنب الدخول في صدامات أو توترات مع الدول العربية، خصوصاً في ظل الأوضاع الإقليمية المعقدة، ولذلك حرصت القاهرة على إدارة ملف سفير سوريا في مصر عبر الحوار والتفاهم، بدلاً من السماح بتحوله إلى أزمة سياسية أو إعلامية مفتوحة.

الاقتصاد يقود التقارب بين البلدين

يرى مسؤولون ومراقبون أن الجانب الاقتصادي بات المحرك الأبرز للعلاقات المصرية السورية خلال المرحلة الحالية. وبحسب المصدر المصري، تسعى الحكومة السورية إلى الاستفادة من الخبرات المصرية في ملفات إعادة الإعمار، بينما صدرت توجيهات مصرية لتشجيع الشركات المصرية على دراسة فرص الاستثمار والعمل داخل سوريا.

كما كشف المصدر عن وجود ترتيبات مرتبطة بنقل الغاز المصري إلى سوريا، في إطار حزمة أوسع من مشاريع التعاون الاقتصادي والطاقة بين البلدين.

وفي هذا السياق، شهد مطلع العام الحالي زيارة وفد تجاري مصري إلى دمشق، كما زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني القاهرة في مايو/ أيار الماضي على رأس وفد اقتصادي موسع ضم ممثلين عن قطاعات مختلفة، وأسفرت الزيارة عن الاتفاق على تشكيل مجلس الأعمال السوري المصري المشترك.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أكد خلال استقباله وفداً من اتحاد الغرف التجارية المصرية في دمشق أن العلاقات بين سوريا ومصر "ليست ترفاً وإنما واجب"، داعياً إلى وضعها على المسار الصحيح.

كما عرض الشرع رؤية واسعة للتعاون الاقتصادي تشمل الموانئ والتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وإصلاح قطاعات النفط والسكك الحديدية، ومد شبكات الألياف البصرية عبر الأراضي السورية لربط آسيا بأوروبا، إضافة إلى مشروع "السلة الغذائية" المشتركة بين سوريا ومصر والعراق.

الهواجس الأمنية وحدود الانفتاح المصري

رغم الأجواء الإيجابية التي تطبع العلاقات بين مصر وسوريا، لا تزال القاهرة تنظر إلى بعض الملفات الأمنية باعتبارها معياراً أساسياً لتقييم تطور العلاقات مع دمشق.

بحسب محلل سياسي مصري، فإن المشاورات المكثفة التي جرت خلال الأسبوعين الماضيين أسفرت عن تفاهمات بشأن الأسماء المرشحة للبعثة السورية، وهو ما يمهد لاعتماد التمثيل الدبلوماسي الكامل قريباً، لكن ذلك لا يلغي وجود ملفات أمنية لا تزال مطروحة على طاولة النقاش.

وأوضح المحلل السياسي، في حديث لـ"عربي بوست"، أن سوريا أكدت خلال اتصالاتها الأخيرة رغبتها في تطوير العلاقات، وهو ما تقابله القاهرة بانفتاح متزايد، لكنها في الوقت نفسه تفضل بناء الثقة بشكل تدريجي ومدروس.

فيما لا تزال مصر تبدي قلقاً إزاء وجود عناصر متهمة بالتحريض على العنف في مصر داخل الأراضي السورية، وكانت ترغب في استعادة بعض هؤلاء الأشخاص دون أن تحقق تقدماً ملموساً في هذا الملف حتى الآن، وفق ما صرح به المحلل السياسي لـ"عربي بوست".

وأكد أن القاهرة ترى أن التعاون الأمني يجب أن يسير بالتوازي مع التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، وأن غياب التقدم في هذا المسار قد ينعكس سلباً على ملفات أخرى شهدت تطوراً خلال الأشهر الماضية.

وأضاف أن الرسائل المصرية الموجهة إلى دمشق كانت واضحة، ومفادها أن تطوير العلاقات يجب أن يكون شاملاً ولا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يشمل أيضاً الملفات الأمنية والسياسية ذات الاهتمام المشترك.

استثمارات بمليارات الدولارات

تستند الرهانات الاقتصادية بين البلدين إلى قاعدة واسعة من المصالح المشتركة التي تراكمت خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2011 تحولت مصر إلى وجهة رئيسية للاستثمارات السورية، حيث انتقل إليها آلاف رجال الأعمال والصناعيين السوريين، وأسسوا مشاريع وشركات في قطاعات متعددة.

وبحسب بيانات وزارة التجارة السورية، يوجد في مصر نحو 30 ألف مستثمر سوري أسسوا أكثر من 16 ألفاً و300 شركة، إضافة إلى نحو 7 آلاف معمل وورشة، باستثمارات تقدر بمليارات الدولارات، فضلاً عن تسجيل 1403 شركات ومؤسسات جديدة خلال النصف الأول من عام 2025 فقط.

وفي مايو/ أيار 2026 أصدر وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار قراراً بتشكيل مجلس الأعمال السوري المصري، بهدف تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.

كما أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال استقباله نظيره السوري أسعد الشيباني، عمق الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين، مشدداً على دعم مصر لاستقرار سوريا ووحدة أراضيها ومؤسساتها الوطنية.

وأعرب عبد العاطي عن رفض القاهرة للانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية، مؤكداً ضرورة الالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 وإنهاء احتلال الجولان.

وبينما لا تزال بعض الملفات الأمنية والسياسية بحاجة إلى مزيد من التفاهمات، فإن تسوية أزمة السفير السوري تبدو مؤشراً على أن القاهرة ودمشق انتقلتا من مرحلة إدارة الحذر إلى مرحلة اختبار فرص التعاون، مع رهان متزايد على الاقتصاد والاستثمار باعتبارهما البوابة الأسرع لتثبيت التقارب السياسي بين البلدين.

تحميل المزيد