اللجوء في مصر: قانون جديد ولجنة دائمة لإدارة الملف.. فما هدف القاهرة؟ وما مخاوف الوافدين؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/06/09 الساعة 13:41 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/06/09 الساعة 13:42 بتوقيت غرينتش
تدابير جديدة أقرتها مصر للتعامل مع ملف اللاجئين في البلاد/ عربي بوست

دخل ملف اللجوء في مصر مرحلة جديدة بعد إقرار اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء، في خطوة تنقل مسؤولية إدارة ملف اللاجئين في مصر تدريجياً من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى الدولة المصرية عبر "اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين".

وبينما تؤكد القاهرة أن قانون اللجوء في مصر يهدف إلى تنظيم أوضاع ملايين اللاجئين والمقيمين الأجانب، وتوفير إطار قانوني أكثر وضوحاً يحفظ الحقوق ويراعي اعتبارات الأمن القومي، تتزايد تساؤلات ومخاوف لدى آلاف الوافدين بشأن قدرتهم على توفيق أوضاعهم القانونية خلال المرحلة الانتقالية، وإمكانية تجاوز التعقيدات التي رافقت إجراءات التسجيل والإقامة خلال السنوات الماضية.

وتراهن الحكومة المصرية على أن اللائحة التنفيذية بشأن اللجوء في مصر ستغلق ثغرات قانونية وأمنية استمرت لسنوات، خصوصاً مع وجود أعداد كبيرة من المقيمين من المهاجرين واللاجئين الذين لا يملكون أوضاعاً قانونية مكتملة أو وثائق إقامة سارية.

في وقت يرى حقوقيون وممثلون عن اللاجئين أن نجاح المنظومة الجديدة سيتوقف على سرعة تشكيل اللجنة المختصة، وقدرتها على استيعاب الأعداد الضخمة من طالبي اللجوء، وضمان عدم تحول إجراءات التقنين إلى عبء إضافي على الفئات الأكثر هشاشة.

قانون اللجوء في مصر

قال مصدر حكومي لـ"عربي بوست" إن قانون اللجوء في مصر يستهدف تقنين أوضاع من وفدوا إلى مصر خلال السنوات الماضية بسبب الحروب والصراعات أو من جاءوا لأسباب أخرى واختاروا الإقامة في البلاد، وهو ما يجعل عدد الوافدين يتجاوز 10 ملايين شخص.

وأوضح المصدر أن مصر أصبحت أمام وضعية جديدة فرضت ضرورة وجود تشريعات وآليات أكثر تنظيماً لإدارة الملف، مشيراً إلى أن الدولة بدأت عملياً الاستعداد لتطبيق القانون منذ إقراره قبل نحو عامين، مع العمل على تشجيع الوافدين على تقنين أوضاعهم القانونية، وفي الوقت نفسه ملاحقة المخالفين ما يراعي أولويات الأمن القومي المصري والالتزامات الدولية والإنسانية التي وقعت عليها القاهرة.

لا يهدف القانون إلى إعادة من لجأوا إلى مصر ما دامت الصراعات مستمرة في بلدانهم الأصلية، بل يهدف إلى تنظيم وضعية بقائهم داخل الأراضي المصرية، بعد أن تبين وجود أعداد كبيرة دخلت البلاد بصورة غير رسمية وتقيم دون أوراق ثبوتية أو مستندات قانونية، وهو ما اعتبرته الجهات المعنية تحدياً أمنياً وإدارياً يتطلب معالجة شاملة.

وتتمثل الأولوية حالياً، وفق المصدر الحكومي المصري، في تنظيم إجراءات التسجيل والفحص والبت في طلبات اللجوء وتقنين الإقامة وفق مبادئ العدالة والشفافية وسيادة القانون، بما يضمن وضوح الحقوق والواجبات لجميع الأطراف.

وستشارك جهات حكومية عديدة في تنفيذ المنظومة الجديدة لضمان تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي والالتزامات الحقوقية والإنسانية، موضحاً أن اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين التي سيتم تشكيلها ستكون ملزمة بتطبيق مبادئ الحماية الدولية، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية، وضمان دراسة الطلبات بصورة عادلة وموضوعية.

وأضاف مصدر "عربي بوست" أن القاهرة تنظر إلى ملف اللاجئين باعتباره قضية ترتبط بشكل وثيق بحقوق الإنسان والتنمية والاستقرار المجتمعي، مشيراً إلى أن مصر دائماً ما تبرز نموذجها في استضافة اللاجئين عبر دمجهم داخل المجتمع وعدم تخصيص مخيمات منفصلة لهم، مع إتاحة الخدمات الأساسية والفرص التعليمية والصحية دون تمييز.

كما لفت إلى أن اللائحة التنفيذية تستهدف إنهاء ملفات أكثر من نصف مليون لاجئ ما زالت أوضاعهم القانونية عالقة ولم تتم تسويتها حتى الآن، إلى جانب تشجيع مئات الآلاف الآخرين على تقنين أوضاعهم، مع منح حاملي الوثائق السارية تسهيلات إضافية خلال المرحلة الانتقالية.

كيف ستعمل المنظومة الجديدة؟

وضعت اللائحة التنفيذية خريطة طريق واضحة ومحددة زمنياً لتنظيم أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وبموجب اللائحة، تستمر صلاحية بطاقات اللجوء الحالية حتى انتهاء مدتها أو لحين إصدار اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين بطاقات ووثائق جديدة، أيهما أقرب. ومنحت حماية انتقالية للبطاقات التي تنتهي خلال الأشهر الـ6 الأولى من تطبيق القانون، بحيث تمتد صلاحيتها تلقائياً طوال الفترة الانتقالية.

وألزمت اللائحة جميع اللاجئين وطالبي اللجوء بتقديم مستنداتهم ووثائقهم الحالية إلى اللجنة الجديدة قبل شهر واحد على الأقل من انتهاء صلاحيتها، بينما مُنح أصحاب الوثائق المنتهية بالفعل مهلة 6 أشهر من تاريخ نفاذ القرار لإخطار اللجنة وتوفيق أوضاعهم القانونية.

كما منحت اللائحة رئيس الوزراء صلاحية تمديد هذه الفترات الانتقالية لمدد مماثلة بناءً على توصية اللجنة المختصة، بهدف ضمان انتقال سلس للاختصاصات وعدم الإضرار بالوافدين. فيما ألزمت الحكومة اللجنة الجديدة باستلام قواعد البيانات الكاملة الخاصة باللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية الأممية خلال فترة لا تتجاوز 6 أشهر.

ومنحت الدولة نفسها مهلة لا تتجاوز 9 أشهر لإنشاء وتشغيل منظومة وطنية متكاملة تتولى من خلالها للمرة الأولى المسؤولية الحصرية عن النظر في طلبات اللجوء ومنح صفة اللاجئ أو تجديدها أو رفضها، لتحل محل المفوضية الأممية في هذه الاختصاصات.

وتنص اللائحة على أن تتولى اللجنة فحص الطلبات والبت فيها خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر بالنسبة للأشخاص الذين دخلوا البلاد بصورة قانونية، فيما تمتد المدة إلى سنة كاملة بالنسبة لمن دخلوا بصورة غير قانونية.

كما تتضمن المنظومة الجديدة إنشاء أمانة فنية تضم متخصصين في تلقي الطلبات وجمع البيانات والتعامل مع الفئات ذات الأولوية، بما في ذلك الأطفال غير المصحوبين بذويهم والحالات الأسرية، إضافة إلى توفير تمثيل قانوني مجاني لطالبي اللجوء.

كيف ينظر اللاجئون إلى القانون؟

قال حقوقي سوداني بهيئة محامي دارفور لـ"عربي بوست" إن اللائحة التنفيذية الجديدة توفر للمرة الأولى مرجعية قانونية واضحة للوافدين المقيمين على الأراضي المصرية، بعد سنوات طويلة عانى خلالها كثير منهم من عدم وضوح حقوقهم وواجباتهم.

وأوضح المصدر ذاته أن الوافدين كانوا يواجهون صعوبات كبيرة في معرفة الإجراءات المطلوبة للحصول على إقامة قانونية أو تجديدها، بينما أصبح هناك الآن مسار أكثر وضوحاً لتقديم الطلبات وتقنين الأوضاع والحصول على وثائق رسمية.

فيما أشار إلى أن من أبرز المكاسب التي يوفرها قانون اللجوء في مصر الجديد إقرار حق التظلم والطعن على القرارات الصادرة عن الجهات المختصة أمام القضاء الإداري، وهو مطلب ما دام نادت به منظمات حقوقية وهيئات قانونية خلال السنوات الماضية.

ولم يتمكن مئات الآلاف من السودانيين حتى الآن من الحصول على بطاقات مفوضية اللاجئين بسبب الضغط الهائل على عمليات التسجيل وضعف القدرة الاستيعابية للمفوضية، ما تسبب في بطء شديد في إجراءات التسجيل والتجديد. وهناك أيضاً آلاف الأشخاص الذين لم يتمكنوا من الحصول على بطاقات اللجوء لأسباب مختلفة، الأمر الذي جعلهم خارج أي حماية قانونية حقيقية.

كما أشار الحقوقي السوداني إلى أن الإطار القانوني الجديد قد يساهم في تسوية أوضاع هذه الفئات، خاصة مع اعتماد المنظومة الجديدة على إمكانيات الدولة المصرية إلى جانب التعاون مع الجهات والمنظمات الدولية.

ولفت إلى أن كثيراً من الوافدين تعرضوا خلال الأشهر الماضية لحملات أمنية بسبب عدم قدرتهم على تقنين أوضاعهم، وأصبحوا أمام خيارين صعبين: إما استكمال الإجراءات القانونية أو العودة إلى بلدانهم. وأبدى استغرابه من مخاوف بعض الوافدين تجاه اللائحة الجديدة، معتبراً أنها تمنحهم في الواقع حقوقاً إضافية وفرصاً أكبر للحصول على وضع قانوني مستقر.

وأضاف أن مغادرة مئات الآلاف من السودانيين مصر خلال الأشهر الماضية ارتبطت في جزء منها بحالة الارتباك التي سادت إجراءات الإقامة واللجوء وصعوبة الحصول على بطاقات المفوضية أو الإقامات السياحية أو الدراسية، معتبراً أن توحيد جهة التعامل من خلال اللجنة الحكومية الجديدة قد يسهم في تسهيل الإجراءات مستقبلاً.

هل تنجح الدولة في استيعاب الأعداد الضخمة؟

رغم الترحيب النسبي الذي حظي به قانون اللجوء في مصر، لا تزال هناك مخاوف حقيقية لدى كثير من الوافدين من صعوبات المرحلة الانتقالية. وقال حقوقي مصري إن اللائحة التنفيذية تمثل مرحلة جديدة بالكامل في إدارة ملف اللاجئين داخل مصر، بعد سنوات واجهت خلالها القاهرة تحديات كبيرة في تقنين أوضاع المقيمين.

كما أوضح أن الدولة المصرية أصبحت الآن المسؤول الأول عن إدارة ملف اللجوء، بعدما كانت المفوضية الأممية هي الجهة الرئيسية المعنية بالتسجيل والفحص ومنح الوثائق. وأشار إلى أن اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين ستكون مسؤولة عن إجراء المقابلات وفحص الطلبات ومنح الوثائق وتجديدها واتخاذ القرارات المتعلقة بصفة اللاجئ.

لكن الحقوقي المصري شدد على ضرورة الإسراع في إعلان تشكيل اللجنة وتحديد مقارها وآليات عملها، في ظل حالة القلق التي تسود بين الوافدين بشأن كيفية الانتقال من النظام القديم إلى الجديد.

فما يخشاه آلاف الأشخاص عدم قدرتهم على استكمال أوراقهم الثبوتية خلال المهل المحددة، وهو ما قد يضعهم في أوضاع قانونية معقدة قد تترتب عليها إجراءات عقابية أو الترحيل. وتحاول الحكومة تبديد هذه المخاوف عبر التأكيد المتكرر على أن الهدف من القانون هو تنظيم ملف اللجوء وتحسين كفاءة إدارة التدفقات البشرية، وليس التضييق على اللاجئين.

وفق الحقوقي المصري، فإن القانون يتضمن ضمانات مهمة تتعلق بحقوق التعليم والرعاية الصحية الأساسية والمساعدات القانونية وحق التظلم والطعن أمام القضاء الإداري. وشدد على أن تطوير منظومة اللجوء يجب أن يواكبه التزام صارم بحماية الخصوصية وعدم استخدام البيانات الشخصية إلا للأغراض المحددة قانوناً.

وأضاف المصدر ذاته أن التحدي الحقيقي لن يكون في النصوص القانونية، بل في التطبيق العملي وقدرة المؤسسات على احترام الحقوق وضمان العدالة وعدم الاقتصار على الجانب الإجرائي فقط.

لماذا يمثل الملف أولوية للدولة؟

وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية وتقديرات المنظمة الدولية للهجرة، تستضيف مصر أكثر من 9 ملايين أجنبي ولاجئ ومقيم ينتمون إلى أكثر من 133 دولة.

وتتصدر الجالية السودانية قائمة الجنسيات الأجنبية في مصر بأكثر من 4 ملايين شخص، تليها الجالية السورية بنحو 1.5 مليون نسمة، إضافة إلى أعداد كبيرة من اليمنيين والليبيين وجنسيات عربية وأفريقية أخرى.

وتؤكد الحكومة المصرية أن التكلفة المباشرة وغير المباشرة لاستضافة هؤلاء تتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يجعل الملف أحد أكثر الملفات حساسية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال الأشهر الماضية رحّلت السلطات المصرية آلاف الوافدين المخالفين لشروط الإقامة ضمن حملة واسعة بدأت في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، في إطار مساعٍ لإعادة تنظيم أوضاع المقيمين.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد صدق في ديسمبر/ كانون الأول 2024 على قانون اللجوء الذي أقره مجلس النواب ويتضمن 39 مادة، بالتوافق مع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر.

وفي هذا السياق، رحبت المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات وهيئة محامي دارفور بإصدار اللائحة التنفيذية للقانون، وأكدتا في بيان مشترك أن حاملي بطاقات المفوضية وطالبي اللجوء المحتجزين بسبب مخالفات الإقامة أصبحوا مشمولين بأحكام القانون الجديد.

وأعلنت المنظمتان عزمهما التقدم بمذكرة رسمية إلى اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين للمطالبة بالإفراج عن السودانيين المحتجزين بسبب مخالفات الإقامة وتمكينهم من توفيق أوضاعهم القانونية، مع التأكيد على أن هذا الطلب لا يشمل أي شخص يواجه اتهامات أو قضايا جنائية خارج نطاق مخالفات الإقامة.

وبينما ترى الحكومة المصرية أن القانون يمثل خطوة ضرورية لضبط ملف اللجوء وحماية الأمن القومي، يأمل آلاف اللاجئين والوافدين أن ينجح التطبيق العملي في تحويل النصوص القانونية الجديدة إلى ضمانات حقيقية توفر الاستقرار القانوني وتحسم سنوات من الضبابية التي أحاطت بوضعهم داخل البلاد.

تحميل المزيد