يعيش إقليم كردستان العراق أزمة سياسية غير مسبوقة بعد مرور نحو 18 شهراً على الانتخابات البرلمانية من دون تشكيل حكومة جديدة أو انعقاد فعلي للبرلمان المنتخب، وسط تصاعد الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بشأن تقاسم السلطة والنفوذ داخل الإقليم.
وبحسب مصادر سياسية كردية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن الصراع بين الحزبين لم يعد مجرد خلاف على الحقائب الوزارية أو المناصب الأمنية، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة تهدد بشل مؤسسات الحكم وتعميق الأزمة الاقتصادية وتقليص هامش استقلالية الإقليم في مواجهة بغداد والتحديات الإقليمية المحيطة به.
وفي ظل فشل جميع محاولات الوساطة والتسوية حتى الآن بين الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق، تتزايد المخاوف من دخول الإقليم مرحلة أكثر تعقيداً، قد تدفع نحو انتخابات مبكرة أو تغييرات جوهرية في شكل تقاسم السلطة الذي حكم كردستان العراق طوال العقدين الماضيين.
الصراع على السلطة في كردستان العراق
تاريخياً، اتسمت العلاقة بين الحزبين الكرديين الأكبر في إقليم كردستان العراق، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، بدرجات متفاوتة من التوتر والتنافس، لكنها شهدت أيضاً مراحل طويلة من التعاون وتقاسم النفوذ.
وكانت تلك التفاهمات أحد أهم العوامل التي مكنت الأكراد من ترسيخ تجربة الحكم الذاتي ضمن الإطار الدستوري العراقي بعد عام 2003، قبل أن يتوصل الحزبان عام 2006 إلى اتفاق شامل لتقاسم السلطة داخل الإقليم.
إلا أن التوترات التي تصاعدت خلال السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها بعد انتخابات برلمان إقليم كردستان العراق عام 2024، باتت تهدد هذه الصيغة السياسية التي حكمت الإقليم لعقود.
ويتهم محمد عثمان، السياسي المنتمي إلى الاتحاد الوطني الكردستاني، الحزب الديمقراطي الكردستاني بالسعي إلى احتكار السلطة داخل الإقليم، قائلاً لـ"عربي بوست": "الديمقراطي الكردستاني يريد السيطرة على حكومة الإقليم بأكملها، وأصبح قادته لا يرغبون في التعاون مع الاتحاد الوطني أو تمكينه من ممارسة حقه السياسي والحكومي".
ويطالب الاتحاد الوطني الكردستاني بإعادة العمل بالتفاهمات السابقة المتعلقة بتقاسم السلطة، إلى جانب توزيع أكثر توازناً للمناصب الحكومية والأمنية داخل حكومة الإقليم، ومنح محافظة السليمانية، التي تعد مركز نفوذه الرئيسي، حصة أكبر من موازنة الإقليم.
في المقابل، يستند الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى نتائج الانتخابات الأخيرة لتبرير موقفه، فالحزب حصل على 39 مقعداً من أصل 100 مقعد في البرلمان، مقابل 23 مقعداً فقط للاتحاد الوطني الكردستاني، ويرى أن هذه النتائج تمنحه حق إدارة النصيب الأكبر من الوزارات والمواقع الأمنية والسياسية.
ويقول مسؤول سياسي رفيع المستوى في الحزب الديمقراطي الكردستاني، مفضلاً عدم الكشف عن هويته: "في حقيقة الأمر، يرى قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني أن القيادة الحالية للاتحاد الوطني الكردستاني غير جديرة بالثقة، وبالنظر إلى عدد مقاعده في البرلمان الحالي، فلا يحق له تقاسم السلطة مع الديمقراطي الكردستاني على قدم المساواة".
ويضيف المصدر أن الانقسامات الفصائلية والخلافات العائلية داخل الاتحاد الوطني الكردستاني جعلت قيادته الحالية، من وجهة نظر الحزب الديمقراطي الكردستاني، شريكاً غير موثوق في إدارة السلطة.
لكن أزمة الثقة بين الحزبين لا تتوقف عند هذا الحد. فبحسب مصادر كردية من الحزب الديمقراطي الكردستاني تحدثت لـ"عربي بوست"، ينظر الحزب بقلق إلى تحالفات الاتحاد الوطني الكردستاني داخل بغداد، وخاصة علاقاته مع بعض قوى الإطار التنسيقي الشيعي وشخصيات سياسية سنية نافذة.
ويقول مصدر سياسي من الحزب الديمقراطي الكردستاني: "الاتحاد الوطني يستغل علاقاته بالفصائل المسلحة الشيعية في بغداد للاستقواء على الحزب الديمقراطي الكردستاني والحصول على حصة أكبر من المناصب الحكومية في الحكومة الاتحادية". ويضيف: "وبعد ذلك يريد الحصول على تقاسم السلطة داخل الإقليم أيضاً، وهذا ليس عدلاً".
في المقابل، يواصل الاتحاد الوطني الكردستاني توجيه اتهامات للحزب الديمقراطي الكردستاني بإقصاء مناطق نفوذه، ولا سيما السليمانية، من المشاريع الاستثمارية والخدمات العامة، إضافة إلى احتكار الملفات الاقتصادية الرئيسية في الإقليم.
ويقول محمد عثمان لـ"عربي بوست": "الديمقراطي الكردستاني يعاقب الاتحاد الوطني من خلال منع تسليم رواتب موظفي السليمانية ومحاصرتها اقتصادياً، كما يحتكر ملفات النفط والغاز والمعابر الحدودية ويرفض الكشف عنها بشفافية للاتحاد الوطني الكردستاني. وهذا أمر لم يعد مقبولاً بالنسبة لنا، ولن نرضخ لمحاولات إقصاء الاتحاد الوطني من أجل تعزيز سلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني".
أزمة اقتصادية متفاقمة
لا يقتصر تأثير الصراع بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان على تعطيل تشكيل الحكومة وشل عمل البرلمان، بل امتد إلى الوضع الاقتصادي للإقليم الذي يواجه تحديات متزايدة منذ أشهر.
وتقول المصادر الكردية التي تحدثت لـ"عربي بوست" إن الأزمة السياسية الحالية، التي تعد الأطول والأكثر تعقيداً منذ تأسيس مؤسسات الإقليم التشريعية والتنفيذية عام 1992، بدأت تنعكس بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي وحركة الأسواق.
في هذا السياق، يقول السياسي الكردي المستقل محمد أحمد لـ"عربي بوست": "لقد عجز أكبر حزبين في الإقليم عن الوفاء بمستحقات المواطنين المالية، فتوقفت رواتب المتقاعدين وتأخر تسليم رواتب العاملين في الحكومة، كما توقفت عمليات تمويل المشاريع في الإقليم".
ويضيف أحمد: "الناس يعانون جراء هذا الصراع السياسي. فقد انهارت القدرة الشرائية وارتفعت معدلات البطالة، كما هرب المستثمرون من الإقليم بعد أن كنا نأمل في مستقبل اقتصادي واعد خلال السنوات الماضية. وكل ما يهم كبار القادة في الحزبين هو تحقيق مصالحهم الشخصية".
تهديد يتجاوز السياسة
لا يقتصر القلق من الأزمة الحالية على الأوساط الشعبية والاقتصادية، بل امتد أيضاً إلى قيادات وأعضاء داخل الحزبين الرئيسيين. ويقول قيادي بارز في الاتحاد الوطني الكردستاني، مفضلاً عدم الكشف عن هويته: "هناك سياق أوسع لهذا الصراع يهدد استقلالية الإقليم بشكل كبير، ويتمثل في انعكاس هذا الخلاف على المشهد العراقي الأوسع".
ويضيف المصدر ذاته: "يستغل البعض في بغداد هذا الصراع للسيطرة على الإقليم، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى تآكل استقلاليته وتقليص قدرة حكومة الإقليم على إدارة شؤونها المالية، كما حدث العام الماضي عندما سيطرت الحكومة الاتحادية على ملف تصدير النفط الكردي عبر خط الأنابيب الممتد إلى تركيا".
كما تحذر مصادر سياسية كردية معارضة لاستمرار الأزمة من التداعيات الجيوسياسية التي قد تترتب على استمرار الانقسام الداخلي، خاصة في ظل التوترات الإقليمية والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وبحسب هذه المصادر، تعرض إقليم كردستان خلال السنوات الأخيرة إلى نحو 700 هجوم نفذتها إيران أو فصائل عراقية موالية لها.
في هذا السياق، يقول سياسي كردي من الحزب الديمقراطي الكردستاني معارض لاستمرار الصراع: "لو نجح الحزبان في تشكيل جبهة موحدة، لتمكنا من التفاوض مع بغداد من موقع أقوى ومنع هجمات الفصائل الشيعية على الإقليم، كما كان بإمكانهما مواجهة الضغوط الإقليمية القادمة من إيران ومنع تحويل كردستان إلى ساحة جديدة للصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل".
ويضيف السياسي الكردي في تصريح لـ"عربي بوست" قائلاً: "الصراع بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يهدد مكانة الإقليم داخل الدولة العراقية ويضر بمصالحه الاستراتيجية".
هل يكون الحل عبر انتخابات مبكرة؟
في ظل استمرار الانسداد السياسي، تتحدث مصادر سياسية كردية عن نقاشات داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني بشأن إمكانية اللجوء إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة عبر مرسوم رئاسي يصدره رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، أملاً في إعادة تشكيل المشهد السياسي.
إلا أن هذا الخيار يواجه عقبات عديدة، أبرزها رفض الاتحاد الوطني الكردستاني له، إذ يقول سياسي من الاتحاد الوطني الكردستاني لـ"عربي بوست": "الأزمة الحالية لا يمكن حلها بالعودة إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى. يحاول الحزب الديمقراطي الكردستاني من خلال هذا الطرح المراوغة لا أكثر".
ويضيف المصدر ذاته: "كما أن إجراء انتخابات مبكرة يتطلب ميزانية تقدر بنحو 30 مليون دولار، ولا يمكن توفير هذا المبلغ في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية التي يمر بها إقليم كردستان العراق".
ولا تقتصر المعارضة لهذا الطرح على الاتحاد الوطني الكردستاني فقط، إذ توجد أصوات داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني نفسه ترى أن الانتخابات المبكرة لن تعالج جذور الأزمة.
في هذا السياق، يقول السياسي الكردي أكرم إسماعيل، المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني: "لا يوجد حل سوى التفاهم بين الحزبين والتوصل إلى صيغة جديدة لتقاسم السلطة وإنهاء الأزمة الحالية".
ويضيف إسماعيل: "لا وضع إقليم كردستان ولا الظروف الإقليمية المحيطة به يسمحان بمثل هذا الخيار. فجوهر الأزمة لا يكمن في إجراء انتخابات مبكرة، بل في مدى استعداد الحزبين لحل الأزمة والتوصل إلى تقاسم عادل للسلطة".
ويختتم حديثه لـ"عربي بوست" قائلاً: "هناك مسار واضح للخروج من الأزمة يتمثل في التوصل إلى تفاهم يعيد هندسة توزيع السلطة والحكم في الإقليم، بالتوازي مع إطلاق عملية إصلاح سياسي تضمن عدم تكرار هذا المأزق مستقبلاً، والعمل على معالجة الأزمات الاقتصادية المتفاقمة. لكن تحقيق ذلك يتطلب من كلا الحزبين تقديم تنازلات جوهرية".