مفاوضات غزة: مصر تضغط لاستئناف المحادثات تجنباً للأسوأ والفصائل تفقد الثقة بمنسق “مجلس السلام”

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/16 الساعة 20:01 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/16 الساعة 20:01 بتوقيت غرينتش
المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تواجه عوائق أمريكية وإسرائيلية/ عربي بوست

تكثّف مصر والوسطاء تحركاتهم لإعادة إطلاق المفاوضات حول غزة من القاهرة، في محاولة لكسر الجمود الذي يهدد بانهيار اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك بالتوازي مع زيارة منسق "مجلس السلام" إلى إسرائيل. وتتركز الجهود الحالية على إدخال لجنة لإدارة قطاع غزة وتحريك تنفيذ بنود الاتفاق، في ظل مخاوف متزايدة من عودة الحرب إذا استمر التعطيل.

غير أن هذه التحركات تصطدم بتراجع ثقة حركة حماس في منسق "مجلس السلام" ملادينوف ودوره وسيطاً، وسط اتهامات له بالتركيز على ملف نزع السلاح دون تقديم ضمانات مقابلة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي أو إدخال ترتيبات أمنية بديلة. ويعكس هذا التباين فجوة واضحة بين رؤية الوسطاء الدوليين ومطالب الفصائل الفلسطينية بشأن ترتيب أولويات الحل.

وفي ظل هذا التعقيد، يسعى الوسطاء إلى إعادة بناء الثقة بين حماس وملادينوف قبل الدخول في مفاوضات تفصيلية، مع تزايد القلق من أن يؤدي استمرار الخلافات إلى انهيار المسار التفاوضي بالكامل، خصوصاً مع استمرار التصعيد الميداني الإسرائيلي واتساع نطاق السيطرة داخل القطاع.

جهود استئناف المفاوضات حول غزة

أكد مصدر مصري مطلع أن الوسطاء يبذلون جهوداً حثيثة لاستئناف المفاوضات حول غزة في القاهرة عقب زيارة الممثل السامي لغزة في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف إلى إسرائيل مؤخراً، حيث تركز مصر تحديداً على ضرورة إحداث حراك فعلي يتضمن إدخال لجنة إدارة قطاع غزة أو جزء منها إلى القطاع خلال الأسابيع القليلة المقبلة بشكل رسمي.

وتسعى القاهرة من خلال هذه التحركات إلى دفع إسرائيل للوفاء بكامل التزاماتها المقررة في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقابل ذلك الحصول على موافقة مبدئية من حركة حماس بتسليم سلاحها وفصائلها، على أن تُترك التفاصيل الدقيقة المعقدة إلى جولات مستقبلية يتم فيها الاتفاق على الأطراف المستلِمة بشكل نهائي.

ووفقاً للمصدر، سيتم في تلك الجولات المستقبلية من المفاوضات حول غزة الاتفاق على الطرف الذي سيتسلم السلاح بعد أن يكون قد تم تشكيل السلطة الفلسطينية وإدخال قوات الاستقرار الدولية إلى القطاع، حيث تسعى مصر لإيجاد حراك على مستوى تنفيذ بنود الاتفاق كي لا يطول أمد التجميد الحالي الذي سيؤدي مباشرة إلى استئناف الحرب.

وتحذر القاهرة من أن استمرار التجميد قد يؤدي إلى اندلاع حرب أهلية في حال ذهبت إسرائيل باتجاه نزع السلاح بالقوة وتحريك ميليشياتها لإثارة المواطنين ضد حماس، وفي كلتا الحالتين فإن القطاع سيكون قد أضحى فعلياً بشكل كامل تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي المباشرة، وهو ما يسهل عملية تهجير الفلسطينيين بشكل قسري إلى الداخل.

وأشار المصدر المطلع إلى أن مصر والوسطاء لن يسمحوا بأن تندلع حرب أهلية في القطاع والدخول في دوامة من الفوضى العارمة، ولذلك تريد القاهرة أن تكون أي خطوات متعلقة بإدخال لجنة إدارة غزة إلى القطاع بالتعاون والتنسيق الكامل مع حركة حماس لضمان عدم الاصطدام بها ميدانياً وتفويت الفرصة على مخططات الاحتلال.

أهداف الاحتلال وموقف التنسيق الإقليمي

تحاول إسرائيل اللعب على وتر الخلافات الداخلية الفلسطينية وتوظيفه لصالحها، بخاصة أنه جرى طرح مسألة إدخال عناصر اللجنة وتمكينها من إدارة مناطق بعينها ونقل الفلسطينيين إليها، وهو ما يحقق أهدافاً إسرائيلية تستهدف عودة الحرب مرة أخرى في مناطق الساحل الفلسطيني لملاحقة عناصر حماس والسيطرة الكاملة على تلك المناطق الحيوية بالقطاع.

وشدد مصدر "عربي بوست" على أن القاهرة مُصرة على استئناف المفاوضات حول غزة رغم بذل إسرائيل جهوداً حثيثة لإفشالها وتراجع ثقة حماس في مجلس السلام الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متوقعاً أن تستضيف مصر مباحثات خلال الأسبوع المقبل قد تستمر لنهاية هذا الشهر مع جهود مكثفة لإدخال لجنة إدارة غزة بالتفاهم مع الحركة الفلسطينية.

وعرضت مصر مقترحات أولية على وفد حركة حماس الموجود حالياً في القاهرة، وكذلك عدد من الفصائل الأخرى، بانتظار وصول ملادينوف والحديث بشكل تفصيلي عن تلك المقترحات، في وقت يتفاهم فيه الجانبان المصري والتركي حول أهمية عدم استبعاد حماس بشكل كامل من أي ترتيبات مستقبلية في غزة، لخطورة ذلك ميدانياً وسياسياً.

ويدرك الوسطاء في القاهرة وأنقرة أنه من دون تفاهمات واضحة مع الحركة فإن القطاع سيدخل في حرب أهلية طاحنة، كما يرفض الوسطاء التهديدات الإسرائيلية باستئناف الحرب، بخاصة أن الاحتلال يمضي في استهدافاته اليومية للفلسطينيين، ويرون أنه السبب الرئيسي في تعثر المفاوضات وخلق الذرائع قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة التي يركز عليها نتنياهو.

وأضاف المصدر المصري أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدرك أنه لن يتعرض لضغوط أمريكية حقيقية لتنفيذ خطة الرئيس دونالد ترامب في ظل الانشغال الأمريكي بالحرب على إيران، ما يجعل مهمة الوسطاء أصعب الآن بعد التجاذبات الأخيرة بين ملادينوف وحماس، ويسعى الوسطاء لإيجاد عناصر ثقة بين الطرفين قبل الانخراط في التفاوض الشامل.

هوة متسعة بين ملادينوف والفصائل

تظهر هوة متسعة بين الفصائل التي تتمسك بأهمية تطبيق المرحلة الأولى قبل الذهاب إلى المرحلة الثانية، وملادينوف الذي يتمسك بتسليم السلاح دون اهتمام موازٍ بالانسحاب الإسرائيلي، رغم تأكيد منسق مجلس السلام نيكولاي ملادينوف خلال لقاء مع الصحافة الأجنبية في القدس أن الاتفاق في القطاع قائم، لكنه أبعد من أن يكون مثالياً.

وقال الدبلوماسي البلغاري ملادينوف إن لدينا وقفاً لإطلاق النار وهو قائم وليس مثالياً، مشيراً إلى وجود انتهاكات يومية، بعضها خطير جداً، وموضحاً بشأن مستقبل حركة حماس أنه لم يُطلب منها حل نفسها كحركة سياسية، مؤكداً أنهم لا يطلبون من حماس الاختفاء كحركة سياسية، بل يرفضون بقاء الفصائل المسلحة أو الميليشيات بالقطاع.

وشدد ملادينوف على أن الأمر غير القابل للتفاوض هو امتلاك الفصائل هياكل قيادة عسكرية خاصة بها وترسانات أو شبكات أنفاق بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية، وتطرق إلى ملف إعادة الإعمار مؤكداً أن إزالة أنقاض الحرب في غزة وإعادة إعمارها ستستغرق جيلاً كاملاً بالنظر إلى عشرات الملايين من أطنان الركام المتراكم بالمدن.

وأوضح منسق مجلس السلام أن هناك أكثر من مليون شخص يحتاجون إلى مأوى دائم وإلى مياه أساسية وخدمات صرف صحي، ما يتطلب عملاً يمتد لجيل كامل. وفي المقابل، انتقد القيادي في حركة حماس باسم نعيم تصريحات ملادينوف، معتبراً إياه عبر منصة إكس غير مؤهل لإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع الفلسطيني حالياً.

ودعت الحركة ملادينوف إلى ممارسة ضغوط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها ضمن المرحلة الأولى، متهمة الحكومة الإسرائيلية بمواصلة خرق الاتفاق وتعطيل المساعدات. وقال المتحدث باسم الحركة حازم قاسم إن إسرائيل تواصل ارتكاب خروقات يومية رغم التزام حماس بالبنود، مشيراً إلى إبداء الحركة مرونة بشأن الترتيبات وصولاً إلى التوافق على لجنة وطنية لإدارة القطاع بعد الحرب.

"نزاهة" ملادينوف على المحك

اتخذت حركة حماس خطوات سياسية وميدانية لتسليم إدارة غزة إلى اللجنة المقترحة، لكن الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تشمل نزع السلاح وانسحاباً تدريجياً للجيش الإسرائيلي، الذي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، يبدو معطلاً تماماً منذ أسابيع في ظل انصباب الاهتمام الدولي بالكامل على تداعيات الحرب الإقليمية المشتعلة على الجبهة الإيرانية حالياً.

ووسعت إسرائيل نطاق سيطرتها عند الخط الأصفر، الذي يعادل ما يقرب من 53% من مساحة قطاع غزة، ليبلغ حالياً 64% من القطاع، لتضع خطاً جديداً أطلقت عليه الخط البرتقالي. وأفادت صحيفة يسرائيل هيوم الإسرائيلية بأنه تم توسيع المناطق الأمنية داخل قطاع غزة بمساحة إضافية تبلغ 34 كيلومتراً مربعاً بموافقة مجلس السلام الدولي.

وجاء التوسع الإسرائيلي بعدما اعتبر الاحتلال أن حماس لم تنفذ الالتزامات المرتبطة بنزع السلاح، وفي المقابل قال عبد الجبار سعيد، عضو المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج، إن الحركة أبلغت الوسطاء مراراً رفضها توسيع نطاق سيطرة الاحتلال ومحاولة فرض الأمر الواقع داخل غزة، مؤكداً حتمية الانسحاب الكامل وعدم التوقف عند الخط الأصفر.

ورفض القيادي عبد الجبار سعيد التوسع الإسرائيلي إلى الخط البرتقالي الجديد، وبحسب مصدر مطلع على تفاصيل التفاوض بين حماس وملادينوف فإن الأخير فشل في أن يكون وسيطاً نزيهاً يمكن الوثوق به، وأن حديثه عن حق الشعب الفلسطيني لم يكن مصحوباً بحلول من المفترض أن يقترحها لآليات نزع سلاح حركة حماس في غزة.

ويطالب ملادينوف الحركة فقط بتسليم السلاح دون أن يتحدث عن وصول قوة الاستقرار الدولية أو عناصر الشرطة الفلسطينية، وبالتالي فإن هناك فرصة أمام حماس لكي تؤكد رغبتها في تسليم السلاح إلى لجنة وطنية فلسطينية، مشيراً إلى أن ملادينوف لم يقدم حلولاً من خارج الصندوق، ما يرشح الوضع في غزة لمزيد من التعقيد والفوضى.

الضغوط الأمنية والواقع الإنساني

ترى القاهرة وأنقرة وشخصيات فلسطينية مستقلة ضرورة الموافقة على مبدأ تسليم السلاح كي لا تُخلق مزيد من الذرائع أمام إسرائيل لعدم الانسحاب من القطاع، وأن تُترك مسألة تنفيذ عملية التسليم إلى معالجات لاحقة، في حين ترفض حماس فكرة التسليم وتخشى من فرض ترتيبات أمنية مستقبلية في القطاع دون مشاركتها الفاعلة بالمشهد.

وأضحى الضغط على إسرائيل صعباً لأنها تقول إن اتفاق غزة تضمن مسألة نزع السلاح، وتستغل ذلك لرمي الكرة في ملعب الفصائل، بخاصة أنها تسيطر عملياً على غالبية مناطق قطاع غزة، بما فيها المناطق التي أسفلها أنفاق وكان في أغلبها ما تبقى من سلاح ثقيل، مشدداً على استحالة دخول لجنة الإدارة دون انتشار الشرطة الفلسطينية.

وفي حال فشلت المفاوضات المتوقعة في القاهرة، فلن يكون مستبعداً أن تضاعف إسرائيل من عملياتها التوسعية في غزة وحشر المواطنين في مناطق صغيرة للغاية، على أن تتولى هي خوض معارك مع عناصر الحركة على الساحل الفلسطيني والسيطرة عليه أيضاً، وهو ما يعني العودة مرة أخرى إلى الحرب المفتوحة بالقطاع الفلسطيني بشكل كامل.

ويعد نزع سلاح حماس أبرز بنود خطة الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف التي أعلنها في مجلس الأمن أواخر مارس/ آذار الماضي، وتتضمن موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن تنسحب القوات الإسرائيلية من القطاع بالكامل عند التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح.

وتلا إعلان الخطة جولتان في القاهرة خلال شهر أبريل/ نيسان الماضي لبحثها مع ظهور مقترح قدمته الفصائل يدمج المتبقي من المرحلة الأولى مع الثانية، في ظل تمسك حماس بتنفيذ كامل المرحلة الأولى، ولا سيما المتعلقة بزيادة المساعدات ووقف خروقات إسرائيل. وستكون تلك الجولة الثالثة في هذا الصدد لإنقاذ الوضع الميداني المتدهور بالقطاع حالياً.

ويعيش الآن أكثر من مليوني نسمة في شريط ضيق من الأراضي على طول الساحل، غالبيتهم في مبانٍ متضررة أو خيام في مناطق تسيطر حماس فيها فعلياً على الأوضاع، وقُتل نحو 850 فلسطينياً في غارات إسرائيلية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول، وفقاً لإحصاءات لا تفرق بين المقاتلين والمدنيين العزل في غزة منذ بدئها.

ومنذ وقف إطلاق النار في إيران، استهدفت عدة غارات إسرائيلية على قطاع غزة مواقع تابعة لقوات الشرطة التي تديرها حماس، حيث أفاد مسؤولون في قطاعي الصحة والشرطة بمقتل ما لا يقل عن 14 شرطياً منذ 14 أبريل/ نيسان الماضي، ما يشير إلى تصعيد إسرائيلي ممنهج لتقويض الأمن الداخلي وإحداث حالة فوضى عارمة بالبلاد.

وقال ناصر خضور، الباحث في منظمة "أكليد"، إن إسرائيل شنت هجمات استهدفت حماس وأفراداً من الشرطة ومراكزها ونقاط تفتيش أمنية في ما يزيد على 30 واقعة منفصلة في أبريل/ نيسان. وأضاف أن معظم هذه الهجمات وقعت في مناطق تسيطر عليها حماس، واستمر القصف والغارات الجوية وإطلاق النار قرب خط الهدنة مستهدفاً مسلحين ومدنيين اقتربوا من جنود الاحتلال.

تحميل المزيد