لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة، الأحد 3 مايو/ أيار 2026، مجرد محطة دبلوماسية، بل تمثل خطوة محسوبة ضمن مسار أوسع لإعادة التموضع السياسي، في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية وتزايد الحاجة إلى بناء توازنات جديدة تتماشى مع التغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
الزيارة جاءت بعد لقاء لافت جمع الرئيس المصري ونظيره السوري على هامش قمة قبرص، وهو لقاء أعاد فتح باب التساؤلات حول مستقبل العلاقة بين مصر وسوريا، بين من اعتبره بداية انفراجة سياسية، ومن رآه مجرد تواصل بروتوكولي محدود. غير أن انتقال الحوار من مستوى الرؤساء إلى مستوى وزراء الخارجية يشير إلى أن المسار يتجه نحو اختبار أكثر جدية وعمقاً.
ضمن هذا السياق، لا يُقرأ التقارب المصري السوري بمعزل عن مشهد إقليمي مضطرب، حيث تتصاعد المواجهات غير المباشرة، وتتزايد الضغوط المرتبطة بملفات الطاقة وإعادة الإعمار، فيما تحاول دول المنطقة بناء شبكات تعاون مرنة قادرة على احتواء التوترات. فما ملامح العلاقة الجديدة بين مصر وسوريا؟ وما أبرز الملفات المطروحة على طاولة النقاش؟
اختبار سياسي بغطاء دبلوماسي
أثارت الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة، والاجتماعات التي عقدها هناك مع المسؤولين المصريين، اهتماماً عربياً واسعاً، ليس فقط لكونها أول مشاورات على هذا المستوى منذ سقوط نظام بشار الأسد، بل لأنها جاءت في توقيت حساس يعكس تحولات أعمق في مواقف الطرفين.
مصدر مصري مطلع أوضح لـ"عربي بوست" أن الزيارة تمثل "محاولة جادة لاختبار أرضية مشتركة" بين مصر وسوريا في ملفات سياسية وأمنية ودبلوماسية، لكنها لا تعني إذابة كاملة للخلافات، بل تُعد خطوة تمهيدية حذرة يمكن البناء عليها مستقبلاً، خاصة مع بدء تنفيذ مشروعات اقتصادية وتجارية مشتركة.
وأشار المصدر، الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، إلى أن هذه الخطوة تأتي بعد لقاء السيسي والشرع في قبرص، ما يمنحها بُعداً إضافياً باعتبارها اختباراً عملياً لقدرة البلدين على تجاوز مرحلة الجمود التي استمرت لفترة طويلة، دون القفز على التعقيدات القائمة.
هذا الطرح يعكس إدراكاً لدى الطرفين بأن العلاقة بين مصر وسوريا لا يمكن إعادة بنائها دفعة واحدة، بل تحتاج إلى مسار تدريجي، يبدأ بإعادة التواصل السياسي، ويمر عبر ملفات محددة يمكن تحقيق تقدم فيها، قبل الانتقال إلى مستويات أعمق من التعاون.
كما تعكس زيارة الشيباني إلى القاهرة رغبة سورية في كسر حالة التباطؤ في إعادة تطبيع العلاقات بين مصر وسوريا، وتقديم إشارات إيجابية إلى القاهرة بشأن الاستعداد للانخراط في مسار جديد، في حين تبدو مصر حريصة على اختبار جدية هذه الإشارات قبل الانتقال إلى خطوات أكثر تقدماً.
ثلاثية التقارب بين مصر وسوريا
بحسب المصدر المصري المطلع، تركزت المباحثات بين الجانبين حول 3 محاور رئيسية، تعكس مزيجاً من القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية:
الموقف من إسرائيل:
أكد الجانبان رفضهما القاطع للانتهاكات الإسرائيلية، وضرورة الانسحاب من الجولان السوري، في موقف يعكس تقاطعاً واضحاً في الرؤية السياسية تجاه التصعيد الإسرائيلي في المنطقة.
وفي هذا السياق، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على رفض القاهرة للانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية، مطالباً بضرورة الالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، ومؤكداً موقف مصر الثابت الداعم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان.
التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار:
برز الملف الاقتصادي كأحد أهم مجالات التقارب، حيث ناقش الطرفان فرص التعاون في إعادة إعمار سوريا، مع سعي دمشق للاستفادة من الخبرة المصرية في البنية التحتية.
كما تم التطرق إلى ملف الطاقة، حيث تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً يمكن أن يجعلها ممراً لنقل الغاز المصري إلى أوروبا، وهو ما يفتح الباب أمام شراكة استراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي.
التنسيق السياسي الإقليمي:
شملت النقاشات ملفات حساسة مثل المفاوضات الأمريكية – الإيرانية والوضع في لبنان، في محاولة لبناء حد أدنى من التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية الكبرى.
هذا التوزيع يعكس محاولة لإدارة العلاقة بشكل متوازن، يجمع بين مواجهة التحديات المشتركة وبناء مصالح اقتصادية، دون تجاهل التعقيدات السياسية.
ملفات حاسمة لتحقيق التقدم
رغم المؤشرات الإيجابية، يبقى الملف الأمني العامل الأكثر حسماً في تحديد مستقبل العلاقة بين مصر وسوريا، إذ أكد مصدر مصري أن القاهرة لا تزال متحفظة بسبب مخاوف تتعلق بوجود عناصر تصنفها كـ"إرهابية" داخل الأراضي السورية، وبعضهم صدرت بحقه أحكام قضائية.
وأوضح المصدر ذاته في تصريح لـ"عربي بوست" أن مصر تسعى للحصول على هذه العناصر، وأن أي انتقال نحو علاقات طبيعية بين مصر وسوريا يتطلب معالجة هذا الملف، إلى جانب ضمان استقرار مؤسسات الدولة السورية وسيادتها الكاملة.
في المقابل، تشير المعطيات إلى أن دمشق تسعى إلى تقديم تطمينات في هذا الملف، في محاولة لإزالة أحد أبرز العوائق أمام تطوير العلاقات، وهو ما ناقشته زيارة الشيباني إلى القاهرة، حيث استمعت مصر إلى "رؤى إيجابية" بشأن التعامل مع ملف الإرهاب.
بالتوازي مع ذلك، يتجه الطرفان إلى التركيز على الاقتصاد كمدخل عملي لتعزيز الثقة. فقد شهدت الفترة الماضية تحركات ملموسة، من بينها زيارة وفد تجاري مصري إلى دمشق مطلع عام 2026، وهي الأولى منذ 15 عاماً، إضافة إلى توقيع مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة لتوريد الغاز المصري إلى سوريا بهدف توليد الكهرباء.
كما عُقدت خلال زيارة الشيباني إلى القاهرة مباحثات موسعة بمشاركة وزير الصناعة المصري ووزير الاقتصاد السوري محمد نضال الشعار، تناولت سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا.
وفي خطوة مؤسسية، تم الإعلان عن تشكيل مجلس الأعمال السوري – المصري، برئاسة غسان كريم، ما يعكس توجهاً نحو بناء إطار دائم للتعاون الاقتصادي. ويعكس هذا التداخل بين الأمن والاقتصاد معادلة واضحة مفادها أن "التقدم الاقتصادي ممكن، لكن تعميقه مرهون بحل العقدة الأمنية".
التقارب في سياق إقليمي ضاغط
لا يمكن فصل هذا التقارب عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تشير مصادر دبلوماسية إلى أن التصعيد الحالي في المنطقة يشكل عاملاً حاسماً في دفع البلدين نحو تعزيز التعاون. وبحسب مصدر دبلوماسي مصري، فإن هذا التقارب يهدف إلى تحقيق هدفين رئيسيين؛ الأول تشكيل تكتلات عربية قادرة على مواجهة التمدد الإسرائيلي، والثاني تعزيز التعاون الاقتصادي لتخفيف تداعيات التوترات.
وفي هذا الإطار، برزت فكرة لعب مصر وسوريا أدواراً تكاملية في تأمين الطاقة إلى أوروبا، وهو ما كان محل نقاش خلال القمة التشاورية في قبرص.
كما تم التطرق إلى ملفات أخرى، مثل تنظيم حركة السوريين بين البلدين، في ظل تشديدات مصرية سابقة، حيث تسعى القاهرة إلى تنسيق أمني أكبر مع دمشق، بما يسمح بتقديم تسهيلات لاحقاً. في المقابل، تعمل سوريا على إعادة ترتيب علاقاتها مع الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، باعتبارها شريكاً موثوقاً يمكن البناء عليه في هذه المرحلة.
هذا التحرك يأتي في إطار أوسع تسعى فيه القاهرة إلى لعب دور محوري في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، عبر علاقاتها مع دول مثل تركيا وباكستان والسعودية، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع للتحرك في الملف السوري.
مسار تدريجي مفتوح على كل الاحتمالات
تشير المعطيات إلى أن العلاقات بين مصر وسوريا تدخل مرحلة انتقالية، لكنها لا تزال محكومة بعدة عوامل تجعل مسارها تدريجياً وغير محسوم. وبحسب محلل سياسي مصري، تسعى سوريا إلى إحداث انفراجة في العلاقات الثنائية، والخروج من مرحلة التباطؤ في التطبيع، وفتح قنوات سياسية مباشرة مع القاهرة، تمهيداً لبناء علاقات استراتيجية أعمق.
لكن المحلل السياسي المصري أشار في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن هذا المسار سيبقى مرهوناً بما يمكن أن يقدمه الطرفان من تطمينات متبادلة، خاصة في الملفات الحساسة، مثل العناصر المطلوبة أمنياً، والتسهيلات المتعلقة بحركة السوريين.
في المقابل، تبدو مصر حريصة على أن تكون سوريا شريكاً في مساعي خفض التوتر في المنطقة، مع تقديم دعم واضح لها في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية، خاصة في ظل مخاوف من استغلال تل أبيب الوضع الحالي لفرض وقائع جديدة على الأرض.
وأكد مصدر "عربي بوست" أن القاهرة لن تقبل بأي ترتيبات تتجاوز اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، انطلاقاً من موقفها الثابت الداعم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان.
في المجمل، يبدو أن التقارب بين مصر وسوريا يسير وفق مسار بطيء لكنه ثابت، تحكمه معادلة مفادها أن الأمن يحدد السقف، والاقتصاد يفتح الأبواب، والسياسة ترسم الاتجاه. وبين هذه العوامل، تتشكل علاقة جديدة، قد لا تكون تحالفاً كاملاً في المدى القريب، لكنها تحمل مقومات تحول استراتيجي إذا ما توافرت شروطه.