في ظل اضطرابات غير مسبوقة تضرب حركة الملاحة في البحر الأحمر، وتصاعد التوترات في مضيق هرمز، تتحرك مصر لإعادة تموضعها في قلب سلاسل الإمداد العالمية، عبر استكشاف ممرات تجارية بديلة وتعزيز دورها كمركز لوجستي يربط بين أوروبا ودول الخليج.
خلال الأيام الماضية، برزت خطوط ملاحية مصرية صاعدة، مدفوعة بتراجع حركة السفن عبر البحر الأحمر، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى الإعلان عن خطة شاملة لتطوير الموانئ، مع التوسع في خدمات الترانزيت للبضائع القادمة من أوروبا والمتجهة إلى الخليج.
وقد انعكس ذلك في تعزيز الربط البحري مع موانئ خليجية، بالتوازي مع تحركات للتنسيق مع روسيا لإطلاق مشروع لوجستي مشترك يربط موانئ البلدين. هذا التحرك لا يأتي فقط كاستجابة للأزمة، بل كاستثمار في تحولات جيوسياسية تعيد تشكيل طرق التجارة الدولية.
خلفيات التحرك المصري بحثاً عن ممرات جديدة
مؤخراً، دشنت مصر خدمة جديدة لـ"الترانزيت" غير المباشر إلى دول الخليج، ليتحول ميناء دمياط من كونه خطاً ثنائياً بين مصر وأوروبا، إلى محور رئيسي ضمن ممر لوجستي عالمي، حيث يتولى استقبال الشحنات القادمة من أوروبا عبر خط "الرورو" الذي يربط بين موانئ مصر وإيطاليا، وإعادة توزيعها إلى دول الخليج.
ويعتمد الخط على نقل الشاحنات المبردة والجافة، ما يسهم في تقليل زمن الرحلة وخفض تكاليف الشحن، إلى جانب الحفاظ على جودة السلع، خاصة الحاصلات الزراعية، فضلاً عن الاستفادة من التيسيرات الجمركية، وعلى رأسها إعفاء شحنات الترانزيت غير المباشر من التسجيل المسبق بمنظومة ACI.
ويعزز هذا التطور دور ميناء دمياط كمركز تجميع وإعادة شحن يربط بين القارات الـ3، في ظل توجهات إقليمية لتطوير ممرات لوجستية متعددة الوسائط.
ويشير مصدر مصري مطلع إلى أن مصر تحاول قدر الإمكان تقليص خسائرها التي تعرضت لها جراء تراجع الملاحة بشكل كبير في البحر الأحمر وانعكاس ذلك على عوائد قناة السويس، مع تقديرات حكومية تشير إلى خسائر بلغت 10 مليارات دولار خلال العامين الماضيين.
وفي وقت كانت الحكومة قد تحركت خلال السنوات الماضية لتطوير موانئها، فهي تبحث حالياً عن وسائل وطرق للربط تجعلها قادرة على الاستفادة من هذا التطوير، بخاصة أنها استطاعت أن تجذب خلال السنوات الماضية استثمارات أجنبية متصاعدة اتخذت من مصر منفذاً إلى القارة الأفريقية.
غير أن الحرب الإيرانية وتداعياتها فرضت استكشاف فرص أكثر أهمية عبر الربط بين أوروبا والدول الخليجية التي تتضرر من غلق مضيق هرمز.
وأوضح المصدر ذاته أن تطوير الموانئ المصرية وربطها بدول الخليج يساهم أيضاً في تعزيز حركة التجارة العالمية ويخفف من تداعيات غلق مضيق هرمز، وهو ما يلقى اهتماماً دولياً يدعم سرعة تطوير تلك الموانئ وتشغيلها وربطها ببقاع جغرافية مختلفة.
ولفت إلى أن الربط الإقليمي يمكن أن يقلص من تأثيرات الحرب على سلاسل الإمداد العالمية، متوقعاً أن تمضي القاهرة في تدشين مزيد من الخطوط الملاحية مع دول أوروبية مختلفة على الجزء الآخر من ساحل البحر المتوسط.
مكاسب اقتصادية وسياسية وتموضع استراتيجي
وفق مصدر "عربي بوست"، هناك استفادة مشتركة من تطوير الموانئ واستحداث الخطوط الملاحية، إذ إن هناك فرصاً عديدة لمضاعفة حجم الصادرات المصرية، إلى جانب الاستفادة من عوائد تجارة الترانزيت من خلال إعادة توجيه البضائع عبر الموانئ المصرية دون استهلاكها محلياً، سواء في مسارها من أوروبا إلى الخليج أو العكس، وكذلك من عوائد الشحن والتفريغ.
كما يحقق ذلك هدفاً استراتيجياً بالنسبة إلى مصر على المستوى السياسي، باعتبار أنها تهدف إلى تقديم يد العون والمساندة للدول الخليجية المتضررة، وتبقى هناك فرص مواتية لنقل سلع مصرية بأسعار مخفضة، بخاصة أن خط "الرورو" على سبيل المثال يوفر مدة النقل وبالتالي تتقلص التكاليف.
ولفت المصدر ذاته إلى أن مصر تولي اهتماماً باستحداث الخطوط الملاحية وتطوير الموانئ لتحقيق أهداف استراتيجية تتعلق بتعزيز دورها كممر لوجستي إقليمي يربط بين أوروبا ودول الخليج عبر منظومة الترانزيت والنقل متعدد الوسائط.
وترى مصر في تداعيات الحرب الإيرانية واضطرابات سلاسل الإمداد، يشير المصدر، فرصة لإبراز أهمية موانئها باعتبارها مساراً أكثر استقراراً وأماناً لحركة التجارة الدولية.
خطوط بديلة ونموذج نقل جديد
إلى جانب خط "الرورو"، هناك تجربة تشغيلية نجحت أخيراً تربط ميناء سفاجا في مصر وميناء نيوم في السعودية، من خلال خدمة "روبكس" المنتظمة لتربط مصر بدول الخليج العربي عبر بوابة لوجستية برية وبحرية متكاملة، تحت إشراف مجموعة "بان مارين" المصرية للملاحة.
وتعتزم المجموعة تشغيل 4 رحلات منتظمة أسبوعياً، حيث يتميز الخط الجديد بزمن عبور قياسي يبلغ نحو 7 ساعات فقط، ما يجعله من أسرع المسارات البحرية في المنطقة، ويُمثل تدشين هذا الخط تتويجاً لشهور من التخطيط لدعم الصادرات المصرية وخدمة العملاء في منطقة الخليج.
ومن شأن هذا الخط أن يساهم في تعزيز مكانة مصر الجغرافية وتحويلها إلى مركز إقليمي رائد للخدمات اللوجستية، وتدعم الخدمة نقل نطاق واسع من البضائع، تشمل السلع الاستهلاكية سريعة التداول، والتجارة الإلكترونية، وقطع الغيار الصناعية، والمنتجات القابلة للتلف.
وكانت شركة "بان مارين" المصرية قد أطلقت أواخر 2025 خدمة "روبكس" (نقل الشاحنات والمركبات عبر السفن) بين ميناء سفاجا وميناء "نيوم"، معتبرةً في بيان صادر حينها أنه يمثل محطة رئيسية جديدة في تنمية الربط الإقليمي، ويعزز الربط بين مصر ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق، مع إمكانات طويلة الأجل لتمديد الممرات إلى أوروبا.
ويتيح هذا التكامل نقل البضائع المحمّلة على متن الشاحنات مباشرة من أوروبا إلى دول مجلس التعاون الخليجي عبر ميناء نيوم، بما يتجاوز نماذج الشحن السابقة التي كانت تقتصر على الحاويات التقليدية فقط، وبما يتيح نقل السلع الحيوية والسلع الاستهلاكية سريعة الدوران وغيرها من البضائع التي تتطلب تسليماً سريعاً.
ويُستخدم هذا المسار حالياً بشكل فاعل من قبل مستوردين في عدة دول أوروبية، منها إيطاليا والمملكة المتحدة وألمانيا وبولندا، كما يوفّر وصولاً مباشراً إلى الإمارات العربية المتحدة والكويت وعُمان وبقية دول مجلس التعاون، بالإضافة إلى العراق، بما يدعم المتعاملين الباحثين عن دخول أكثر موثوقية وكفاءة إلى الأسواق، وفقاً لشركة "بان مارين".
ويشير خبير في النقل البحري إلى أن مصر تحاول الاستفادة من التحولات السريعة في النقل البحري واللوجستي بالمنطقة، وتأمل أن تصبح ممراً ملاحياً آمناً في المنطقة، وفي الوقت ذاته فهي تهدف إلى التأكيد على أن هناك أعلى درجات التأمين لقناة السويس التي ما زالت عاجزة عن إعادة شركات الشحن العالمية الكبرى للمرور فيها، وتتأثر بغلق مضيق هرمز.
وأوضح الخبير في تصريح لـ"عربي بوست" أن النقل بين ميناء نيوم ومصر يتضمن وصول البضائع القادمة من أوروبا إلى مصر عبر البحر المتوسط، ومنها تنتقل براً إلى البحر الأحمر وتعبر قناة السويس باستخدام سفن وحاويات قبل أن يعاد شحنها إلى دول الخليج.
وتوقع المصدر ذاته أن تستمر تدفقات الملاحة بين أوروبا ومصر وميناء نيوم السعودي حتى بعد انتهاء الحرب عبر استغلال الموقع الجيوسياسي للموانئ السعودية والمصرية، للربط بين دول التعاون الخليجي وشرق المتوسط.
ممرات بديلة وتوسعات إقليمية
وفق خبير النقل البحري الذي تحدث لـ"عربي بوست"، فإن كثرة الخطوط والممرات، سواء تلك المخصصة لنقل البضائع أو حتى خطوط الأنابيب التي تنقل النفط والغاز، سوف تخفف من الضغط على مضيق هرمز الذي يحتاج إلى فترة ليست بالقصيرة لتعود إليه حركة الملاحة بشكل كامل.
وبالتالي فإن شركات الشحن العالمية وكذلك الحكومات الأوروبية والخليجية تبحث عن ممرات أخرى، أغلبها قد يمر عبر مصر باعتبارها حلقة الوصل بين البحرين الأحمر والمتوسط، في ظل توجه مصري يهدف إلى تعزيز القدرات الصناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي جذبت استثمارات أوروبية وصينية وروسية متطورة خلال السنوات الماضية.
ومن المتوقع أن تلعب الخطوط الملاحية دوراً تكميلياً لقناة السويس ومضيق باب المندب وهرمز، وسيكون لديها أدوار بارزة، حيث تعول الحكومة المصرية على مصدر جديد في معادلة عوائد العملة الصعبة لتحقيق عوائد مليارية سنوياً إلى جانب قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج.
وذكر المصدر ذاته أن الربط بين مصر ودول الخليج أغلبه يبقى عبر المملكة العربية السعودية، التي وقعت معها مصر اتفاقيات عديدة لتدشين مشروعات الربط الملاحي بين البلدين عبر موانئ رئيسية تشمل جدة وضبا وسفاجا ونويبع.
ويعد ذلك إحدى أبرز الركائز الأساسية للتعاون الاقتصادي بين البلدين، وما يساعد على ذلك الطفرة الكبيرة في موانئ البحر الأحمر المصرية خلال العقد الأخير، وآخرها مشروع تطوير ميناء العين السخنة.
وإلى جانب الربط مع دول الخليج وأوروبا عبر مصر، دخلت روسيا على الخط، مع إعلان القاهرة وموسكو تدشين مشروع متكامل يتيح ممراً لوجستياً يربط بين موانئ البلدين لتسهيل عملية التبادل التجاري.
ويتكون المشروع المقترح من محطتي حاويات في ميناءين على البحرين الأحمر والمتوسط، وفي ظهيرهما منطقة صناعية ومنطقة لوجستية، وربطها بخط ملاحي من الموانئ الروسية على البحر الأسود ثم إلى الممر الشمالي، بحسب بيان صادر عن وزارة النقل المصرية.
وجاء ذلك خلال لقاء جمع وزير النقل كامل الوزير ونيكولاي باتروشيف، مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس المجلس الروسي للملاحة البحرية، مع وفد رسمي رفيع المستوى ضم رؤساء الشركات الروسية.
وخلال اللقاء، استعرض رؤساء الشركات بالوفد الروسي مجالات التعاون المقترحة مع مصر، من خلال إقامة خطوط ملاحية بين الموانئ المصرية والموانئ الروسية، والتعاون في توطين صناعة وبناء السفن للأغراض التجارية في مصر.
وتم الاتفاق على عقد لقاءات بين المختصين من الجانبين خلال الأيام القادمة لوضع خريطة طريق يتم تنفيذها بين الطرفين، فيما يتعلق بالمشروعات المقترح التعاون فيها بين البلدين في مختلف مجالات النقل البحري التجاري وتوطين صناعات السفن.