إغلاق هرمز: كيف تسببت “تلاعبات” واشنطن باتفاق الهدنة في تراجع طهران عن فتح المضيق؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/04/21 الساعة 11:12 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/04/21 الساعة 11:13 بتوقيت غرينتش
إغلاق مضيق هرمز مستمر وسط توقعات باستئناف المفاوضات/ عربي بوست

لم يكد تمضي 24 ساعة على إعلان طهران إعادة فتح مضيق هرمز، حتى عادت لتغلقه مجدداً، في خطوة عكست هشاشة التفاهمات التي جرى التوصل إليها عبر وساطة إقليمية، وكشف إغلاق مضيق هرمز أن ما بدا تهدئة مؤقتة لم يكن سوى استراحة قصيرة في مسار تصعيدي مفتوح على كل الاحتمالات.

هذا التحول السريع لم يكن مجرد رد فعل تكتيكي، بل إشارة إلى خلل أعمق في بنية التفاوض بين واشنطن وطهران، إذ أعلنت إيران في 18 أبريل/ نيسان إعادة إغلاق مضيق هرمز، بعد يوم واحد فقط من إعلان وزير الخارجية عباس عراقجي فتح حركة المرور في المضيق، عقب إعلان وقف إطلاق النار في لبنان.

بحسب معطيات حصل عليها "عربي بوست"، فإن قرار الإغلاق لم يأتِ بشكل مفاجئ داخل دوائر صنع القرار الإيرانية، بل جاء نتيجة تراكم مؤشرات على تراجع أمريكي عن تفاهمات أولية جرى تمريرها عبر الوسيط الباكستاني. فما الذي حدث؟ ولماذا عادت إيران إلى إغلاق مضيق هرمز؟

لماذا أعادت إيران إغلاق مضيق هرمز؟

مباشرة بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز مجدداً أمام حركة الملاحة البحرية، قالت تقارير غربية إن الجيش الأمريكي يستعد لاقتحام ناقلات النفط المرتبطة بإيران، وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، إن الولايات المتحدة "ستقوم بملاحقة أي سفينة تحمل العلم الإيراني أو أي سفينة تقدم دعمًا ماديًا لطهران".

بينما بررت طهران أن إعادة إغلاق مضيق هرمز جاء رداً على استمرار الحصار الأمريكي، والذي اعتبرته إيران انتهاكاً لوقف إطلاق النار المبرم بين البلدين، الذي توسط فيه باكستان، وقالت طهران إن تشديد السيطرة على المضيق سيستمر ما لم ترفع الولايات المتحدة القيود عن حرية مرور السفن من إيران وإليها بشكل كامل.

في هذا الصدد، قال مسؤول أمني إيراني رفيع المستوى مقرب من قيادة الحرس الثوري الإيراني، لـ"عربي بوست"، إن إيران "قدمت مطالبها لواشنطن عبر إسلام أباد من أجل إعادة فتح المضيق، ووافق الأمريكان على هذه المطالب، ومن ثم عادوا للتلاعب ورفضوا تحقيق باقي المطالب، لذلك عادت طهران إلى إغلاق الحركة في مضيق هرمز مرة أخرى".

بحسب المصدر ذاته الذي تحدث للموقع مفضلاً عدم ذكر اسمه، فإن إيران أرسلت 3 مطالب إلى إدارة ترامب عبر باكستان، من أجل فتح مضيق هرمز، وهي: وقف إطلاق النار في لبنان، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي على إيران في مضيق هرمز، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة التي تبلغ 20 مليار دولار أمريكي.

وافقت واشنطن على الشرط الأول، وضغطت على الاحتلال الإسرائيلي لإعلان وقف لإطلاق النار في لبنان لمدة 10 أيام، فسارعت طهران إلى فتح مضيق هرمز، لكن بعد الإعلان الإيراني عن فتح مضيق هرمز بساعات، تغيرت الأمور بسرعة.

يقول المسؤول الأمني الإيراني، لـ"عربي بوست"، "أرسلت واشنطن ردها على باقي المطالب بعد إبداء موافقتها في البداية، بانها لن تنهي الحصار البحري، ولن تسعى إلى حصول إيران علي اموالها المجمدة، مما وضع القيادات الإيرانية في موقف صعب، واتخذوا قرارا بالإجماع على إعادة إغلاق المضيق".

ويعلق حسن وحيدي الخبير السياسي المقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية على هذا الأمر، قائلاً لـ"عربي بوست"، "نحن الآن نشهد دورة كلاسيكية من التصعيد والتصعيد المضاد بين واشنطن وطهران، فكلا الطرفان يحاول ممارسة الضغط لتحقيق مطالبه".

وأضاف وحيدي "مضيق هرمز هو أقوى أدوات إيران في الضغط على الولايات المتحدة، وكان قرار إعادة اغلاق المضيق نابع من الحفاظ علي هذه الاداة الاستراتيجية الهامة خاصة مع تلاعب واشنطن ومحاولتها الظهور بمظهر المنتصر واستمرار حصارها لموانئ إيران".

وبحسب الخبير السياسي الإيراني، فإن طهران لن تتسرع مستقبلاً في التخلي عن أداة مضيق هرمز قبل تحقيق أهدافها سواء العسكرية أو الدبلوماسية، ويقول وحيدي "سيطرة إيران على مضيق هرمز غيرت مسار الحرب بشكل سريع وملموس، ولن يتم التخلي عنها مجددا قبل الحصول على كافة الضمانات التي تضمن تحقيق مطالب إيران".

"مطلب جنوني" أمريكي للقيادة الإيرانية

المصادر الإيرانية المطلعة التي تحدثت لـ"عربي بوست"، قالت إن الولايات المتحدة لم تكتفِ برفض باقي المطالب الإيرانية لإعادة فتح مضيق هرمز، بل إنها وضعت إنهاء الحصار البحري الأمريكي، مقابل الحصول على مخزونات اليورانيوم الإيراني المخصب بنسب تتجاوز الـ60%.

يقول مصدر مقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، لـ"عربي بوست"، "تراجع ترامب عن موافقته على المطالب الايرانية، بل وارسل عبر باكستان يطلب مخزونات اليورانيوم مقابل إنهاء الحصار البحري الأمريكي فقط، وهذا بمثابة مطلب جنوني بالنسبة للقيادة العسكرية الإيرانية".

أضاف المصدر ذاته قائلاً "رأت القيادة العسكرية الإيرانية أن استمرار الحصار البحري الأمريكي في مضيق هرمز هو بمثابة حالة شبه حرب، فهو يهدف إلى قطع صادرات النفط الإيرانية من أجل التمهيد لجولة جديدة من الحرب".

وبينما رأى بعض القادة الإيرانيين أن تراجع واشنطن عن إنهاء الحصار البحري الأمريكي في مضيق هرمز بمثابة محاولة لتعويض خسائرها العسكرية بتكلفة أقل، رأى آخرون أن هذا الأمر هو أداة ضغط دبلوماسية من قبل الولايات المتحدة.

وعلق حسن وحيدي على هذا الأمر قائلاً لـ"عربي بوست"، "جزء من النقاشات الداخلية داخل القيادة العسكرية والسياسية الايرانية، كان هو أن واشنطن تحتفظ بالحصار البحري في المضيق كأداة ضغط مقابل أداة الضغط الإيرانية المتمثلة بإغلاق مضيق هرمز، من أجل انتزاع تنازلات من طهران في الجولة الثانية من المفاوضات".

وحسب الخبير السياسي المقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية، فإن الأمر في نهاية المطاف "يُعد محاولة أمريكية لخفض التصعيد عبر الضغط، دون الالتزام باستراتيجية محددة".

ويبرهن وحيدي على ذلك قائلاً "يحاول أصحاب هذا الرأي التأكيد عليه من خلال إثبات أن استمرار الحصار البحري الأمريكي في مضيق هرمز سيكون له تداعيات على الاقتصاد العالمي أيضاً وليس فقط علي ايران، لذلك يرون أن الأمر مؤقتا".

مضيق هرمز ورقة لا يمكن التنازل عنها

وفقاً للمصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، جاء القرار النهائي لإيران بإعادة إغلاق مضيق هرمز بناءً على يقين تام من قبل المؤسسة العسكرية بأن استمرار الحصار البحري الأمريكي في مضيق هرمز، ليس إجراء محدوداً من أجل التوصل إلى اتفاق، بل هو خطوة تنطوي على خطر فتح مسارات موازية للتصعيد دون نهاية.

ويقول المصدر المقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، "توصل القادة الإيرانيون إلى أن استمرار الحصار البحري الأمريكي هو عمل حربي أمريكي، ويهدد وقف إطلاق النار والمسار الدبلوماسي، كما أن الأمريكان يرغبون في اضعاف الموقف الاستراتيجي لإيران من خلال هذا الحصار لإجبار إيران على تقديم تنازلات في المفاوضات".

وأضاف المصدر ذاته في تصريح لـ"عربي بوست"، "لذلك جاء القرار بإعادة إغلاق إيران لمضيق هرمز، والصمود أمام الحصار الأمريكي فإيران تمتلك ممرات بديلة، ولكن التكلفة الأكبر ستقع على عاتق الأسواق العالمية أكثر من إيران نفسها".

يأتي ذلك بينما تزايد الغموض بشأن احتمال عقد جولة ثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أن قال كبير المفاوضين الإيرانيين إن إيران لن تتفاوض في ظل التهديدات، في وقت قدم فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رسائل متباينة بشأن مسار الحرب مع إيران.

وكتب رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف في منشور على منصة "إكس" الثلاثاء 21 أبريل/ نيسان 2026: "لا نقبل التفاوض تحت وطأة التهديدات"، مضيفاً أن الجمهورية الإسلامية كانت تستعد "لكشف أوراق جديدة في ساحة المعركة".

بينما أشار ترمب إلى أنه لا يزال يعتزم إرسال وفده التفاوضي، بقيادة نائبه جيه دي فانس، إلى إسلام آباد لإجراء محادثات، رغم إصرار إيران على عدم المشاركة ما لم يخفف ترامب من مطالبه. وذكر موقع أكسيوس، أن فانس سيتوجه إلى باكستان من أجل محادثات إيران.

تحميل المزيد