خاص: تباين داخلي بين مؤسسات الدولة الإيرانية تجاه مساعي الوفد الباكستاني بشأن جولة المفاوضات الجديدة

عربي بوست
تم النشر: 2026/04/17 الساعة 12:59 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/04/17 الساعة 12:59 بتوقيت غرينتش
باكستان ومفاوضات إيران وأمريكا-عربي بوست

شهدت زيارة وفد باكستاني رفيع المستوى إلى إيران تحركات تهدف إلى تمهيد الأجواء لجولة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وفق ما كشفت مصادر إيرانية مطلعة، وذلك في ظل تمسك كل طرف بمواقفه. وقد ترأس الوفد قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، وهو الشخصية الأقوى في المؤسسة العسكرية الباكستانية وصاحب النفوذ الأوسع في رسم توجهات السياسة الخارجية والأمن القومي في البلاد، خصوصًا في الملفات الحساسة المتعلقة بإيران والولايات المتحدة وأفغانستان.

كما ضم الوفد وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، إلى جانب مسؤولين عسكريين وأمنيين ودبلوماسيين رفيعي المستوى، في إطار بعثة تجمع بين البعدين الأمني والسياسي، حيث لعب الوفد دور ناقل الرسائل وتنسيق المواقف، في محاولة لإقناع إيران باستئناف التفاوض مع الولايات المتحدة مجددًا.

مسار الردع المركّب

بحسب مصدر إيراني مطلع على سير النقاشات داخل "مؤسسة المرشد"، فإن طهران لا تنظر إلى المفاوضات الجارية باعتبارها مسارًا منفصلًا عن سياستها العامة القائمة على "الردع المركّب"، بل كأداة مكمّلة تُستخدم عند الضرورة لتخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية.

ويشير المصدر إلى أن الموافقة التي أبدتها وزارة الخارجية الإيرانية للوفد الباكستاني، الذي يزور إيران حاليًا لتسهيل معالجة ملفات عالقة بين طهران وواشنطن تمهيدًا لجولة جديدة من المفاوضات، لم تكن قرارًا نهائيًا بقدر ما كانت "إشارة تكتيكية" تهدف إلى اختبار نوايا الطرف الآخر وقياس حدود الممكن في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.

ويضيف المصدر أن أحد أبرز محاور الخلاف في هذه الجولة من الاتصالات يتمثل في ملف الأموال الإيرانية المجمدة، التي تُقدّر بنحو 8 مليارات دولار، حيث تصر طهران على الإفراج الكامل عنها كشرط أساسي لأي تقدم ملموس. كما يبرز ملف مضيق هرمز كأحد الملفات الحساسة، في ظل ما تصفه طهران بضغوط وحضور عسكري أمريكي في المنطقة. وفي المقابل، تحاول الأطراف الوسيطة، وعلى رأسها الجانب الباكستاني، الدفع نحو حلول مرحلية أو جزئية، وهو ما لم يحظَ حتى الآن بقبول كامل داخل مراكز القرار الإيرانية.

وفي سياق متصل، تلعب إسلام آباد دورًا متزايد الأهمية كقناة اتصال غير مباشرة، إذ عقد الوفد الباكستاني سلسلة لقاءات مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، شملت شخصيات سياسية وأمنية بارزة، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن. ووفق المصدر، فإن هذه اللقاءات لم تقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل امتدت لتشمل نقاشات أمنية حساسة، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية.

مضيق هرمز

في الوقت نفسه، يؤكد المصدر أن مضيق هرمز لا يزال في صلب الحسابات الإيرانية، ليس فقط بوصفه ورقة ضغط استراتيجية، بل كجزء من معادلة الردع الشامل التي تعتمدها طهران. ورغم الحديث المتداول في بعض الأوساط عن "فك الحصار" أو تخفيف القيود المرتبطة بالمضيق، فإن المؤسسة الأمنية الإيرانية ترى في هذا الطرح "خطًا أحمر"، وترفض إدراجه ضمن أي تفاوض مباشر أو غير مباشر، معتبرة أن السيادة على هذا الممر غير قابلة للمساومة.

وبخصوص نظرة إيران إلى ملف مضيق هرمز، قال حجة الإسلام سيد محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان وأحد أعضاء وفد المفاوضات مع الولايات المتحدة، في بيان له:
"يُعد استمرار سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية القائمة على الردع الفعّال وحماية المصالح الوطنية ومواجهة التهديدات الخارجية أمرًا أساسيًا، في حين أن مضيق هرمز، باعتباره ممراً استراتيجياً، سيظل ضمن إطار السيادة الوطنية الإيرانية، وأي عمل عدائي ضد البلاد سيُقابل برد مماثل ورادع".

وأضاف:
"يتمتع مضيق هرمز بموقع جيوسياسي واستراتيجي في نظام الطاقة والتجارة العالمي، وقد تعاملت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دائمًا مع هذا الممر الحيوي بنهج مسؤول قائم على الاستقرار الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه ستستخدم جميع قدراتها القانونية والسياسية والردعية ضد أي تهديد للأمن القومي أو المصالح الاقتصادية أو السلامة الإقليمية للبلاد".

وتابع نبويان قائلًا:
"سيتم اتخاذ القرارات المتعلقة بهذا الممر المائي الاستراتيجي في إطار المصالح الوطنية، مع مراعاة الأمن والاقتصاد، كما ستستخدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسائلها المناسبة والقانونية في مواجهة أي إجراءات تقييدية أو ضغوط أحادية الجانب".

ملف لبنان

أما فيما يتعلق بالملف اللبناني، فيشير المصدر إلى أن توقف العمليات العسكرية هناك قد أزال أحد العوائق الرئيسية أمام استمرار النقاشات، لكنه لم يكن كافيًا لتحقيق اختراق حقيقي. فطهران، بحسب المصدر، تنظر إلى الساحة اللبنانية كجزء من منظومة توازن إقليمي أوسع، وليس كملف منفصل يمكن التعامل معه بمعزل عن بقية القضايا، خاصة تلك المرتبطة بالدور الإسرائيلي في المنطقة.

في السياق نفسه، يربط الأكاديمي في جامعة طهران، حسين رويوران، بين التطورات في لبنان، ولا سيما وقف إطلاق النار هناك، وبين المناخ العام الذي يحيط بالمفاوضات الإيرانية الأمريكية. فبحسب قراءته، فإن التهدئة في الجبهة اللبنانية لا يمكن اعتبارها معزولة عن التفاهمات الإقليمية الأوسع، حتى وإن لم تكن جزءًا مباشرًا من الملف النووي. إذ إن أي خفض للتصعيد على جبهة واحدة ينعكس تلقائيًا على حسابات الأطراف في الجبهات الأخرى، ويعيد ترتيب أولويات الضغط والتفاوض، سواء بالنسبة لإيران أو الولايات المتحدة أو حلفاء الطرفين في المنطقة.

ويشير الأكاديمي الإيراني إلى أن وقف إطلاق النار في لبنان قد يفتح نافذة مؤقتة لإعادة تقييم أدوات الضغط المتبادل، لكنه في الوقت نفسه لا يعني بالضرورة اقترابًا حقيقيًا من تسوية شاملة. فإيران تنظر إلى هذه التطورات باعتبارها جزءًا من "إدارة صراع طويل الأمد"، وليس بوصفها مقدمات لاتفاق سريع. كما أن واشنطن، من جهتها، تتعامل مع الملفات الإقليمية باعتبارها مترابطة، حيث يتم استخدام كل ساحة ضغط لدعم الموقف التفاوضي في ساحات أخرى.

تباين المواقف داخليًا

غير أن التحدي الأكبر، وفق المصدر، لا يكمن فقط في الخلاف مع الأطراف الخارجية، بل في التباين الداخلي بين مؤسسات الدولة الإيرانية. فبينما تميل وزارة الخارجية إلى استكشاف فرص التفاوض وإبقاء القنوات مفتوحة، تتبنى جهات أخرى، وعلى رأسها الحرس الثوري وبعض دوائر الأمن القومي، موقفًا أكثر تشددًا يرفض أي انخراط في مسار تفاوضي لا يضمن تحقيق مكاسب واضحة وفورية.

ويبرز في هذا السياق موقف شخصيات بارزة داخل التيار المحافظ، التي عبّرت بشكل صريح عن رفضها لفكرة التفاوض في الظروف الحالية، مثل محسن رضائي المحسوب على الحرس الثوري، معتبرة أن التجارب السابقة أثبتت عدم جدوى الرهان على المسارات الدبلوماسية مع واشنطن. هذا الانقسام، بحسب المصدر، لا يصل إلى حد الصراع المؤسسي، لكنه يعكس اختلافًا في تقدير الأولويات والتوقيت، وهو ما يؤثر بدوره على وتيرة اتخاذ القرار.

وفي موازاة ذلك، يشير المصدر إلى أن القيادة الإيرانية تحرص على الحفاظ على ما يُعرف بـ"الغموض الاستراتيجي"، بحيث لا تُغلق باب التفاوض بشكل كامل ولا تفتحه على مصراعيه. هذه المقاربة تتيح لطهران المناورة بين الضغوط الدولية ومتطلبات الداخل، مع الحفاظ على صورة الدولة القادرة على الجمع بين الصلابة والمرونة في آن واحد.

وهو ما أكدته أيضًا وكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري، التي قالت إنه على الرغم من إعلان وسائل الإعلام الأمريكية عن إجراء محادثات خلال عطلة نهاية الأسبوع (السبت أو الأحد)، فإن المعلومات التي حصلت عليها الوكالة تُظهر أن إيران لا تزال مترددة بشأن حسن نية الأمريكيين وعدم مبالغتهم، وتعتقد أنه بسبب إخلال الولايات المتحدة بوعدها في بداية المفاوضات واستمرار هذا الإخلال حتى الآن، فمن غير المرجح أن تُثمر الجولة القادمة من المحادثات.

وقالت الوكالة: "أكدت إيران، من خلال باكستان، ضرورة أن تفي الولايات المتحدة أولًا بالتزاماتها، وثانيًا أن تتوقف عن تجاوزاتها المستمرة في المفاوضات. ويسعى الوسيط الباكستاني إلى عقد جولة ثانية من المحادثات، لكن إيران تقول إنه بدون استكمال الاستعدادات والتوصل إلى الإطار اللازم، لن تكون هذه المحادثات ذات فائدة".

وقد برز التباين في المواقف الإيرانية حول دور باكستان بوضوح في تصريح لإبراهيم رضائي، البرلماني الإيراني والمتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان، الذي كتب في تغريدة له:
"إن السبب وراء ضغط العدو على إيران لإخراج المواد أو تخفيف تركيزها والوصول إلى نسبة تخصيب صفرية هو تجريدها من قدرتها على الردع في الحرب القادمة، حتى تتمكن من المضي قدمًا بثقة في مشروع التدمير والتفتيت. ولا ينبغي لنا أن نتفاءل بشأن حليف ترامب المقرب، قائد الجيش الباكستاني".

وحسب المصدر الإيراني، تعكس هذه التغريدة بوضوح حالة "الريبة" المتصاعدة داخل جزء من المؤسسة السياسية الإيرانية تجاه مسار المفاوضات الجارية، إذ يُنظر إلى الضغوط الغربية على أنها لا تستهدف فقط الملف النووي، بل تسعى في جوهرها إلى تقليص القدرة الردعية الإيرانية وإعادة تشكيل ميزان القوة لصالح خصومها في أي مواجهة مستقبلية.

كما يكشف الخطاب الذي تبناه رضائي عن قناعة راسخة لدى هذا التيار بأن مطلب "التخصيب الصفري" لا يمكن فصله عن سياق أوسع يهدف إلى إضعاف إيران استراتيجيًا، وهو ما يفسر التحذير من الثقة الزائدة في بعض الوسطاء الإقليميين، ومن بينهم باكستان، باعتبار أن أدوار الوساطة قد لا تكون محايدة بالكامل في الحسابات الإيرانية.

مشهد تفاوضي شديد التعقيد

تكشف المعلومات، وفق ما قال المصدر الإيراني، أن اللقاء الذي جمع قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، مع اللواء علي عبد اللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، لم يكن بروتوكوليًا فحسب، بل تناول بشكل مباشر قضايا التنسيق الأمني الإقليمي، وإمكانية لعب دور أوسع في تخفيف حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة. ويُنظر إلى هذا اللقاء، بحسب المصدر، كجزء من تحرك أوسع تقوده إسلام آباد لتعزيز موقعها كوسيط إقليمي موثوق.

ويضيف المصدر أن هذه التطورات تعكس مشهدًا تفاوضيًا شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات الاستراتيجية مع الضغوط الاقتصادية والاعتبارات الأمنية. وبينما تبدو بعض المؤشرات إيجابية من حيث استمرار قنوات الاتصال، إلا أن الطريق نحو أي اتفاق فعلي لا يزال محفوفًا بالعقبات، سواء على مستوى الخلافات مع الأطراف الخارجية أو التباينات داخل بنية النظام الإيراني نفسه.

وأشار إلى أن طهران لن تقدم على أي خطوة حاسمة في هذا الملف إلا بعد التأكد من توافر "ضمانات حقيقية" تضمن تحقيق مصالحها الأساسية، وفي مقدمتها رفع الضغوط الاقتصادية والحفاظ على توازنها الإقليمي. وحتى ذلك الحين، ستبقى المفاوضات في إطار "إدارة الأزمة" أكثر من كونها مسارًا لحلها بشكل نهائي.

في سياق متصل، قال الأكاديمي في جامعة طهران، حسين رويوران، إن زيارة الوفد الباكستاني إلى إيران وما تخللها من لقاءات مع عدد من المسؤولين الإيرانيين والأطراف المرتبطة بملف التفاوض مع الولايات المتحدة، تعكس دخول الوساطات الإقليمية مرحلة أكثر نشاطًا في محاولة إعادة ضبط مسارات التوتر بين طهران وواشنطن. ووفق هذا التصور، فإن التحرك الباكستاني لا يمكن فصله عن حالة السيولة السياسية التي تشهدها المنطقة، حيث تتقاطع ملفات غزة ولبنان والبحر الأحمر مع الملف النووي والعقوبات الاقتصادية في شبكة واحدة من التأثيرات المتبادلة.

ويرى رويوران أن طبيعة اللقاءات التي عقدها الوفد الباكستاني داخل إيران، والتي شملت أطرافًا متعددة ذات صلة بملف المفاوضات مع الولايات المتحدة، تشير إلى أن إسلام آباد تحاول تثبيت دورها كقناة تواصل مقبولة لدى مختلف الأطراف، خاصة في ظل تعقّد قنوات الوساطة التقليدية. ويضيف أن إيران تتعامل مع هذه التحركات من منطلق براغماتي، إذ لا ترفض مبدأ الوساطة، لكنها في الوقت نفسه تحرص على ألا تتحول هذه الوساطات إلى أداة ضغط سياسي أو إعادة صياغة لشروط التفاوض خارج الإطار الذي تراه مناسبًا لمصالحها.

وفي ما يتعلق بمسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، يرى رويوران أن طهران تتوقع استمرار حالة "اللا حسم" في المدى القريب، أي عدم الوصول إلى اتفاق شامل، ولكن أيضًا عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذا الوضع الوسطي، بحسب وصفه، يعكس توازن الردع القائم، حيث لا يمتلك أي طرف القدرة أو الرغبة في الذهاب إلى النهاية، في حين يستمر كل طرف في تحسين شروطه التفاوضية عبر الملفات الإقليمية.

ويضيف أن إيران تدرك أن المرحلة الحالية تقوم على إدارة دقيقة للتصعيد، وأن أي تقدم في المسار التفاوضي سيكون مرتبطًا ليس فقط بالملف النووي، بل أيضًا بتطورات الساحات الإقليمية، من لبنان إلى البحر الأحمر إلى العراق. وبالتالي، فإن زيارة الوفد الباكستاني، ووقف إطلاق النار في لبنان، والحراك الدبلوماسي غير المباشر، كلها عناصر ضمن لوحة واحدة معقدة، لا تزال في حالة إعادة تشكّل مستمرة، دون ملامح تسوية نهائية واضحة في الأفق القريب.

تجارب سابقة غير إيجابية

من جانبه، قال الأكاديمي في جامعة طهران، صادق كوشكي، إن الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن فصله عن "تجارب سابقة اتسمت بانعدام الثقة" من وجهة النظر الإيرانية، معتبرًا أن أي مسار تفاوضي جديد لا ينطلق من أرضية مستقرة، بل من إرث طويل من الاتفاقات التي انهارت بفعل قرارات سياسية مفاجئة من الجانب الأمريكي.

ويضيف كوشكي أن ما يزيد من حالة التشاؤم في إيران هو الاعتقاد بأن السياسات الأمريكية، خصوصًا في ظل عودة الخطاب المرتبط بترامب أو بنهجه السياسي، تتسم بعدم الاستقرار الاستراتيجي، إذ يمكن التراجع عن الالتزامات بسهولة بمجرد تغيّر الحسابات الداخلية في واشنطن. وهذا، بحسب رأيه، يجعل إيران أكثر ميلًا إلى التشدد في وضع الشروط المسبقة لأي مفاوضات جديدة، بهدف ضمان وجود آليات تنفيذ وضمانات تمنع تكرار سيناريو الانسحاب الأحادي.

وفي هذا السياق، يشير الأكاديمي الإيراني إلى أن طهران لا تنظر إلى الجولة التفاوضية المحتملة باعتبارها فرصة لاتفاق سريع، بل اختبارًا جديدًا لمدى جدية الطرف الأمريكي في الالتزام طويل الأمد. ولذلك، يتجه الموقف الإيراني، وفق هذا التحليل، نحو رفع سقف المطالب المرتبطة بالضمانات الاقتصادية ورفع العقوبات بشكل قابل للتحقق العملي، وليس فقط عبر وعود سياسية أو تفاهمات غير ملزمة قانونيًا.

كما يرى كوشكي أن هناك قناعة متزايدة داخل إيران بأن البيئة الإقليمية والدولية الحالية لا تشير إلى استقرار كافٍ يسمح ببناء اتفاق دائم، بل على العكس، فإن مؤشرات التصعيد في عدة ساحات، من البحر الأحمر إلى بعض مناطق الشرق الأوسط، تعزز احتمال العودة إلى المواجهة العسكرية في حال فشل إدارة التوتر. ويذهب إلى أن "انفجار الحرب" يبقى احتمالًا قائمًا إذا انهارت قنوات التواصل أو إذا استُخدمت المفاوضات كغطاء لإعادة فرض الضغوط بدل تخفيفها.

ويؤكد أن هذا الإدراك يدفع صناع القرار في طهران إلى التعامل مع التفاوض بوصفه جزءًا من استراتيجية ردع وليس مسار تسوية فقط، أي أن الهدف ليس الوصول إلى اتفاق بأي ثمن، بل منع الطرف الآخر من استغلال العملية التفاوضية لتحقيق مكاسب تكتيكية دون التزام فعلي.

ويعتقد صادق كوشكي أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية وتعقيدًا، وأن إيران ستدخل أي جولة تفاوضية جديدة وهي محمّلة بذاكرة سياسية ثقيلة وتجارب سابقة غير مطمئنة، ما يجعل هامش الثقة محدودًا للغاية، ويجعل احتمالات التوتر أو حتى الانفجار العسكري قائمة ما لم تظهر ضمانات مختلفة جذريًا عن كل ما سبق.

تحميل المزيد