دفعت الحرب الإيرانية التي دخلت خلال الأيام الماضية مرحلة استنزاف مفتوحة، دولاً إقليمية، وفي مقدمتها مصر، إلى إعادة التفكير في موقعها داخل منظومة التسليح العالمية، بين مستورد تقليدي ومنتج يسعى لفرض نفسه والعمل على توطين الصناعات العسكرية، خاصة على المستوى الإقليمي والقاري.
في هذا السياق، تكشف تحركات وزارة الدولة للإنتاج الحربي المصرية، كما تعكسها سلسلة الاتفاقيات والمشاورات الأخيرة، عن استراتيجية تقوم على توسيع قاعدة الشركاء الدوليين في التصنيع العسكري، بدل الارتهان لمصدر واحد للسلاح، لتعزيز قدرات الجيش المصري.
في هذا التقرير، نستعرض استناداً إلى أكثر من مصدر عسكري مصري طبيعة هذه التحركات المصرية شرقاً وغرباً، بحثاً عن اتفاقيات من أجل توطين الصناعات العسكرية، وكيف تسعى القاهرة للانتقال من موقع المتلقي إلى الفاعل داخل سلاسل القيمة الدفاعية العالمية.
حرب إيران وإعادة تشكيل سوق السلاح
تأتي التحركات المصرية في توقيت يشهد فيه سوق السلاح العالمي موجة غير مسبوقة من الطلب، مدفوعة بتداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، والتي سرّعت من وتيرة استهلاك الذخائر الأمريكية والغربية.
وبحسب تقرير لصحيفة "Financial Times" الأمريكية، فإن شركات الدفاع الأمريكية والأوروبية تستعد لجولة جديدة من الازدهار، بعد أن دخلت الحرب الإيرانية مرحلة استنزاف سريع للمخزونات، رغم الهدنة المؤقتة، ما فرض حاجة عاجلة لإعادة تعبئتها.
هذا الواقع يأتي امتداداً لمرحلة سابقة شهدت طفرة في الطلب على السلاح عقب الحرب في أوكرانيا، لكنه يتخذ الآن طابعاً أكثر حدة، مع تزايد الضغط على خطوط الإنتاج وارتفاع تكلفة الحصول على الأنظمة المتطورة.
في هذا السياق، لم تعد صفقات السلاح مجرد عمليات تجارية، بل أصبحت خاضعة بشكل أكبر لمعادلات القوة والتحالفات السياسية، وهو ما ينعكس بشكل خاص في الشرق الأوسط، حيث تبرز الحاجة المستعجلة للسلاح، خاصة فيما يرتبط بأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.
وبحسب مصدر عسكري مصري، فإن القاهرة تدرك أن هناك توجهاً أمريكياً للحفاظ على تفوق نوعي واضح لصالح إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالأنظمة الأكثر تطوراً، وهو ما يحد من قدرة الدول الإقليمية على الحصول على تكنولوجيا عسكرية متقدمة بشروط متكافئة.
هذا الإدراك، إلى جانب التغير في طبيعة الحروب، حيث أثبتت المواجهات الأخيرة أن الأسلحة منخفضة التكلفة، مثل الطائرات المسيّرة والذخائر الذكية، قادرة على إحداث توازنات جديدة، شكّل دافعاً إضافياً لتبني نموذج مختلف في بناء القوة العسكرية، يقول المصدر العسكري لـ"عربي بوست".
نحو التصنيع العسكري متعدد الشراكات
في مواجهة هذه المعطيات، تبنّت القاهرة استراتيجية تقوم على الانتقال التدريجي من نموذج الاستيراد الكامل لحاجاتها من السلاح، إلى نموذج التصنيع المشترك وتوطين الصناعات العسكرية، مع الحرص على تنويع الشركاء الدوليين، سواء غرباً مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة أو شرقاً مع دول آسيوية.
ووفق ما كشفته مصادر عسكرية لـ"عربي بوست"، فإن مصر "تعلمت من دروس الماضي" وترفض اليوم رهن تفوقها العسكري بصفقات خارجية أصبحت أكثر عرضة للتقلبات السياسية. هذا التحول لا يعني التخلي عن صفقات التسليح، بل إعادة توظيفها كأداة لفتح خطوط إنتاج داخلية ونقل التكنولوجيا.
فمنذ عام 2014، بدأت القاهرة في ربط صفقات السلاح الكبرى بمتطلبات التصنيع المحلي، وهو ما ظهر بوضوح في صفقة طائرات "Dassault Rafale"، حيث تم لاحقاً الإعلان عن تصنيع أجزاء من الطائرة داخل مصانع الهيئة العربية للتصنيع، مع اعتماد هذه المصانع ضمن سلاسل الإمداد العالمية لشركة "Dassault Aviation".
ويشير المصدر العسكري المصري في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن هذا التوجه يهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، من بينها تعزيز القدرات القتالية للقوات المسلحة، وتقليل الاعتماد على الخارج، وفتح آفاق للتصدير نحو الأسواق الإقليمية، خاصة في إفريقيا.
كما أن تنويع الشراكات، الذي يشمل دولاً مثل تركيا والصين وكوريا الجنوبية وفرنسا وألمانيا والهند، يمنح مصر هامش مناورة أوسع في مواجهة القيود السياسية والتكنولوجية، التي تكون أكثر شدة خلال الأزمات والحروب، وهو ما بدا واضحاً خلال الحرب الإيرانية.
الشراكات الدولية وتوطين التكنولوجيا
على مستوى التنفيذ، كثّفت وزارة الدولة للإنتاج الحربي المصرية من مشاوراتها واتفاقياتها مع شركات ودول متعددة، في إطار استراتيجية تقوم على نقل التكنولوجيا وتوطينها.
ففي مطلع شهر أبريل/ نيسان 2026، عقد وزير الدولة للإنتاج الحربي، صلاح جمبلاط، اجتماعات مع شركات من بينها Thales Group وJung-Hans، ركزت على التعاون في مجال إنتاج الذخائر، والاستفادة من الإمكانيات التكنولوجية والتصنيعية المتاحة لدى الجانبين.
وتطرقت هذه الاجتماعات إلى قدرات شركة "أبو زعبل" للصناعات المتخصصة (مصنع 300 الحربي)، التي تُعد من أبرز المنشآت المصرية في مجال تصنيع "الطابات" (Fuzes/Detonators) أو الصواعق المستخدمة في الذخائر بمختلف أنواعها وأعيرتها.
كما بحثت القاهرة مع شركة "تاليس" إنشاء كيان صناعي مشترك تحت اسم "تاليس بنها"، ليكون منصة لسلاسل الإمداد في مجال الإلكترونيات الدفاعية، وبرز التعاون مع ألمانيا في نقل تكنولوجيا تصنيع الصواعق والذخائر، في وقت تعوّل فيه مصر على تزايد الطلب العالمي على هذه المنتجات.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تعاون بحري شمل الحصول على فرقاطات من طراز MEKO A-200، مع تصنيع إحدى هذه الفرقاطات محلياً في ترسانة الإسكندرية، حيث تم تدشين الفرقاطة "الجبار" (910) خلال معرض EDEX 2023.
أما على الصعيد الآسيوي، فقد توسعت القاهرة في شراكاتها مع كوريا الجنوبية والهند والصين وتركيا، ويبرز في هذا الإطار مشروع تصنيع منظومة المدفعية ذاتية الحركة K9A1 EGY بالتعاون مع شركة "Hanwha Aerospace"، والذي يمثل أحد أهم مشاريع التصنيع المشترك المعروضة خلال معرض "EDEX 2025".
كما أجرت القاهرة محادثات مع شركة "Paras Defence and Space Technologies" لتعزيز التعاون في مجالات التصنيع الهندسي المتقدم، بما يشمل الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية، والاستفادة من الخبرة الهندية في تطوير الأسلحة الأمريكية والروسية.
وفي فبراير/ شباط 2026، أعلن وزير الدفاع التركي، يشار غولر، عن إبرام حزمة اتفاقيات عسكرية نوعية بين أنقرة والقاهرة، تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية المصرية وتوطين تكنولوجيا التصنيع العسكري.
وأشار المسؤول التركي إلى أن القيمة الإجمالية للعقود المبرمة تناهز 350 مليون دولار، وتشمل شقين رئيسيين: الأول يتعلق بتوريد منظومات دفاعية متطورة، والثاني يركز على نقل التكنولوجيا لإنشاء مصانع ذخيرة داخل الأراضي المصرية.
واستحوذت صفقة منظومة الدفاع الجوي والقتال القريب "TOLGA" على حصة كبيرة من الاتفاقيات بقيمة تُقدّر بنحو 150 مليون دولار، وهي مدعومة برادار متطور ونظام رصد كهروبصري، بالإضافة إلى قدرات تشويش إلكتروني مخصصة لتحييد خطر الطائرات المسيّرة (Drones)، ما يعزز من قدرات الدفاع الجوي المصري ضد التهديدات الحديثة.
من اكتفاء الجيش المصري إلى التصدير
لا تقتصر الاستراتيجية المصرية على تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل تمتد لتشمل بناء قطاع صناعي دفاعي قادر على المنافسة إقليمياً. ووفق مصادر "عربي بوست"، فإن القاهرة تعوّل على تصدير منتجاتها العسكرية إلى الأسواق الإفريقية والدول المجاورة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها السياسية.
هذا التوجه يتيح لمصر تقاسم تكلفة التصنيع مع شركائها، في ظل إدراك بأن تطوير الصناعات العسكرية يتطلب استثمارات ضخمة قد تشكل ضغطاً مالياً على المدى القصير، ومن خلال الشراكات، يمكن تقليل هذه الأعباء، مقابل تقاسم العوائد المستقبلية، سواء من خلال التصدير أو من خلال الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية.
كما أن الشركات الأجنبية تستفيد بدورها من التعاون مع مصر، ليس فقط من حيث التكلفة، بل أيضاً من خلال الارتباط بقوة عسكرية ذات تصنيف متقدم عالمياً، ما يعزز فرصها في الوصول إلى أسواق جديدة.
وتؤكد المصادر أن هذه الشراكات تبقى في إطار تجاري بحت، دون فرض اشتراطات سياسية مباشرة، ما يعكس طبيعة العلاقات العسكرية والدبلوماسية التي تربط مصر بالدول الشريكة.
تحديات تواجه توطين الصناعات العسكرية
رغم هذا التوسع، تواجه مصر تحديات حقيقية في مسار توطين الصناعات العسكرية، في مقدمتها ارتفاع التكلفة، وتعقيدات نقل التكنولوجيا، واستمرار الاعتماد الجزئي على الخارج في بعض المكونات الحساسة.
وتشير المصادر العسكرية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، مفضلة عدم ذكر اسمها لحساسية مناصبها، إلى أن القاهرة تدرك هذه التحديات، وتسعى إلى تجاوزها عبر تنويع الشركاء وتقاسم الأعباء المالية والتقنية.
ويأتي هذا المسار امتداداً لتاريخ طويل من محاولات بناء قاعدة صناعية عسكرية، تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، مروراً بتجربة الهيئة العربية للتصنيع، وصولاً إلى مرحلة ما بعد 2014 التي شهدت تسارعاً في وتيرة التحديث.
وقد ساهمت تجربة تصنيع دبابة Abrams في ترسيخ هذا التوجه، من خلال نقل المعرفة وبناء كوادر بشرية متخصصة.
وتؤكد المصادر أن الحفاظ على هذه القدرات، رغم انسحاب بعض الشركاء العرب في فترات سابقة، مكّن مصر من العودة بقوة إلى مسار الشراكات الدولية، ولكن هذه المرة بشروط مختلفة، تقوم على تحقيق مكاسب متبادلة.
وفي هذا الإطار، تسعى القاهرة إلى تحقيق توازن بين الطموح في الاستقلال العسكري عبر توطين الصناعات العسكرية، والواقعية التي تفرضها طبيعة الصناعات الدفاعية المعقدة.
ويعكس المسار الحالي محاولة مصرية لإعادة تعريف موقعها داخل منظومة التسليح العالمية، ليس فقط كمستورد، بل كفاعل صناعي يسعى لامتلاك أدوات القوة في زمن تتغير فيه قواعد الحرب بسرعة.
وبين ضغوط السوق العالمية، ودروس الحروب الحديثة، وطموحات الاستقلال، يبدو أن القاهرة تخوض رهاناً طويل الأمد بالعمل على توطين الصناعات العسكرية، ستكون نتائجه حاسمة في تحديد شكل قوتها العسكرية خلال العقود المقبلة.