في السياسة الإيرانية، لا يظهر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، كاسمٍ عابر في قائمة المسؤولين، بل كأحد أولئك الذين تحوّلوا بين أكثر من دور داخل الدولة نفسها: من قائد في الحرس الثوري إلى قائد للشرطة، ثم إلى عمدة لطهران، وصولًا إلى موقعه في قلب المؤسسة التشريعية، انتهاءً برئيس وفد التفاوض مع أمريكا في باكستان لوقف الحرب الدائرة الآن.
مسار يبدو أقرب إلى "خريطة نفوذ" منه إلى سيرة وظيفية تقليدية، حيث تتداخل فيه أدوات الأمن بالإدارة، والعسكرة بالتخطيط المدني، والسياسة بالهندسة التنظيمية للدولة. قاليباف ليس شخصية تُقرأ من زاوية واحدة؛ فهو ابن تجربة الثورة وما بعدها، صعد داخل بنية ترى في الانضباط الأمني وسيلة للحكم بقدر ما ترى في الإدارة أداة للاستقرار. لذلك ظل حضوره دائمًا مرتبطًا بفكرة "الدولة المُدارة من الداخل" أكثر من كونه مجرد سياسي انتخابي، وهو ما جعله حاضرًا في كل مرحلة مفصلية تقريبًا من تطور النظام الإيراني خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
قاليباف الذي يخاطب المواطن الإيراني
كانت تغريدة قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، الذي برز دوره في المشهد الإيراني في الحرب الدائرة الآن بين بلاده من ناحية وأمريكا وإسرائيل من ناحية أخرى، التي كتبها للسخرية من المواطن الأمريكي بسبب قرار أمريكا حصار مضيق هرمز، لافتة وكاشفة عن عقلية الرجل الذي يدير معركة بلاده سياسيًا من خلال مسارين، أحدهما يتعلق بمخاطبة الجمهور الأمريكي الذي بات يهتم به من خلال تفاعل الإعلام الأمريكي والغربي مع دور الرجل في مفاوضات الحرب الحالية.
سخر قاليباف من قرار ترامب حصار مضيق هرمز، قائلًا إن الأمريكيين سيشعرون قريبًا بالحنين إلى الفترة التي كان فيها سعر البنزين 4 دولارات. وكتب قاليباف على منصة "إكس": "استمتعوا بأرقام المضخات الحالية". وأضاف قاليباف قائلًا: "مع ما يسمى بـ'الحصار'، ستشعرون قريبًا بالحنين إلى أسعار البنزين التي تتراوح بين 4 و5 دولارات".
أرفق قاليباف منشوره بلقطة شاشة لأسعار الوقود في واشنطن العاصمة مع عبارة البحث عن "محطة وقود بالقرب من البيت الأبيض". كما أدرج معادلة رياضية تشير إلى أن ارتفاع الأسعار سيكون ارتفاعًا مركبًا وغير خطي.
هذه التغريدة كشفت كيف يدير قاليباف، الرجل القادم من الحرس الثوري، معركة بلاده مع أمريكا وكذلك إسرائيل من منصة "إكس". وقد سبق هذه التغريدة تغريدة سابقة كشفت "كيف يحاول ترامب خداع الجمهور الأمريكي"، وقد لاقت تفاعلًا ضخمًا، أثبت قاليباف معها أنه قادر على أن يروّج لسردية بلاده في ظل الحرب التي تقودها أمريكا على إيران ومعها إسرائيل.
نشر قاليباف ما يمكن أن يُطلق عليه "نصائح تداول" على منصة "إكس" في 29 مارس 2026، واصفًا إعلانات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن سياسة الطاقة بأنها "مؤشر عكسي"، وحاثًا المتابعين على اتخاذ مواقف معاكسة. تزامنت التصريحات مع انهيار استراتيجية تداول "ترامب دائمًا يتراجع" (TACO) التي حدّدت سلوك السوق طوال عام 2025، حيث اقترب عائد سندات الخزانة الأمريكية لمدة 10 سنوات من 4.5%، وأصبح الخطر الجيوسياسي الناتج عن الصراع الأمريكي الإيراني متجذرًا في أسعار الأصول بدلًا من اعتباره عامل إزاحة مؤقتًا.
كتب قاليباف أن منشورات ترامب قبل السوق على وسائل التواصل الاجتماعي تعمل كإعدادات لجني الأرباح، وقال إن هذه الإعلانات تعمل كمؤشر عكسي، منبهًا المتداولين إلى أخذ الجانب المعاكس من التحركات المتعلقة بالطاقة. وقد تحققت "توقعات" قاليباف، حيث إنه في اليوم التالي نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغريدة قبل افتتاح الأسواق بساعتين، يتحدث فيها عن "تقدم كبير" في المفاوضات مع إيران، حيث ارتفعت الأسواق عند الافتتاح ثم تراجعت، تمامًا كما توقّع قاليباف.
فمن هو هذا الرجل، وكيف يرى الجيوبوليتيك الخاص بإيران؟
لا يظهر محمد باقر قاليباف في السياق السياسي الإيراني الآن كشخصية سياسية تقليدية تتحرك داخل نظام ثابت، بل ككائن سياسي–مؤسسي متعدد الطبقات، يتبدّل شكله ووظيفته مع كل مرحلة من مراحل الدولة الإيرانية الحديثة. فهو ليس مجرد مسؤول تدرّج في المناصب، بل نموذج لرجل ظل يتحرك داخل "الدولة نفسها" بكل تناقضاتها: العسكرية، والأمنية، والعمرانية، والتشريعية، وحتى الرمزية الأيديولوجية، دون أن يخرج من مركزها الفعلي.
منذ البداية، يتشكّل هذا المسار داخل بيئة ثورية–عسكرية. مع انطلاق الثورة الإسلامية، يبدأ قاليباف نشاطه داخل الباسيج، ثم ينتقل سريعًا إلى ساحة الحرب العراقية–الإيرانية ضمن صفوف الحرس الثوري الإيراني. هنا لا يظهر كمجرد عنصر في الجبهة، بل كجزء من منظومة إدارة الحرب نفسها، حيث تولّى مسؤوليات استخبارات العمليات، وهو ما يضعه مبكرًا في قلب "العقل العسكري" لا في أطرافه.
يتدرج بسرعة داخل البنية العسكرية: قائد كتيبة، ثم قائد لواء الإمام الرضا، ثم قائد فرقة نصر خراسان، ثم قيادة فرقة كربلاء 25. هذا التسلسل لا يعكس فقط مسارًا مهنيًا، بل يعكس أيضًا طبيعة الدولة في تلك المرحلة: دولة تُنتج قياداتها من داخل الحرب، وتمنح الشرعية عبر الميدان لا عبر المؤسسات المدنية التقليدية.
بعد انتهاء الحرب، لا يغادر قاليباف المجال العسكري، بل ينتقل إلى شكله الإداري–التنظيمي. يتولى قيادة مقر النجف، ثم قيادة قوات الباسيج المقاومة، ليبقى داخل البنية الأمنية للدولة في مرحلة إعادة التأسيس ما بعد الحرب.
لكن التحول الأهم يأتي عام 1994، حين يُعيَّن قائدًا لمقر "خاتم الأنبياء" للإنشاءات. هنا ينتقل من منطق الحرب إلى منطق الإعمار، لكن دون الخروج من منطق الدولة العسكرية–المؤسسية. في هذه المرحلة، يرتبط اسمه بمشاريع كبرى: خط سكة حديد مشهد–سرخس، إمدادات الغاز لعدة محافظات، منشآت بحرية في الخليج العربي، وسد الكرخة. هذه ليست مشاريع مدنية عادية، بل مشاريع بنية تحتية استراتيجية تعكس تصورًا للدولة كجهاز هندسي ضخم يعيد تشكيل الجغرافيا.
ثم تأتي مرحلة مختلفة، لكنها أكثر حساسية: عام 1997 يتم تعيينه قائدًا للقوات الجوية التابعة للحرس الثوري بقرار من المرشد الأعلى علي خامنئي. في هذه المرحلة، تتوسع خبرته لتشمل الطيران، حيث يخضع لدورة تدريب في فرنسا على طائرات إيرباص، ويصبح لاحقًا طيارًا في الخطوط الجوية الإيرانية. هذا الدمج بين العسكري والمدني في مجال الطيران يعكس طبيعة شخصيته: لا ينتقل بين العوالم، بل يدمجها داخل مسار واحد.
لكن هذه المرحلة لا تنفصل عن التوتر السياسي. خلال قيادته للقوات الجوية، تقع أحداث حي جامعة طهران عام 1999، وهي واحدة من أكثر لحظات الاحتكاك حساسية بين الشارع والدولة. في هذا السياق، تُنشر رسالة من قادة الحرس الثوري إلى الرئيس آنذاك محمد خاتمي، تضمنت تهديدًا ضمنيًا بالتدخل إذا لم تتم السيطرة على الوضع. وكان اسم قاليباف ضمن الموقّعين على هذه الرسالة، ما يضعه في موقع الفاعل داخل لحظة سياسية شديدة التوتر بين المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية.
لاحقًا، ومع دخوله الحياة السياسية العلنية، يعود هذا الحدث إلى الواجهة عندما يصرّح خلال حملته الانتخابية عام 2013 بتفاصيل مثيرة للجدل حول تلك الفترة، متحدثًا عن وجوده الميداني في الشارع ومشاركته في مواجهة الاحتجاجات، في سردية تمزج بين الأمن والسياسة والشرعية الثورية.
قبل ذلك، كان قد انتقل بالفعل إلى مجال الأمن الداخلي عام 2000، عندما تولّى قيادة قوى الشرطة، ثم رئاسة هيئة مكافحة تهريب البضائع والعملات عام 2003. في هذه المرحلة، يتحول دوره من عسكري ميداني إلى مدير لملف الاقتصاد غير الرسمي والأمن الداخلي. يرتبط اسمه بتحديث منظومة الشرطة، بما في ذلك إطلاق نظام الطوارئ 110، وتطوير الخدمات الإلكترونية، وتوسيع البنية المؤسسية للأمن الداخلي. كما قاد حملات لمكافحة تهريب السجائر، وكشف موانئ غير قانونية، مع إنشاء محاكم خاصة بقضايا التهريب.
هذا التحول يمهّد لمرحلة أكثر وضوحًا في صورته العامة: إدارة المدن. في عام 2005، يصبح عمدة طهران، ويستمر في هذا المنصب حتى عام 2017. هنا يتحول إلى وجه يومي للدولة داخل حياة الناس، عبر مشاريع البنية التحتية الكبرى: توسيع المترو، تطوير الحافلات السريعة (BRT)، تحسين شبكة النقل العام، وتحديث المدينة عمرانيًا. خلال هذه الفترة، حصلت طهران على تقديرات دولية، بينها تصنيفه ضمن أفضل رؤساء البلديات عالميًا وفق تصويت عام.
لكن، في موازاة الإدارة، يدخل قاليباف إلى السياسة الانتخابية بشكل متكرر. في انتخابات 2005 الرئاسية، يترشح ويحل رابعًا. في 2009، يخوض الانتخابات بشعار "إيران فخورة"، ويحل ثانيًا بعد حسن روحاني. في 2013، يعود دون فوز. في 2017، ينسحب لصالح إبراهيم رئيسي قبل أيام من الانتخابات. ثم في انتخابات 1403، يدخل مواجهة أكثر تعقيدًا داخل معسكره نفسه، حيث ينقسم التيار الأصولي حول ترشحه، بين داعمين له وضاغطين عليه للانسحاب لصالح شخصيات أخرى، لينتهي السباق بخروجه من الجولة الأولى أمام مسعود بزشكيان وسعيد جليلي.
هذا النمط المتكرر لا يعكس فقط إخفاقًا انتخابيًا، بل يعكس موقعًا سياسيًا خاصًا: شخصية داخل السلطة لكنها ليست محل إجماع داخل جناحها السياسي نفسه، بل أحيانًا نقطة توتر داخله.
في عام 2020، يصل إلى ذروة جديدة داخل النظام السياسي عندما يُنتخب رئيسًا لمجلس الشورى الإسلامي، ممثلًا عن طهران وري وشميرانات وإسلامشهر وبارديس، بعد أن كان نائبًا في الدورتين الحادية عشرة والثانية عشرة. بهذا الانتقال، يصبح في قلب السلطة التشريعية، أحد أهم مراكز القرار في البلاد.
إلى جانب ذلك، يحمل قاليباف بعدًا أكاديميًا واضحًا. فهو حاصل على الدكتوراه في الجغرافيا السياسية، وقد ناقش أطروحته حول تطور المؤسسات المحلية في إيران عام 2001. كما يعمل أستاذًا جامعيًا في جامعة طهران، وأستاذًا مشاركًا في جامعة تربيت مدرس. هذا الجانب الأكاديمي لا يظهر كمسار منفصل، بل كامتداد لمحاولته بناء "نظرية دولة" من داخل التجربة التنفيذية نفسها.
كما نشر ثلاثة كتب رئيسية: عن الحكم المحلي أو توزيع السلطة السياسية، وعن الدولة التنموية، وعن تاريخ الشرق الأوسط المعاصر بعد الحرب العالمية الأولى. هذه الكتابات تعكس محاولة لفهم الدولة الإيرانية في سياقها الإقليمي والتاريخي، وليس فقط إدارتها اليومية.
على المستوى الرمزي والسياسي–الإعلامي، ارتبط اسمه أيضًا بلقب مثير للجدل هو "حائك السجاد"، الذي ظهر في سياقات نقدية وسجالية داخل الفضاء السياسي والإعلامي.
وفي سياق المواجهات السياسية الخارجية، ظهر اسمه أيضًا في ردود على التوتر مع الولايات المتحدة، حين نشر تعليقًا ساخرًا على صفحته حول أسعار البنزين في محطات محيطة بالبيت الأبيض ردًا على تهديدات تتعلق بمضيق هرمز، متحدثًا عن أن الأمريكيين سيحنّون إلى زمن أسعار الوقود المنخفضة، في خطاب يجمع بين السياسة الاقتصادية والرسائل الرمزية.
في موازاة ذلك، يُنقل عنه خطاب انتخابي يتناول فيه الأزمات الداخلية: المعيشة، التضخم، الفقر، العقوبات، انخفاض القوة الشرائية، السكن، الإنترنت، وسوق السيارات، باعتبارها ملفات مترابطة تتطلب "حكومة فعالة ذات إدارة مسؤولة وثورية".
على المستوى العائلي، ينحدر قاليباف من مدينة طرقبة، حيث وُلد عام 1961. والده كردي الأصل، ووالدته فارسية. استُشهد شقيقه حسن قاليباف في الحرب العراقية–الإيرانية خلال عملية كربلاء 4. تزوّج عام 1982، وزوجته زهرة مشير من نفس المدينة، وقد أُشير إلى أن عقد قرانه تم بحضور الإمام الخميني، وأن له ثلاثة أبناء.
بهذا الشكل، لا يظهر قاليباف كشخصية سياسية يمكن تلخيصها في منصب واحد أو مرحلة واحدة، بل كمسار طويل داخل الدولة الإيرانية نفسها: من الجبهة إلى المؤسسة، من الأمن إلى الإعمار، من البلدية إلى البرلمان، ومن الطموح الرئاسي إلى رئاسة السلطة التشريعية، مع بقاء ثابت واحد في كل هذه التحولات: أنه ظل دائمًا داخل مركز الدولة، حتى عندما اختلف معه جزء من محيطه السياسي.
كيف يفكر قاليباف، وما الذي تمثّله الجيوبوليتيك الإيرانية له؟
في قراءة أفكار محمد باقر قاليباف، لا يظهر الرجل ككاتب أكاديمي منعزل عن الواقع، ولا كمنظّر سياسي تقليدي، بل كفاعل إداري–عسكري يحاول تحويل تجربته الميدانية الطويلة إلى "نظرية دولة" تُبنى على الكفاءة والقدرة التنفيذية وفهم الجغرافيا بوصفها أساس السياسة. لذلك فإن أفكاره – كما تتجسد في كتاباته المنسوبة إليه – لا تنفصل عن سيرته العملية، بل تبدو امتدادًا مباشرًا لها: الدولة عنده ليست فكرة مجردة، بل جهاز يعمل، والجغرافيا ليست خريطة، بل قدرًا سياسيًا.
في كتابه حول "الحكومة المحلية واستراتيجية توزيع السلطة السياسية في إيران"، ينطلق قاليباف من سؤال يبدو إداريًا في ظاهره، لكنه سياسي بامتياز: لماذا تعجز الدولة عن تحقيق التوازن بين المركز والأطراف؟ في هذا الكتاب، يقدم نقدًا واضحًا لفكرة المركزية الإدارية المفرطة، معتبرًا أنها تُنتج دولة قوية في الشكل، لكنها بطيئة في الأداء وغير عادلة في توزيع التنمية. غير أن هذا النقد لا يتحول لديه إلى دعوة لتفكيك المركز، بل إلى إعادة هندسة وظيفته. فهو لا يتخيل دولة أقل حضورًا، بل دولة أكثر كفاءة، تُدير المركز من خلال تفويض محسوب للصلاحيات التنفيذية دون التفريط في وحدة القرار السياسي.
هنا تتشكل بذرة فكرية أساسية في رؤيته: الدولة ليست مشكلة في ذاتها، بل طريقة إدارتها هي المشكلة. ولذلك، فإن الحل ليس في تقليص الدولة، بل في إعادة توزيع أدوارها بشكل يجعلها أكثر قدرة على الحركة. هذا التصور يعكس عقلًا تشكّل داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، حيث الكفاءة والتنظيم أهم من النقاشات النظرية حول حدود الدولة.
في كتابه "إيران والدولة التنموية"، يتسع الإطار من الداخل الإداري إلى الاقتصاد السياسي للدولة. هنا يتحول السؤال من "كيف تُدار الدولة؟" إلى "كيف تُنتج الدولة التنمية؟". يرفض قاليباف فكرة الاعتماد الكامل على السوق بوصفها محركًا وحيدًا للنمو، ويطرح بدلًا منها نموذج "الدولة الفاعلة" التي لا تكتفي بالتنظيم، بل تتدخل في التخطيط وتوجيه الاستثمارات وبناء البنية الاقتصادية. الدولة في هذا التصور ليست مراقبًا محايدًا، بل مهندسًا اقتصاديًا.
ويستدعي في هذا السياق تجارب شرق آسيا، حيث لعبت الدولة دورًا مركزيًا في قيادة التحول الصناعي. لكن الأهم في هذا الكتاب ليس المقارنة، بل الربط الذي يقيمه بين الاقتصاد والأمن: ضعف الاقتصاد ليس مجرد مشكلة معيشية، بل تهديد مباشر لمكانة الدولة وقدرتها على الصمود في بيئة إقليمية مضطربة. بهذا المعنى، تصبح التنمية جزءًا من الأمن القومي، وليس مجرد هدف اجتماعي.
هذا الربط بين الاقتصاد والأمن يتطور في عمله حول "الشرق الأوسط المعاصر: التاريخ السياسي بعد الحرب العالمية الأولى"، حيث يغادر الإطار الداخلي تمامًا نحو قراءة النظام الإقليمي. في هذا النص، لا تُفهم المنطقة بوصفها مجموعة دول منفصلة، بل كنتاج تاريخي لإعادة تشكيل ما بعد انهيار الدولة العثمانية، حيث رسمت القوى الدولية خرائط سياسية لا تزال تحكم الواقع حتى اليوم.
في هذا السياق، يفسر قاليباف الصراعات الإقليمية لا بوصفها أحداثًا طارئة، بل كامتداد لبنية جيوسياسية تاريخية طويلة. فالجغرافيا عنده ليست خلفية محايدة، بل عامل فاعل يحدد سلوك الدول وحدود نفوذها. ومن هنا تنبع فكرته المركزية: أن إيران ليست دولة عادية داخل هذا النظام، بل تقع في قلبه، وبالتالي فإن دورها الإقليمي ليس خيارًا سياسيًا، بل نتيجة لموقعها الجغرافي.
من هذه الأعمال الثلاثة تتبلور ملامح رؤية فكرية واحدة: دولة قوية لا تقوم فقط على الشرعية السياسية، بل على الكفاءة التنفيذية؛ اقتصاد موجّه لا يترك مصيره للسوق وحده، بل تديره الدولة ضمن رؤية استراتيجية؛ وجغرافيا سياسية تعتبر أن موقع الدولة يحدد جزءًا كبيرًا من سلوكها الخارجي.
لكن هذه الأفكار لا تتوقف عند حدود النظرية العامة للدولة، بل تمتد إلى تصور أوسع لدور إيران في الإقليم. في هذا الإطار، تظهر إيران عند قاليباف كـ"مركز جيوسياسي" لا يمكن تجاوزه، ليس فقط لأنها دولة كبيرة، بل لأنها تقع عند تقاطع جغرافي حساس يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط والخليج. هذا الموقع يمنحها – وفق هذا التصور – قدرة طبيعية على التأثير في طرق الطاقة والتجارة ومسارات الأمن الإقليمي، ويجعل أي مشروع استقرار في المنطقة غير ممكن دون أخذها في الاعتبار.
لكن هذه المركزية الجغرافية ليست كافية وحدها، إذ يربط قاليباف بين الدور الخارجي للدولة وقوتها الداخلية. فإيران القوية خارجيًا، في نظره، يجب أن تكون أولًا دولة فعالة داخليًا، قادرة على إدارة اقتصادها ومؤسساتها بكفاءة، وإلا فإن نفوذها الخارجي يصبح هشًا وغير مستدام.
عند الانتقال إلى الإطار الإقليمي، تتضح أكثر طبيعة التفكير الجيوسياسي لديه. العراق في هذا التصور ليس مجرد جار غربي، بل "عمق استراتيجي" لإيران. التحولات التي أعقبت عام 2003 جعلت من العراق ساحة مركزية لإعادة تشكيل توازنات القوة في المنطقة. لكن التعامل معه لا يقوم على فكرة السيطرة المباشرة، بل على إدارة شبكة مصالح أمنية واقتصادية معقدة، تمنع في الوقت نفسه حدوث فراغ استراتيجي يمكن أن تستفيد منه قوى منافسة.
تركيا ودول الخليج تظهر في هذا التصور كجزء من معادلة توازن لا يمكن تجاهلها، حيث لا يمكن لإيران – في هذا المنطق – أن تدير الإقليم بمعزل عن محيطها، بل ضمن شبكة توازنات متعددة الأطراف.
أما سوريا، فتأخذ في هذا الفكر موقعًا أكثر تركيبًا، إذ تُقرأ كحلقة وصل جغرافية بين إيران وشرق المتوسط. هنا تظهر فكرة "الخط البري الاستراتيجي"، الذي لا يُقدَّم كمسار جغرافي فقط، بل كبنية سياسية–أمنية تضمن استمرار التواصل الإقليمي. سوريا ليست ملفًا داخليًا منفصلًا، بل جزء من هندسة أوسع للأمن القومي الإيراني، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة في وحدة واحدة.
وفي لبنان، تبلغ هذه الرؤية ذروتها من حيث الرمزية الجغرافية. فهو يُنظر إليه كواجهة بحرية لهذه المنظومة الممتدة، وكحلقة تصل البر بالبحر، والشرق بالمتوسط. أهميته لا تنبع من كونه دولة منفصلة، بل من موقعه داخل شبكة إقليمية مترابطة تبدأ من إيران وتمر بالعراق وسوريا، وتنتهي على ساحل المتوسط. في هذا المنطق، لا توجد ملفات منفصلة، بل منظومة واحدة متصلة.
ما يجمع كل هذه المستويات – من الكتابات النظرية إلى التصور الإقليمي – هو فكرة مركزية واحدة: أن السياسة ليست إدارة قرارات منفصلة، بل إدارة فضاء جغرافي–اقتصادي–أمني متكامل. الدولة في هذا التصور ليست كيانًا داخل حدود، بل عقدة في شبكة أوسع، وقوتها تُقاس بقدرتها على الحركة داخل هذه الشبكة.
بهذا المعنى، إيران في فكر قاليباف ليست مجرد دولة تسعى إلى دور إقليمي، بل دولة "محكومة بموقعها"، حيث تتحول الجغرافيا إلى عنصر فاعل في السياسة، وتصبح إدارة هذا الموقع هي جوهر الدولة نفسها. ومن هنا تأتي رؤيته التي تمزج بين الواقعية الصلبة والبراغماتية التنفيذية: لا مجال لفصل الأمن عن الاقتصاد، ولا الجغرافيا عن السياسة، ولا الداخل عن الإقليم، لأن كل هذه العناصر في النهاية تُشكّل شيئًا واحدًا هو الدولة.
مصير الحرب وقاليباف
في ضوء هذا المسار الطويل والمتشابك بين المؤسسة العسكرية والدولة التشريعية، يظهر قاليباف كأحد أكثر الشخصيات الإيرانية خبرة في إدارة الملفات المركّبة التي تمزج بين الأمن والسياسة. فالرجل الذي تدرّج في البنية الصلبة للحرس الثوري، وشارك في الحرب العراقية–الإيرانية، ثم انتقل إلى مواقع قيادية في الشرطة وبلدية طهران، قبل أن يستقر في رئاسة البرلمان، يدخل اليوم إلى ساحة أكثر حساسية وتعقيدًا عبر ترؤسه وفدًا تفاوضيًا مع الولايات المتحدة في باكستان، في خطوة تعكس ثقة النظام في قدرته على الجمع بين لغة القوة التي تشكّلت في المؤسسة العسكرية، وأدوات البراغماتية السياسية التي اكتسبها خلال عقود من العمل التنفيذي والتشريعي.
غير أن هذه الصورة لا تأتي دون ظلالها؛ إذ لطالما حامت حول قاليباف شبهات تتعلق بسوء الإدارة والفساد خلال فترات توليه مناصب تنفيذية، خصوصًا في بلدية طهران، حيث ارتبط اسمه بملفات جدلية أثارت انتقادات سياسية وإعلامية متكررة، وإن لم تُحسم قضائيًا بصورة نهائية. هذه الخلفية تضعه أمام اختبار مزدوج في أي دور تفاوضي خارجي: اختبار الثقة الداخلية داخل النظام الإيراني، واختبار الصورة أمام الخصوم الدوليين الذين ينظرون إلى سجلّه الإداري والسياسي بعين التدقيق.
وفي سياق التوقعات، يُرجَّح أن يتعامل قاليباف مع المفاوضات من منطلق "البراغماتية الصارمة"، أي الجمع بين التشدد في الثوابت الاستراتيجية الإيرانية، خصوصًا في الملفات الأمنية والإقليمية، وبين مرونة محسوبة في التفاصيل التكتيكية التي تسمح بتحقيق مكاسب تدريجية دون تقديم تنازلات جوهرية. هذا النهج يعكس شخصيته السياسية التي تشكّلت في بيئة عسكرية منضبطة، لكنها تعلّمت لاحقًا العمل داخل توازنات السلطة المعقدة في طهران.
أما مستقبله السياسي، فيبدو مرهونًا بقدرته على النجاح في هذا النوع من الملفات عالية الحساسية؛ فإما أن يعزز موقعه كأحد أبرز "المديرين التنفيذيين" في النظام الإيراني القادرين على إدارة الأزمات الخارجية، أو أن تتحول هذه المرحلة إلى اختبار صعب يحدّ من حضوره تدريجيًا داخل دوائر القرار، خصوصًا مع تصاعد المنافسة بين الأجنحة السياسية والعسكرية داخل الدولة الإيرانية.