مع دخول الحوثيين في اليمن على خط الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تتزايد المخاوف من انتقال الصراع والعمليات العسكرية إلى البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية واسعة، خاصة بالنسبة إلى مصر التي انكوت فعلاً بتبعات الحرب المستمرة منذ نهاية فبراير/ شباط 2026.
بالنسبة لمصر، لا يبدو هذا التطور مجرد حدث إقليمي عابر، بل تهديد مباشر لأحد أهم مواردها الاستراتيجية، وهو قناة السويس، إذ إن المجرى الملاحي الذي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية يواجه بالفعل ضغوطاً متراكمة منذ أشهر، ويُخشى أن يدخل مرحلة أكثر حدة مع اتساع رقعة التوتر.
في هذا السياق، تتداخل المخاطر الأمنية مع الحسابات الاقتصادية، حيث لا يقتصر التأثير على تهديد السفن، بل يمتد إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتغير مسارات التجارة العالمية، ما يضع قناة السويس أمام تحدٍّ مركب قد يستمر حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية.
جبهة بحرية جديدة ومخاوف مصرية
منذ أن أطلق الحوثيون صواريخ على إسرائيل الجمعة 27 مارس/ آذار 2026، في أول هجوم من نوعه منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، انفتحت جبهة جديدة في الصراع، وهو ما أثار تساؤلات عديدة في مصر بشأن تأثيرات ذلك على الملاحة في البحر الأحمر، ومن ثم قناة السويس التي تأثرت بالفعل منذ التصعيد القائم في المنطقة، لكن تبقى هناك مخاوف من ركود تام في حال أقدم الحوثيون على استهداف الملاحة في البحر الأحمر.
وقال مصدر مصري مطلع إن قناة السويس تأثرت سلباً بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب الإيرانية، ويرجع ذلك إلى التأثير السلبي الذي تعرض له مضيق هرمز وانعكاسه على حركة النقل البحري، لأن هناك جزءاً كبيراً من البضائع يتم نقله من الخليج العربي إلى أوروبا شهد حالة من التوقف التام.
وما يفاقم الأزمة الآن، وفق مصدر "عربي بوست"، هو انخراط الحوثيين في الحرب، ورغم أن العناصر اليمنية استهدفت إسرائيل فقط، لكن تبقى هناك احتمالات لعودة استهداف السفن التجارية أو الإقدام على ممارسات غير شرعية في مضيق باب المندب تقضي على ما تبقى من حركة تجارية في البحر الأحمر.
وأوضح المصدر ذاته أن تأثير الحرب الإيرانية على قناة السويس أشد قسوة من تأثيرات حرب غزة، ورغم أن الحوثيين قبل عامين عملوا على استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، لكن الآن لا توجد سفن تجارية بالأساس تقوم بالعبور من آسيا مروراً بمصر إلى أوروبا نتيجة اضطراب الأوضاع في مضيق هرمز.
كما أن العالم، يقول المصدر المصري المطلع، أمام حرب إقليمية كبيرة تتدخل فيها الولايات المتحدة الأمريكية بكل قوتها، وأشار إلى أنه في حرب غزة كانت السفن التجارية تتخذ مسارات بديلة، لكن الآن هي لا تتحرك بالأساس، وهناك أزمة في سلاسل الإمداد نتيجة قلة البضائع التي يتم نقلها.
وكان السفير إيهاب عوض، مندوب مصر أمام مجلس الأمن، قد طالب في وقت سابق إيران بوقف أي تهديدات لدول الجوار، مؤكداً رفض مصر إغلاق مضيق هرمز وتهديد حرية الملاحة في باب المندب، مشدداً على أهمية حماية خطوط التجارة البحرية الدولية.
وشدد المصدر ذاته على أن دخول الحوثيين الحرب يثير مخاوف في مصر من اتساع الاضطراب في الاقتصاد العالمي وانعكاس ذلك على الاقتصاد المصري الذي تأثر سلباً، كما يثير مخاوف بشأن استهداف السفن لما تمتلكه الجماعة من قدرات على استهداف الملاحة في البحر الأحمر، ولا سيما قناة السويس.
وبحسب المصدر المصري فإن قدرات الحوثيين لا تستطيع إغلاق باب المندب، الذي تمر عبره نحو 30% من حركة السفن التجارية العالمية، لكن الأزمة في أن قناة السويس سوف تتأثر بشكل بالغ الخطورة.
سجل الهجمات البحرية وتأثيرها
يظهر خطر الحوثيين في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة، حيث تبنت الجماعة مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.
وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50% من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.
وتحدثت تقارير صحافية بعد اندلاع الحرب الإيرانية عن قيام شركات شحن عالمية كبرى، منها مجموعة "ميرسك" الدنماركية، و"سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية، و"هاباغ–لويد" الألمانية، بتعليق عبور بعض سفنها من قناة السويس.
خسائر اقتصادية وضغوط على مصر
قال مصدر مسؤول إن الحرب الحالية ألقت بظلالها على حركة الملاحة في قناة السويس، ورغم أن هناك إجراءات تأمين مشددة، حيث تقوم مصر بتأمين السفن العابرة من القناة على طول المجرى الملاحي وحتى حدود المياه الإقليمية، لكن المشكلة أن السفن ستمر ذهاباً وإياباً وسط منطقة العمليات العسكرية بالخليج ومضيق باب المندب.
هذا الوضع، حسب المصدر المسؤول الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، هو ما دفع مجموعات ملاحية كبيرة لتحويل مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، كما أن البعض الآخر من السفن لم يعد يقوم برحلات تجارية من الأساس.
وأوضح المصدر أن حركة الملاحة بقناة السويس تقلصت بنسبة قد تصل إلى 60% عما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، وهي نسبة مرشحة للزيادة في حال أقدم الحوثيون في اليمن على تنفيذ تهديداتهم باستهداف الملاحة في باب المندب.
كما أشار المصدر المسؤول إلى أن السفن التجارية العالمية تضع في اعتبارها زيادة المخاطر الأمنية وقيام شركات التأمين بزيادة تكلفة تغطية مخاطر عبور السفن، وبالتالي فهي إما أنها تلجأ إلى مسارات أخرى أو أنها تقوم بتعطيل رحلاتها.
وتتخوف مصر من إطالة أمد الحرب، لأن ذلك يعني مزيداً من الانحسار في حركة التجارة العالمية، بخاصة التي تأتي من آسيا والدول الخليجية إلى أوروبا والعكس، كما أن القاهرة تضع في اعتبارها أنه عندما تنتهي العمليات العسكرية سيتطلب الأمر وقتاً طويلاً كي تعود الملاحة إلى طبيعتها.
ويوضح المصدر المسؤول أن مجموعات الشحن الدولية التي حوّلت سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح ستكون قد أبرمت عقوداً للعبور من المسار البديل، وستحتاج وقتاً لإنهائها، وتبقى الأزمة الأكبر في حال قررت أن تستمر في مساراتها دون أن تعود مرة أخرى إلى قناة السويس، باعتبار أنها ستكون أمام منطقة تشهد توترات عسكرية بشكل متتالٍ.
وقال مصدر مصري مطلع إن تأثيرات قناة السويس تنعكس مباشرة على الاقتصاد المصري، إذ يؤدي ذلك إلى عجز في ميزان النقد الأجنبي، بخاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما يضغط على الموارد الدولارية للدولة المصرية.
كما أشار إلى أن الخسائر في مصر مضاعفة، لأن القاهرة تفقد مورداً مهماً من النقد الأجنبي، كما أنها تتأثر باضطراب أكبر في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، كما أنها تكتوي بنيران ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، الذي يعد انعكاساً طبيعياً للتصعيد الذي تتعرض له دول الخليج، وهو ما يدفع الشركات لاتخاذ قرارات احترازية مؤقتة.
وشدد المصدر ذاته على أن القاهرة خسرت أيضاً لأن الاتصالات والجهود التي اتخذتها لإعادة الملاحة إلى سابق طبيعتها في قناة السويس قد تبددت، إذ إن التطورات الحالية قد تعيد القناة إلى أجواء الأزمة التي شهدتها مع استهداف الملاحة في البحر الأحمر عام 2023.
كما أن سفن الحاويات، التي تمثل نحو 50% من إيرادات القناة، توقفت بشكل كبير بسبب المخاطر الأمنية، وكذلك الوضع بالنسبة لناقلات النفط والغاز، التي تشكل 14% من إجمالي واردات القناة، وهي توقفت بشكل شبه كامل، والأكثر من ذلك أنها بحاجة إلى 6 أشهر لإعادة جدولة خطوطها.
تحركات مصرية لاحتواء أزمة قناة السويس
وفق المصدر المسؤول، فإن الجهات المصرية تقوم باتخاذ تدابير استباقية لأي اضطرابات أمنية في مضيق باب المندب أو البحر الأحمر، وهناك استعدادات قصوى لتأمين الملاحة، وفي المقابل هناك تواصل مع كبرى الشركات العالمية لطمأنتها.
لكنه ربط في الوقت ذاته بين عودة الملاحة إلى طبيعتها في قناة السويس وحالة الاستقرار السياسي في المنطقة، وأن تعافي الملاحة، وبالتالي مداخيل قناة السويس، يرتبط بالتعافي السياسي، وأن استمرار القلاقل يعني أن الملاحة في قناة السويس ستتأثر سلباً بصورة كبيرة.
وأعرب رئيس هيئة قناة السويس، الفريق أسامة ربيع، عن أمله في استقرار الأوضاع الإقليمية، لما لها من تداعيات مؤثرة على صناعة النقل البحري واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.
وأوضح أن قناة السويس اتجهت لتحديث حزمة خدماتها الملاحية والبحرية، وإضافة أنشطة جديدة لم تكن موجودة من قبل لتتلاءم مع متطلبات العملاء في الظروف الاعتيادية والطارئة، أبرزها خدمات صيانة وإصلاح السفن، والإنقاذ البحري، والإسعاف البحري، وذلك بالتوازي مع تطوير وتحديث أسطول الوحدات البحرية التابعة للهيئة.
وأوضح أن مصر تتحرك في الوقت الحالي للتخفيف من وتيرة الخسائر مع عدم اتجاهها للاعتماد على رسوم العبور فقط، إذ إنها تعمل على تسريع تحويل المنطقة الاقتصادية للقناة إلى مركز صناعي ولوجستي متكامل، وهو ما يفسر العديد من الاتفاقيات التي أبرمتها مؤخراً مع شركات عالمية، كما أن التركيز ينصب أيضاً على جهود تطوير القناة، بخاصة ما يتعلق بالخدمات اللوجستية.
وكانت مصر قد اتجهت إلى عدة إجراءات لتقليل تأثير تراجع الملاحة، أبرزها تخفيض رسوم عبور سفن الحاويات بنسبة 15% للسفن التي تتجاوز حمولتها 130 ألف طن لمدة 90 يوماً. كما توسعت الهيئة في الخدمات البحرية مثل صيانة السفن وتبديل الأطقم ومكافحة التلوث وإزالة المخلفات البحرية.
وتُعد قناة السويس أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إذ يمر عبرها نحو 12% من حركة التجارة الدولية، ويعبرها سنوياً ما يقارب 20 ألف سفينة، كما تشكل مساراً رئيسياً لنقل الطاقة من الخليج إلى أوروبا عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط.
لكن مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز وباب المندب، يبدو أن القناة تواجه واحدة من أكثر مراحلها حساسية، حيث لم يعد التهديد مرتبطاً فقط بالملاحة، بل بإعادة تشكيل محتملة لمسارات التجارة العالمية، قد تستمر آثارها حتى بعد انتهاء الحرب.