تشير تحركات مصرية مكثفة خلال الأيام الأخيرة إلى محاولة واضحة لفرملة التوغل البري الإسرائيلي في جنوب لبنان، عبر مسارات متوازية تجمع بين الاتصالات السياسية والتحركات الأمنية والدعم الإغاثي. وتأتي هذه الجهود في ظل تصعيد ميداني متسارع يهدد بتكريس واقع أمني جديد، وسط مخاوف من تحوّل الجنوب اللبناني إلى منطقة نفوذ عسكري دائم لإسرائيل.
وبحسب مصادر مطلعة، طرحت القاهرة مبادرة تتعلق بالتعامل مع سلاح حزب الله، تقوم على صيغ تدريجية تشمل تخزينه أو إدراجه ضمن ترتيبات الدولة اللبنانية، غير أن هذه المبادرة تواجه اعتراضات من أطراف لبنانية تربط أي خطوات مستقبلية بوقف الاعتداءات الإسرائيلية أولاً. ويعكس هذا التعقيد صعوبة تحقيق اختراق سريع في أحد أكثر الملفات حساسية داخل المشهد اللبناني.
في موازاة ذلك، تكثف مصر تنسيقها مع فرنسا للبحث عن حلول مقبولة يمكن البناء عليها دولياً، سواء عبر وساطة متعددة الأطراف أو من خلال إدراج الملف اللبناني ضمن ترتيبات أوسع لخفض التصعيد في المنطقة. وتراهن القاهرة على دور أوروبي داعم، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الحرب يهدد بتداعيات تتجاوز لبنان إلى محيطه الإقليمي والدولي.
تحركات مصرية لفرملة إسرائيل
تستهدف مصر من خلال تحركاتها الآنية فرملة توغل الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، وإيجاد صيغة يمكن من خلالها وقف الاعتداءات عبر وساطة دولية تكون فيها دول أخرى شريكة مثل فرنسا، إلى جانب وضع الأزمة على أجندة الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وفق ما صرح به مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست".
وأشار إلى أن القاهرة تدعم حصر السلاح اللبناني بيد الدولة، وكررت عرضها بإمكانية تخزين سلاح حزب الله في مخازن تتبع الحكومة اللبنانية، لكنها لم تتلقَّ ردوداً إيجابية، لافتاً إلى أن الزيارات الأخيرة إلى بيروت هدفت لإجراء حوارات مع أطراف لبنانية مختلفة لدى القاهرة علاقات جيدة معها، للاستماع إلى رؤيتها بشأن التعامل مع الوضع القائم.
وتطرقت المباحثات، وفق المصدر الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، إلى الإجراءات التي يمكن اتخاذها لنزع المبررات الإسرائيلية بشأن الاستمرار لفترة طويلة في الاعتداءات وتنفيذ خططها نحو التوغل في الجنوب، إلى جانب إيجاد قدر من التوافق حول ترتيبات ما بعد الحرب الإيرانية.
وأضاف المصدر ذاته أن لبنان يقع في الاهتمامات الاستراتيجية المصرية بحكم موقعه الجغرافي، ومدى خطورة التوسعات الإسرائيلية في الجنوب، التي يمكن أن تفسح المجال أمام تنفيذ خطط أخرى، خاصة أن لبنان يتعرض لضربات قوية فاقت ما كان سائداً خلال العامين الماضيين أثناء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وهو ما يشير إلى أن الهدف أبعد من مواجهة حزب الله كما تدّعي حكومة بنيامين نتنياهو في الوقت الحالي، ويرتبط بمخططات يجري تنفيذها في المنطقة بحاجة إلى الوقوف في وجهها، لكن ذلك يتطلب أيضاً، على الجانب المقابل، تنسيقاً داخلياً لبنانياً يقوّض التحركات الإسرائيلية، وهو ما تعمل عليه القاهرة من خلال لقاءاتها مع الأطراف المختلفة.
لماذا تسعى مصر لذلك؟
وفق المصدر المصري المطلع، فإن القاهرة تنظر إلى بيروت باعتبارها عاصمة محورية ضمن تطورات التصعيد الحالي في المنطقة في ساحات مختلفة، وأن الجهود المصرية نحو إيجاد وساطة تقود إلى التهدئة في المنطقة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتجاهل لبنان، باعتبار أن إسرائيل تسوّق لكونها تقاتل أذرع إيران وتعمل على القضاء عليها، وتختزل اعتداءاتها وسعيها لخلق جغرافيا جديدة في الجنوب في حزب الله ونزع سلاحه.
وأوضح أن مصر لديها أهداف رئيسية تسعى لأن تتحقق في لبنان بما يحافظ على وحدته وسلامة أراضيه، في مقدمتها تقديم الدعم لمؤسسات الدولة الوطنية لكي تحافظ على رسوخها، وعدم القبول بوجود سلاح خارج نطاق الجيوش النظامية، ودعم المؤسسة العسكرية والعمل على تقويتها، ورفض أي تدخلات في شؤون لبنان الداخلية، إلى جانب إيجاد مسارات للحلول السياسية بدلاً من آلة التدمير العسكرية الإسرائيلية.
وتعمل القاهرة على التأكيد على هذه النقاط في حال كانت الأزمة اللبنانية في سياق إطار عام لخفض التصعيد في المنطقة، مع الوساطة التي تقوم بها إلى جانب تركيا وباكستان لوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، على حد تعبير المصدر المصري المطلع.
وشدد على أن حرص القاهرة على عدم الانحياز لأي من الأطراف اللبنانية، مع التعقيدات السياسية الداخلية خلال السنوات الماضية، يساعدها على لعب دور إيجابي في الوقت الحالي، وهو ما يجعل هناك قابلية لدى حزب الله للاستماع إلى رؤى جهاز الاستخبارات المصري، الذي طرح أكثر من حل آني وسابق يتعلق بتخزين سلاح الحزب أو تسليمه تدريجياً.
كما أن زيارة عبد العاطي إلى بيروت حظيت بترحيب واسع من الأطراف اللبنانية، وهو ما يشكل عاملاً إيجابياً تسعى القاهرة لتوظيفه إلى جانب أصدقائها من الأطراف الإقليمية المؤثرة في المشهد اللبناني، في مقدمتها فرنسا، لإيجاد حلول توقف التدمير الإسرائيلي الممنهج للبنى التحتية اللبنانية.
تحركات دبلوماسية وضغط دولي
أكدت مصر على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وأعربت عن رفضها القاطع المساس بسيادته ووحدة وسلامة أراضيه، أو استهداف البنى التحتية المدنية، وشدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، على أهمية تمكين مؤسسات الدولة والتنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن (رقم 1701)، ودعم جهود الدولة اللبنانية في حصر السلاح وفرض سلطتها وسيادتها على الأراضي اللبنانية كافة.
جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين عبد العاطي، والسكرتير العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الجمعة 27 مارس/ آذار 2026، تناول الجهود التي تبذلها مصر لخفض التصعيد في المنطقة، بالإضافة إلى مستجدات عدد من الملفات الإقليمية.
وأشاد غوتيريش بالدور البارز الذي تقوم به مصر لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة لخفض التصعيد في ظل أزمات إقليمية شديدة التعقيد، وثمّن التزام مصر الراسخ بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وسعيها الدؤوب لتعزيز السلم والأمن الدوليين.
كما أعرب عن تقديره لجهود الوساطة التي تقوم بها مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالتعاون مع تركيا وباكستان في دعم المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً دعم الأمم المتحدة لهذه الجهود التي تستهدف خفض التصعيد في المنطقة.
بينما رحّب وزير الخارجية المصري بتعيين جان أرنو مبعوثاً شخصياً للسكرتير العام لقيادة جهود الأمم المتحدة بشأن الصراع في الشرق الأوسط، معرباً عن تطلعه إلى التعاون معه من أجل العمل على خفض التصعيد في المنطقة.
وقام عبد العاطي بزيارة إلى بيروت الخميس 26 مارس/ آذار 2026، أكد خلالها على عمق العلاقات التي تربط بين مصر ولبنان، قائلاً إن مصر سوف تستمر في تسخير شبكة اتصالاتها مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية المعنية من أجل دعم التهدئة ووقف الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية اليومية ونزع فتيل التصعيد في لبنان، بل في المنطقة بأكملها.
عقدة حصر سلاح حزب الله
بحسب مصدر مطلع، فإن الزيارات المصرية الأخيرة أكدت على ضرورة حصر السلاح في يد المؤسسة العسكرية النظامية، مع إيجاد طريقة توافقية وطنية من أجل نزع الورقة التي تتذرع بها إسرائيل لتوجيه ضربات قاسية إلى لبنان.
كما شمل النقاش إيجاد سبل لإفشال خطط إسرائيل في التمركز الأمني الدائم جنوب نهر الليطاني، والبحث بشأن إمكانية فتح الباب نحو عودة المهجرين من الجنوب بدلاً من تمركزهم في الوسط والشمال، وما يترتب عليه من تغيير ديموغرافي تستفيد منه إسرائيل.
وشدد المصدر ذاته على أن القاهرة تلقت ردوداً، بعضها إيجابي، والآخر طالب بأن يكون هناك وقف أولاً للاعتداءات الإسرائيلية وتوغلاتها البرية في الجنوب قبل الاتجاه لأي خطوات مستقبلية، بل إن بعض الردود ربطت ذلك بوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ولعل ذلك ما يدفع القاهرة نحو طرح مسألة إيجاد حلول قابلة للتنفيذ بشأن تهدئة التصعيد بشكل عام في المنطقة، وأن لا تقتصر أي مفاوضات إيجابية بين الولايات المتحدة وإيران على وقف "الحرب الإيرانية" فحسب، بل أن تكون ذات أبعاد إقليمية شاملة، بما في ذلك وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
ولفت المصدر، الذي صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، إلى أن مصر تسعى لأن يكون لبنان في بؤرة الأحداث الدولية، وتخشى أن يتخلى المجتمع الدولي عنه ويتركه لمصيره في ظل العربدة الإسرائيلية.
وتسعى القاهرة لأن يكون لبنان جزءاً من تهدئة الصراع الإقليمي، فهي تخشى في الوقت ذاته أن يتم النظر إليه باعتباره ورقة تستفيد منها أي من الأطراف على حساب الدولة اللبنانية المستقلة، خاصة وأن ما يعانيه لبنان الآن هو حرب أخرى مفتوحة إلى جانب الحرب الإيرانية وليس جزءاً منها، باعتبار أن الاعتداءات الإسرائيلية تجاوزت حزب الله ولم تعد تقتصر على الجنوب ووصلت إلى بيروت وضواحيها.
وكشف الكاتب والإعلامي مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، تفاصيل المبادرة المصرية لوقف العدوان الغادر على لبنان، وأوضح بكري، عبر حسابه على موقع "إكس"، أن الوفد الأمني المصري عاد بعد بدء جهود وساطة تهدف إلى وقف العدوان الإسرائيلي الغادر على لبنان.
وأشار إلى أن الوفد المصري التقى وفداً من حزب الله، وطرح عليه مبادرة لوقف العدوان تقضي بوقف إطلاق النار، ومنح الحكومة اللبنانية كامل سلطتها على الأراضي اللبنانية، إلى جانب مناقشة وضع سلاح المقاومة على طاولة المفاوضات.
وأضاف أن حزب الله تعهد بالرد عبر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، معرباً عن تقديره لجهود مصر وقيادتها في السعي لوقف العدوان الإسرائيلي بما يضمن انسحاب جيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية.
وسبق زيارة عبد العاطي حديث عن زيارة وفد أمني مصري للعاصمة بيروت استمرت نحو 4 ساعات، التقى خلالها وفداً من حزب الله بهدف خفض التوتر على الساحة اللبنانية والبحث عن مخرج من الأزمة، بحسب ما نقلت وسائل إعلام لبنانية محلية وأكدته مصادر مصرية.
رهان على التماسك الداخلي والدعم الأوروبي
أعلن المتحدث باسم الخارجية المصرية، الخميس 26 مارس/ آذار 2026، أن زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي لبيروت، وهي الخامسة لوزير الخارجية في أقل من عامين، إنما تترجم بوضوح حجم الانخراط المصري والاهتمام البالغ الذي توليه مصر لدعم لبنان.
ويشير دبلوماسي مصري سابق إلى أن القاهرة تهدف للتخطيط نحو إقامة حوار وطني شامل في لبنان في أعقاب وقف الحرب الإسرائيلية، وتعمل بالشراكة مع القوى اللبنانية المختلفة التي لديها معها علاقات إيجابية على تحييد لبنان ومؤسساته عن الاستقطابات الدولية.
وتستهدف مصر أن تساعد لبنان في الحصول على مساعدات اقتصادية تساعد على بقاء الدولة متماسكة، وتعوّل في ذلك على فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي التي تتضرر من الحرب الإسرائيلية الحالية باعتبارها بوابة لهجرات غير شرعية من المنطقة إليها.
وأضاف المصدر الدبلوماسي في تصريح لـ"عربي بوست" أن مصر تدرك بأن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً وطنياً متفقاً عليه من القوى الفاعلة وحرمان إسرائيل من توظيف التناقضات لتحقيق أهدافها.
كما تسعى مصر لأن تبعث برسالة للقوى الإقليمية الفاعلة بأن إسرائيل مطالبة بتنفيذ القرار 1701 وانسحابها من الأراضي اللبنانية، ما يهدف بشكل رئيسي للوقوف حائلاً أمام خطط التوسع البطيء نحو خلق جغرافيا جديدة في الجنوب اللبناني، غير أن ذلك قد يكون صعباً في غياب وجود جبهة لبنانية داخلية متماسكة.