تحت غطاء “تطهير الخونة”.. فصائل عراقية تحوّل مؤسسات الدولة إلى أهداف عسكرية، فهل تُجرّ البلاد إلى حرب داخلية؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/04/01 الساعة 14:28 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/04/01 الساعة 14:28 بتوقيت غرينتش
الحرب على إيران لها تأثير مباشر على الوضع الداخلي في العراق/ عربي بوست

مع تصاعد وتيرة الحرب على إيران، لم يعد العراق قادراً على الحفاظ على موقعه كمساحة عازلة أو ساحة خلفية للصراع، فالضربات المتبادلة واتساع بنك الأهداف مؤشرات على انتقال تدريجي للصراع إلى الداخل العراقي، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية مع هشاشة التوازنات السياسية والأمنية.

داخل هذا المشهد المعقد، تجد الحكومة العراقية نفسها محاصرة بين ضغطين متناقضين، التزاماتها بحماية مؤسسات الدولة ومنع الفوضى، مقابل واقع ميداني تتحكم فيه الفصائل المسلحة العراقية التي يتجاوز نفوذها قدرة الدولة على الضبط، هذا التناقض يعكس أزمة أعمق تتعلق بمن يملك القرار السيادي في لحظة الحرب.

أما الإطار التنسيقي الشيعي، فيبدو عالقاً بين حسابات السلطة ومنطق التحالفات، وبين خطاب يدعو إلى التهدئة ومراقبة الوضع ومواقف ضمنية تتفهم تحركات الفصائل، تتشكل حالة من التردد السياسي قد تدفع العراق إلى قلب المواجهة بدل البقاء على هامشها.

لماذا تستهدف الفصائل المسلحة العراقية منشآت حكومية؟

في خضم التصعيد العسكري المتسارع، برز تحول لافت في طبيعة الأهداف التي تضربها الفصائل المسلحة العراقية، حيث امتدت العمليات إلى منشآت ومؤسسات حكومية، هذا التحول يعكس تصعيداً نوعياً في تعريف التهديد، ويطرح تساؤلات حول الخلفيات الأمنية والسياسية التي تقف وراء استهداف مؤسسات الدولة نفسها.

في هذا السياق، أصدرت كتائب حزب الله بياناً اتهمت فيه بعض المسؤولين الأمنيين في جهاز المخابرات الوطني، لا سيما من المكونين السني والكردي، بالعمل لصالح دول أجنبية، من بينها الولايات المتحدة وإسرائيل. وجاء في البيان: "أن الكثير من اعتداءات العدو الأمريكي ضد الحشد الشعبي لم تكن لتتم لولا متابعة هؤلاء الخونة".

وتتوسع هذه الرواية في توصيف ما تعتبره الفصائل "اختراقاً أمنياً" داخل مؤسسات الدولة، إذ يقول مسؤول أمني في كتائب حزب الله لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الإسناد: "تقول المعلومات الاستخباراتية التي وصلنا إليها، إن هناك اختراقاً كبيراً من قبل الأمريكيين والإسرائيليين لجهاز المخابرات العراقي ومؤسسات أمنية أخرى".

المسؤول الأمني أضاف أيضاً أن المعلومات الاستخباراتية تقول: "إن هناك عدداً من الضباط الكرد والسنة في المؤسسات الأمنية يعمل مع العدو ويرسل لهم إحداثيات تواجد قوات الحشد الشعبي، وعلى إثرها تم استهداف قوات الحشد الشعبي في العديد من المحافظات العراقية".

بناءً على هذا التصور، تبرر الفصائل عملياتها باعتبارها جزءاً من جهد أمني داخلي يستهدف "تنظيف" المؤسسات من الاختراقات.

وفي هذا الإطار، يضيف المصدر ذاته قائلاً: "من واجبنا تطهير المؤسسات الأمنية الحكومية من الخونة، خاصة وسط حربنا مع الأعداء، ولن تنتظر أن تأتينا الضربة من الداخل كما حدث في الأسابيع السابقة، نحن نعمل على تطهير مؤسسات الدولة العراقية من الخونة".

في المقابل، تقدم الحكومة العراقية رواية مختلفة تعكس حجم المأزق الذي تواجهه، حيث تشير إلى أن هذه الهجمات تمثل تجاوزاً خطيراً يهدد بنية الدولة نفسها.

ويقول مسؤول حكومي عراقي مقرب من رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، لـ"عربي بوست": "إن الفصائل قد تمادت باستهدافها المؤسسات والمنشآت الحكومية، ولكن لا يستطيع أحد إيقافها في هذا الوقت الحساس، حاولت الحكومة التفاوض معهم كثيراً ولكن كل المفاوضات فشلت خاصة مع تكثيف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على مواقع الحشد الشعبي".

حكومة السوداني في مأزق

تعكس مواقف الحكومة العراقية حالة من التوازن الهش بين الإدانة السياسية والعجز التنفيذي، فقد تبنت بغداد خطاباً رسمياً يدين الهجمات التي استهدفت المواقع الأمنية الحكومية، وأعلنت عن تشكيل لجان تحقيق، كما استخدمت توصيف "الإرهاب" لوصف هذه العمليات، في محاولة لتأكيد تمسكها بشرعية الدولة.

إلا أن هذا الموقف، بحسب مصادر حكومية تحدثت لـ"عربي بوست"، لم يترجم إلى إجراءات فعلية على الأرض، حيث لا تزال الحكومة عاجزة عن وقف استهداف الفصائل المسلحة للمؤسسات الحكومية أو المصالح الأمريكية، خاصة في ظل التصعيد الإقليمي الراهن.

وفي هذا السياق، يوضح مسؤول حكومي مقرب من محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء العراقي، طبيعة الاختلال في موازين القرار، قائلاً لـ"عربي بوست": "قرار الحرب والسلم ليس بيد السوداني، ولا الإطار التنسيقي، إنه بيد الفصائل العراقية".

وأوضح المسؤول الحكومي: "في حرب 12 يوماً نجح السوداني في تجنب تورط العراق من خلال مفاوضات حثيثة مع الفصائل، ويرجع جزء كبير من هذا النجاح إلى عدم رغبة الفصائل حينها في الانخراط في الحرب مع إيران، ولكن في الحرب الحالية الوضع اختلف تماماً خاصة مع اغتيال علي خامنئي".

ويضيف المصدر ذاته موضحاً البعد الرمزي الذي يحكم سلوك الفصائل في المرحلة الحالية: "ترى هذه الفصائل الموالية لإيران أن اغتيال خامنئي ثأر شخصي ولن تستطيع الحكومة العراقية فعل أي شيء حيال ذلك".

تعقيد المشهد ازداد مع دخول عامل جديد يتمثل في استهداف القوات الأمريكية لعناصر من الجيش العراقي، وهو ما وضع الحكومة في موقف أكثر حرجاً.

وفي هذا الإطار، يقول المصدر نفسه لـ"عربي بوست": "الوضع صار معقداً، فمن ناحية ترفض الحكومة تصرفات الفصائل ولكن استهداف الأمريكيين للجيش العراقي وضع الحكومة في مأزق واضطرت إلى إعلان حق الرد والدفاع عن النفس".

في المقابل، لا تتفق الفصائل مع هذا التقييم، بل ترى أن موقف الحكومة يفتقر إلى الفعالية، إذ يقول المسؤول الأمني في كتائب حزب الله لـ"عربي بوست": "قرار الحكومة العراقية بالرد والدفاع عن النفس قرار فارغ من المضمون، فهي تعلم أن الجيش العراقي غير قادر على حماية أجواء العراق، ولا يمتلك أي وسيلة لصد الهجمات الجوية الأمريكية والإسرائيلية".

وفي سياق ميداني متصل، قامت فصائل المقاومة العراقية باستهداف عدد من الرادارات التابعة للجيش العراقي، مبررة ذلك بأن القوات الأمريكية تستخدمها للتصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية والمنطلقة من العراق. وتشير بيانات الفصائل إلى أنها نفذت منذ اليوم الأول للحرب 549 هجوماً في العراق والمنطقة، ما يعكس اتساع نطاق العمليات وتصاعد وتيرتها.

حيرة الإطار التنسيقي الشيعي

على المستوى السياسي، لم تتردد القوى السنية والكردية في توجيه انتقادات صريحة لهجمات الفصائل، خاصة تلك التي طالت المقرات الأمنية الحكومية وحقول النفط في إقليم كردستان. في المقابل، بدا المشهد داخل الإطار التنسيقي الشيعي أكثر تعقيداً، حيث انقسمت المواقف بين مؤيد ومعارض، وإن ظل هذا الانقسام غير معلن بشكل حاد.

وفي بيان له، دعا الإطار التنسيقي الشيعي، بوصفه المظلة الجامعة لأغلب الأحزاب الشيعية الكبرى والحزب الحاكم فعلياً، إلى عدم السماح لأي جهة بالعبث بأمن البلاد أو استهداف مؤسسات الدولة، في ظل الظروف الإقليمية الصعبة، غير أن هذا الموقف لم يكن كافياً لطمأنة الأطراف الأخرى داخل الدولة.

إذ يتهم مسؤول حكومي عراقي مقرب من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الإطار بالتردد، قائلاً لـ"عربي بوست": "موقف الإطار غامضاً بالرغم من بيانات التنديد إلا أنه لم يتخذ أي موقف جاد أو صارم تجاه الفصائل من أجل تهدئة الأمر وعدم جر البلاد إلى المعركة الحالية".

ويضيف المصدر ذاته: "الإطار يمتلك سلطة حقيقية على الفصائل مهما ظهر العكس، فهو الحاضنة السياسية للفصائل، لكنه اختار الوقوف بموقف المتفرج، ربما عن قناعة بما تفعله الفصائل".

من داخل الإطار، تظهر قراءة أكثر تفصيلاً لطبيعة هذا التردد، إذ يقول قيادي في الإطار التنسيقي لـ"عربي بوست": "الإطار لا يجتمع على الموافقة على تصرفات الفصائل، فبعضهم اختار الصمت للحفاظ على العلاقة مع الفصائل، خاصة في ظل وجود جمهور مؤيد لتصرفات الفصائل وسط العدوان الأمريكي والإسرائيلي، والبعض الآخر يعارض جر البلاد إلى ساحة المعركة ولكنه في نفس الوقت يتعاطف مع الفصائل وما تتعرض له من هجمات".

كما يوضح المصدر ذاته طبيعة العلاقة بين الإطار والفصائل قائلاً: "العلاقة بين الإطار والفصائل علاقة قائمة على التفاهم والشراكة والتعاون، فالإطار يحتكر القرارات السياسية بينما القرارات الأمنية في هذا الوقت بالتحديد بيد الفصائل، وأغلب قادة الإطار يوافقون على هذا التقسيم".

وفي قراءة أكثر وضوحاً للبعد الاستراتيجي، يرى قيادي آخر في الإطار أن الموقف ليس غامضاً كما يُصوَّر، إذ يقول لـ"عربي بوست": "بقاء نظام الجمهورية الإسلامية هو ضمان للنخبة الشيعية في العراق، ولذلك من المنطقي أن يضم الإطار قرارات الفصائل الأمنية".

المخاوف تتزايد من اتساع المواجهة

قبل اندلاع الحرب، كانت الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً متواصلة على الحكومة العراقية لحل الفصائل المسلحة العراقية المدعومة من إيران، أو دمجها بشكل كامل ضمن مؤسسات الدولة، ملوّحة بإمكانية فرض عقوبات اقتصادية.

إلا أن هذا المسار شهد تراجعاً واضحاً مع تصاعد المواجهة العسكرية، حيث تحولت الأولويات نحو إدارة الصراع ميدانياً، في ظل تزايد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على قوات الحشد الشعبي، وعمليات الاغتيال التي استهدفت قيادات بارزة.

وتشير مصادر عراقية تحدثت لـ"عربي بوست" إلى أن المخاوف تتزايد بشكل ملحوظ، خاصة مع انتقال نمط الاستهداف إلى داخل المناطق السكنية، ما يفتح الباب أمام احتمال تحول المراكز الحضرية إلى ساحات مواجهة مباشرة.

ومن بين أبرز هذه الحوادث، عملية استهداف 3 قياديين في كتائب حزب الله داخل وحدة سكنية في منطقة العرصات، إضافة إلى عملية أخرى استهدفت منزلاً في منطقة الجادرية، دون إعلان رسمي عن هوية المستهدفين حتى الآن.

غير أن مصادر في الحشد الشعبي العراقي كشفت لـ"عربي بوست" أن عملية الجادرية استهدفت قيادات في الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب قيادات في كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء، في مؤشر على عمق التداخل بين الساحة العراقية والإيرانية، واحتمال انتقال المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة في المرحلة المقبلة.

تحميل المزيد