تتجه الأنظار إلى تحركات دبلوماسية غير معلنة تقودها قوى إقليمية لفتح نافذة التفاوض بين واشنطن وطهران، بعد أسابيع من الحرب المستمرة. هذه الجهود، التي تقودها مصر وتركيا وباكستان، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الصراع لن يقتصر أثره على طرفيه، بل سيمتد ليطال التوازنات الإقليمية والاقتصاد العالمي.
وتحاول هذه الدول استثمار ما تبقى من قنوات الاتصال غير المباشر لبناء أرضية مشتركة، تبدأ بتبادل الرسائل وقياس النوايا، وصولًا إلى إمكانية عقد مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة. غير أن هذا المسار لا يزال هشًا، تحكمه حسابات معقدة تتداخل فيها اعتبارات الردع، والمكاسب السياسية، وانعدام الثقة المتراكم بين الطرفين.
وبينما تتركز النقاشات حول ملفات شديدة الحساسية، أبرزها البرنامج النووي الإيراني وترتيبات ما بعد الحرب، تبدو الوساطة الحالية اختبارًا حقيقيًا لقدرة القوى الإقليمية على لعب دور يتجاوز إدارة الأزمات إلى التأثير في مآلاتها، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحركات ستنجح في فرض تهدئة مؤقتة أم تمهد لاتفاق أوسع.
تحركات تمهيدية وتنسيق ثلاثي
قال مصدر مصري مطلع إن التحركات المصرية جاءت قبل أسبوعين تقريبًا، وسبقها جس نبض مكثف للطرفين بشأن إمكانية إطلاق وساطة، قبل أن تتلقى القاهرة إشارات إيجابية أولية. وأوضح أن تصريحات الرئيس ترامب بشأن مهلة الـ5 أيام شكلت نقطة تحول، إذ شجعت على التواصل مع أطراف فاعلة داخل إيران للتعرف على الرؤى الأمريكية.
المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلًا عدم ذكر اسمه، أشار إلى أن هذا التواصل قوبل بإيجابية نسبية، ما فتح الباب أمام تحركات أوسع، مؤكدًا أن القاهرة لم تتحرك بشكل منفرد، بل نسقت مع باكستان للضغط على طهران، في حين لعبت تركيا دورًا موازيًا في التأثير على الموقف الأمريكي.
وأضاف المصدر ذاته أن القاهرة حصلت كذلك على إشارات إيجابية من دول الخليج، التي أبدت رغبة واضحة في تهدئة التصعيد، في ظل المخاوف من تداعيات الحرب على أمنها واستقرارها الاقتصادي، واعتبر أن هذا التوافق الإقليمي النسبي منح الوساطة زخمًا إضافيًا، رغم استمرار حالة الحذر لدى جميع الأطراف.
كما أن إعلان الرئيس المصري، وفق مصدر "عربي بوست"، استعداده للوساطة عبر تصريحات علنية متكررة، لاقى ترحيبًا من طهران وواشنطن، ما عزز من فرص التحرك، وأشار إلى أن الدور المصري، إلى جانب التركي والباكستاني، اقتصر في المرحلة الأولى على نقل رسائل غير مباشرة بين الطرفين.
وبيّن المصدر المصري المطلع أن هذه الرسائل كانت في بدايتها تهدف إلى خفض التوتر وخلق أرضية من الثقة، بما يسمح بفتح قنوات تواصل أكثر جدية لاحقًا، مع تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تصعيد إضافي، ولفت إلى أن القاهرة نقلت بالفعل اشتراطات ترامب إلى طهران، التي بدأت دراستها.
وتوقع مصدر "عربي بوست" أن يصل رد إيراني بخصوص التفاوض بين واشنطن وطهران خلال أيام، لكنه رجح أن يسبق أي اتفاق نهائي تبادل عدة رسائل إضافية، قبل اتخاذ قرار الجلوس إلى طاولة التفاوض، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مع وجود تقديرات بإمكانية وقف الحرب خلال الشهر المقبل.
فجوة الثقة وشروط التفاوض بين واشنطن وطهران
شدد المصدر المصري المطلع على أن انعدام الثقة لا يزال يمثل العقبة الأكبر أمام أي تقدم، مشيرًا إلى أن الوسطاء يحاولون الاستفادة من مصداقيتهم لدى الطرفين لتقريب وجهات النظر. وأوضح أن بنود التفاوض الحالية لا تختلف كثيرًا عن تلك التي كانت مطروحة قبل الحرب، لكن السياق تغير بشكل كبير.
وأشار إلى أن إيران قد تسعى للحصول على ضمانات إضافية، في مقدمتها عدم تكرار الحرب وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وهي مطالب لا يُعرف حتى الآن مدى استعداد واشنطن لقبولها.
هذه المعطيات تجعل احتمالات نجاح المفاوضات محدودة، لكنها، يقول المصدر، تظل أفضل من انهيار قنوات الاتصال بالكامل، وما قد يترتب عليه من إطالة أمد الصراع لأشهر، مع ما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية ودولية معقدة.
دوافع مصر للانخراط في الوساطة
قال المصدر المصري المطلع إن انخراط القاهرة في هذه الوساطة لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط بحسابات استراتيجية متعددة، من بينها مواجهة محاولات إسرائيلية لإشعال الفوضى في المنطقة بما يخدم مشاريعها التوسعية. كما تسعى القاهرة إلى الحد من الخسائر التي تتكبدها دول الخليج يوميًا نتيجة التصعيد، والتي قد تنعكس سلبًا على استقرار المنطقة ككل.
وأشار إلى أن العامل الاقتصادي يمثل دافعًا أساسيًا أيضًا، خاصة مع التراجع المتسارع في قيمة الجنيه المصري، وتأثر الاقتصاد بالحرب. ولفت إلى أن نجاح الوساطة قد يسهم في تخفيف هذه الضغوط، فيما ستكشف الأيام المقبلة مدى تأثير الضغوط الدولية والأزمة الاقتصادية العالمية في دفع ترامب ونتنياهو نحو وقف الحرب.
وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن بلاده تعمل بالتنسيق مع تركيا وباكستان لدفع مسار الوساطة، مشيرًا إلى أن الدول الثلاث تنقل رسائل غير مباشرة بين واشنطن وطهران في إطار جهود التهدئة. وأشار إلى عقد اجتماع وزاري "هام" خلال أيام، دون الكشف عن تفاصيل إضافية، ما يعكس استمرار التحرك على المستوى الرسمي.
من جانبه، أعلن محمد إسحاق دار وجود محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران عبر رسائل تنقلها إسلام آباد، مؤكدًا دعم تركيا ومصر لهذه المبادرة. كما نقل موقع Axios عن مصدر مشارك أن الدول الثلاث تسعى لتنظيم اجتماع تفاوضي رغم استمرار التعقيدات.
تشكيك إيراني وعقدة الحرس الثوري
في المقابل، أبدى مسؤولون إيرانيون تشككًا واضحًا في المساعي الأمريكية، معتبرين أنها قد تكون غطاءً لعمليات عسكرية مفاجئة. ونقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن مسؤول رفض طهران للخطة الأمريكية المطروحة.
وأشار مصدر مشارك في الوساطة إلى أن الحرس الثوري الإيراني يمثل أحد أبرز معوقات التقدم، نظرًا لعدم ثقته في النوايا الأمريكية.
وأكد المصدر أن هذه الشكوك تستند إلى تجارب سابقة، حيث ترى طهران أن واشنطن استخدمت التفاوض كغطاء لعمليات عسكرية، ما يزيد من تعقيد مهمة الوسطاء ويجعل بناء الثقة أكثر صعوبة.
وبحسب مصدر دبلوماسي مصري، فإن أبرز المطالب الأمريكية التي نقلتها القاهرة تشمل التخلي عن البرنامج النووي الإيراني، والتخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وتسليمه للوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق جدول زمني محدد.
كما تتضمن المطالب خفض برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف تمويل الجماعات الحليفة لإيران في المنطقة. وأضاف أن من بين الشروط أيضًا ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا، وهو ما يعكس أهمية البعد الاقتصادي والاستراتيجي في هذه المطالب، ويشير إلى ارتفاع سقف الشروط الأمريكية، ما قد يعرقل الوصول إلى اتفاق سريع.
توازنات معقدة ودور إسرائيلي معرقل
المصدر الدبلوماسي أوضح لـ"عربي بوست" أن الوساطة الثلاثية تمثل ضغطًا مهمًا، في ظل توازن دقيق بين رغبة إيران في تحسين موقعها التفاوضي بعد الصمود، وسعي الولايات المتحدة لتحقيق مكاسب سياسية دون كلفة عسكرية.
كما أشار إلى أن إسرائيل تمثل عاملًا معرقلًا رئيسيًا، نظرًا لرغبتها في إطالة أمد الصراع بهدف إضعاف النظام الإيراني. وأضاف أن هذه المعادلة تجعل أي تقدم تفاوضي مرهونًا بقدرة الوسطاء على تجاوز التعقيدات السياسية، وإقناع الأطراف بجدوى التهدئة، رغم تضارب المصالح.
قنوات اتصال نشطة وتقدم حذر
وذكر المصدر ذاته أن غياب قنوات مباشرة بين إيران ودول الخليج يمنح مصر دورًا محوريًا، مشيرًا إلى وجود اتصالات مباشرة بين وزراء خارجية مصر وتركيا مع عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، إلى جانب قنوات اتصال منفصلة.
وأشار إلى أن هذه الاتصالات أحرزت تقدمًا محدودًا، مع وجود رغبة مشتركة في وقف الحرب، وأوضح أن النقاشات لا تزال تدور حول إنهاء الحرب وتسوية القضايا العالقة، بما في ذلك الملف النووي، ما يعكس مسارًا تفاوضيًا بطيئًا لكنه مستمر.
ومنذ 28 فبراير/ شباط، تشن إدارة ترامب وإسرائيل هجمات على إيران، أسفرت عن مقتل قيادات بارزة، بينهم علي خامنئي وعلي لاريجاني، إلى جانب مئات الضحايا من العسكريين والمدنيين.
في المقابل، ترد إيران بهجمات على المصالح الأمريكية وضربات واسعة ضد إسرائيل، ما يفاقم من تعقيد المشهد. هذا التصعيد المتبادل يعزز من الحاجة إلى تدخل وسطاء، لكنه في الوقت ذاته يرفع من سقف التوتر ويجعل أي تهدئة أكثر صعوبة.
مصالح مشتركة وتحذيرات من الفوضى
وزير الخارجية المصري كان قد أكد أن مصر لعبت دور حلقة وصل بين واشنطن وطهران، مشيرًا إلى نقل خطة ترامب إلى الجانب الإيراني. وقال: "علينا أن نستمر في بذل الجهود… الحل العسكري لم يكن تاريخيًا الحل الأمثل". وأضاف أن القاهرة تسعى، بالتعاون مع تركيا وباكستان، إلى دفع الطرفين نحو الحوار، مع استعدادها لاستضافة أي مفاوضات.
وبحسب محلل سياسي، فإن دور مصر وتركيا وباكستان يتجاوز نقل الرسائل إلى ممارسة ضغط مباشر على الطرفين لتقديم تنازلات، في ظل تضرر المصالح الأمريكية واتساع دائرة العنف. وأشار إلى أن إيران أيضًا تعرضت لضربات قوية، ما يجعل استمرار الحرب خيارًا مكلفًا للطرفين.
وأضاف أن هذه الدول تحذر من مخاطر الفوضى الشاملة، بما في ذلك اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الغذاء، وارتفاع احتمالات العنف السياسي، الذي قد يمتد إلى الدول الغربية.
ولمصر مصلحة مباشرة في هذه الوساطة، إذ تخشى من تصعيد قد يدفع إيران لاستخدام ورقة الحوثيين في اليمن، ما قد يؤدي إلى تعطيل الملاحة في قناة السويس ومضيق باب المندب.
وأوضح أن أي اضطراب في هذه الممرات سيؤثر بشكل كبير على الاقتصاد المصري. واختتم بالإشارة إلى أن نجاح الوساطة يواجه تحديات عديدة، أبرزها احتمال سعي إسرائيل لإفشالها، لمنع الدول الثلاث من تعزيز نفوذها الإقليمي والدولي.