مخاوف من انهيار أوضاع السجون الإيرانية.. استهدافٌ لمنشآت الاحتجاز وحياةُ السجناء مهددة، والسلطاتُ تُشدِّد إجراءاتها

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/25 الساعة 07:41 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/25 الساعة 07:42 بتوقيت غرينتش
سجون إيران - عربي بوست

مع اندلاع الحرب في إيران منذ أواخر فبراير 2026، وجد آلاف السجناء أنفسهم محاصرين بين تهديدين متزامنين يهددان حياتهم بشكل مباشر، مما جعل أوضاعهم في السجون أكثر هشاشةً وخطورةً من أي وقت مضى. لم تعد السجون مجرد أماكن احتجاز عادية، بل تحولت إلى ساحات مواجهة غير متكافئة بين القيود الداخلية والتداعيات الخارجية للصراع العسكري، حيث أصبح أي تصعيد عسكري أو سوء إدارة في السجون كفيلاً بتهديد حياة المعتقلين على نحو حقيقي وملموس.

في هذا السياق، يعاني السجناء من وضع مزدوج المخاطر: فمن جهة، تهدد العمليات العسكرية المتزايدة المنشآتَ المجاورة للسجون، ما يعرّض المحتجزين لخطر مباشر من القصف والانفجارات، ومن جهة أخرى، تزيد السياسات الداخلية للنظام، بما في ذلك النقل القسري والقيود على التواصل مع العائلات والمحامين، من حجم المخاطر وتفاقم معاناتهم اليومية. هذا المزيج من التهديدات يجعل السجون الإيرانية في الوقت الراهن بيئةً شديدة الخطورة، حيث تتقاطع الأزمات العسكرية والقيود الإدارية لتشكّل تهديداً مباشراً لحياة آلاف المعتقلين.

انهيار أوضاع السجون خلال الحرب


تشير التقارير الحقوقية التي ترصد الوضع في السجون الإيرانية إلى تفاقم الأوضاع بشكل كبير منذ اندلاع الحرب. فقد شهدت منشآت الاحتجاز ضربات عسكرية قريبة، وتفاقمت مشكلات الاكتظاظ ونقص الموارد الأساسية، إلى جانب تشديد الإجراءات الأمنية، ما زاد من هشاشة النظام السجني وعمّق الأزمة الإنسانية داخله.

سجن إيفين – طهران
أصبح سجن إيفين، المعروف باحتجاز السجناء السياسيين، خلال الحرب الحالية هدفًا غير مباشر للعمليات العسكرية، إذ تعرّض جدار السجن لضربة صاروخية قوية أدت إلى أضرار مادية ملحوظة داخله. وقد أدى هذا الحدث إلى تعليق توزيع الطعام في بعض الأقسام وإغلاق متجر السجن الذي يعتمد عليه السجناء لتلبية احتياجاتهم الأساسية، ما زاد من معاناتهم اليومية. السجناء، الذين يعانون أصلاً من الاكتظاظ والضغط النفسي بسبب القيود الأمنية، باتوا الآن تحت تهديد مباشر لنقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، بالإضافة إلى الخوف المستمر من الانفجارات والهجمات المحتملة على المنشأة.

علاوة على ذلك، قامت السلطات بنقل ما لا يقل عن خمسين سجينًا إلى سجن طهران الكبير في فشافويه، مما أدى إلى تفاقم مشكلة الاكتظاظ هناك وزيادة التوتر بين السجناء القدامى والجدد. وقد أضاف هذا النقل القسري المفاجئ بُعدًا نفسيًا إضافيًا، إذ شعر السجناء بعدم الأمان وفقدوا الإحساس بالاستقرار، كما أن الاختلاط المفاجئ بين مجموعات مختلفة من السجناء زاد من احتمالات الصدامات الداخلية، ووضعهم تحت ضغط نفسي مستمر، خصوصًا مع استمرار الحرب وغياب أي ضمانات لحمايتهم.

ووفقاً لمرصد حقوق الإنسان في إيران، شهد سجن إيفين انهيارًا كاملًا في هيكله الإداري والتنظيمي مع تصاعد الحرب، حيث تخلى العديد من الموظفين عن مناصبهم، مما أدى إلى توقف الإشراف على توفير الاحتياجات الأساسية للسجناء. هذا الوضع يضع مئات السجناء السياسيين والأيديولوجيين في خطر جسيم ومباشر، إذ يقبعون في بيئة مغلقة دون وسائل للدفاع عن النفس أو تأمين الغذاء والماء والرعاية الصحية.

في جناح النساء والجناح رقم 7، توقف توزيع الطعام تمامًا، فيما اكتفت بعض الأجنحة بكميات ضئيلة جدًا من الخبز، وأُغلق مقصف السجن، مما قضى على أي إمكانية للسجناء لتوفير احتياجاتهم بأنفسهم. ويشكل هذا انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية، ويعرض السجناء لمخاطر جسيمة، خصوصًا في ظل استمرار الضغط النفسي ونقص الموارد الأساسية.

وفي حديث لصحيفة "جماران" الإيرانية الأصولية، أعربت فخر السادات محتشمي بور، زوجة مصطفى تاج زاده، عن مخاوف عائلات بعض السجناء في ظل ظروف الحرب، وطالبت بزيادة ساعات الاتصال الهاتفي بين السجناء وعائلاتهم. وأوضحت أن طلبهم من مسؤولي السجون هو التحقيق في أسباب انقطاع خطوط الهاتف، والعمل على جعلها متاحة على مدار الساعة، لأن العائلات ترغب في الاطمئنان على ذويها. وأضافت أن تاج زاده اتصل بها وطلب نشر هذا الموضوع، مشيرةً إلى أن الجميع يواجهون هذه المشكلة ويشعرون بالاستياء من الوضع الحالي، مؤكدةً أن من حق السجناء الطبيعي الاتصال بعائلاتهم في أي وقت.

وأوضحت محتشمي بور أن الاتصالات الهاتفية للسجناء السياسيين والأمنيين شهدت اضطرابات كبيرة خلال الحرب، وأنه بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا أصبحت الزيارات الحضورية محدودة للغاية، حيث قد يستغرق الانتظار من 30 إلى 40 يومًا للحصول على موعد زيارة. كما أضافت أن اللوائح التنظيمية لمصلحة السجون تنص على منح إجازات للسجناء خلال فترات الحرب، إلا أن تاج زاده لم يُبلغها بمنح أي سجين في عنبره إجازة. وأكدت أن الإمكانات والخدمات داخل السجن محدودة جدًا، وأن الهاتف يمثل الوسيلة الوحيدة لطمأنة العائلات على ذويهم، إلا أنه ينقطع لساعات عدة يوميًا.

وأشارت إلى أن ساعات الاتصال تمتد عادة من الثامنة صباحًا حتى التاسعة مساءً، وقد تم تمديدها إلى العاشرة بعد المتابعة، إلا أن الانقطاعات ما زالت مستمرة، وعند عودة الخدمة تكون ضعيفة بسبب الضغط الكبير. وختمت بالتأكيد على أن مطلبهم من إدارة السجون هو معالجة أسباب انقطاع الاتصالات وجعلها متاحة بشكل دائم، لأن العائلات بحاجة إلى معرفة أوضاع أحبائهم، مؤكدة أن هذا حق طبيعي يجب ضمانه.

سجن طهران الكبير – فشافويه
أصبح سجن طهران الكبير، بعد استقبال السجناء المنقولين من إيفين، واحدًا من أكثر السجون اكتظاظًا في إيران، حيث تجاوزت طاقته الاستيعابية بكثير. وقد خلق الاكتظاظ المفرط، في ظل نقص الغذاء والمياه، بيئة خطيرة للسجناء الذين يواجهون صعوبات بالغة في الحفاظ على صحتهم البدنية والنفسية. كما أن الانفجارات المتكررة حول السجن نتيجة الضربات العسكرية على المواقع المجاورة تزيد من شعور السجناء بعدم الأمان، وتجعل أي محاولة للتنقل داخل السجن محفوفة بالمخاطر.

كما أن الضغوط النفسية تتضاعف بسبب الاختلاط بين السجناء المنقولين والمقيمين، حيث تتحول النزاعات البسيطة إلى مشادات قد تتصاعد إلى صدامات خطيرة نتيجة الضغط النفسي والجسدي الشديد. إضافة إلى ذلك، يشكل نقص الغذاء والخدمات الأساسية تهديدًا مزدوجًا لحياة السجناء، إذ قد يؤدي إلى أمراض مزمنة أو سوء تغذية، في ظل غياب آليات كافية للإشراف الطبي أو تقديم الدعم النفسي، ما يزيد من هشاشة البيئة داخل السجن.

سجن قرچك – ورامين
يواجه سجن قرچك في ورامين أزمة إنسانية كبيرة نتيجة نقص مياه الشرب والخدمات الطبية الأساسية، وهو ما يفاقم الأوضاع الصحية للسجناء، خاصة النساء اللواتي تتطلب بعض حالاتهن رعاية طبية مستمرة. ويعرض غياب الرعاية الصحية السجناء لمضاعفات خطيرة للأمراض المزمنة أو الحالات الطارئة، كما يزيد من خطر انتشار الأوبئة في بيئة مكتظة بالفعل.

بالإضافة إلى ذلك، يتزايد الضغط النفسي على السجناء بسبب غياب التواصل مع العالم الخارجي، سواء عبر زيارات الأهالي أو الاتصالات الهاتفية، ما يجعلهم يشعرون بالعزلة التامة. وفي ظل الحرب، يصبح من الصعب توفير أي تدخل طبي عاجل أو دعم خارجي، ما يزيد من معاناة السجناء ويضع حياتهم تحت تهديد مستمر، خصوصًا مع استمرار الانفجارات والأحداث العسكرية القريبة.

سجن قزل حصار – كرج
في سجن قزل حصار، فُرضت قيود صارمة على الحركة داخل السجن، وأُغلقت مناطق التمرين الخارجية، ما أثر سلبًا على الصحة النفسية والجسدية للسجناء. إن حرمانهم من النشاط البدني، إلى جانب القيود المشددة، يعزز الشعور بالإحباط واليأس، ويزيد من حالات التوتر النفسي، خصوصًا بين السجناء الذين يقيمون في أقسام مكتظة ويواجهون ضغوطًا مستمرة من قبل الحراس.

كما يظل خطر التعرض لأي هجوم عسكري على المنشآت المجاورة قائمًا، إذ لا توجد آليات للإخلاء الطارئ، ما يجعل السجناء عرضة لمخاطر مباشرة. هذه البيئة تضع السجناء في حالة خوف دائم، وتؤثر بشكل كبير على صحتهم النفسية، حيث تتزايد حالات القلق والاكتئاب في ظل صمت رسمي وغياب أي دعم للتدخل الفوري.

سجن ديزل آباد – كرمانشاه
عبّر سجناء ديزل آباد عن احتجاجهم على القيود المشددة والظروف القاسية، وكان تدخل قوات الأمن لاحتواء هذه الاحتجاجات مؤشرًا على الضغوط الأمنية المستمرة داخل السجن. وتعكس هذه الأحداث مدى هشاشة الوضع الأمني والإنساني، حيث يمكن لأي تصعيد بسيط أن يتحول إلى مواجهة عنيفة تهدد سلامة السجناء.

كما أن غياب الرقابة الدولية يجعل هذه الانتهاكات أكثر وضوحًا دون رادع، ويزيد من احتمالات التعرض للتعذيب أو العقوبات الإدارية غير القانونية. ويعيش السجناء في بيئة يسودها التهديد المستمر، مع قيود صارمة على مختلف جوانب حياتهم اليومية.

سجن مياندواب – مهاباد
تم نقل 18 سجينًا سياسيًا كرديًا من مهاباد إلى سجن مياندواب بشكل قسري، ما زاد من القلق النفسي لدى السجناء وأسرهم. ويعكس هذا النقل استغلال السلطات للأزمة العسكرية لإعادة توزيع السجناء السياسيين دون شفافية، ما يفاقم الشعور بالعجز واليأس.

كما تزداد صعوبة الظروف داخل السجن بسبب نقص الخدمات الأساسية، مثل الغذاء والمياه والرعاية الطبية، إلى جانب القيود المفروضة على التواصل مع الخارج. ويعيش السجناء في بيئة تفتقر إلى الأمان، حيث قد يهدد أي حدث عسكري حياتهم في أي لحظة.

سجن وکیل آباد – مشهد
شهد سجن وکیل آباد في مشهد تصعيدًا في القيود المفروضة على السجناء، مع زيادة الإشراف الأمني على مختلف جوانب حياتهم اليومية. وقد أسهم نقص الغذاء والخدمات الطبية في تفاقم الوضع الإنساني، حيث يجد السجناء صعوبة في الحصول على احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك التغذية السليمة والرعاية الصحية اللازمة، خاصة للحالات المزمنة.

ويُعدّ الخوف من تسريع عمليات الإعدام من أخطر ما يواجهه السجناء خلال هذه الفترة، إذ يخلق ذلك بيئة من الرعب المستمر، ويعزز الشعور بالعزلة والإحباط، في ظل القيود المفروضة على الاتصال بالعالم الخارجي.

سجن عادل آباد – شيراز
لوحظ في سجن عادل آباد تواجد أمني مكثف، مع فرض قيود صارمة على التواصل مع السجناء، سواء عبر الهواتف أو الزيارات. ويحدّ هذا الوضع من الشفافية، ويجعل من الصعب على الأهالي أو المنظمات الدولية تقييم الأوضاع الإنسانية بدقة. كما يزيد غياب المراقبة من احتمالات الانتهاكات.

إلى جانب ذلك، يعاني السجناء من نقص في الغذاء والخدمات الطبية، ما يفاقم معاناتهم اليومية، ويؤثر بشكل مباشر على صحتهم النفسية والجسدية، في بيئة مكتظة ومشحونة بالضغوط.

السجون المركزية في تبريز وأورميا
تشهد السجون المركزية في تبريز وأورميا قيودًا مشددة على التواصل مع العالم الخارجي، مع منع السجناء السياسيين من الإجازات والتواصل مع ذويهم، ما يعكس تفاقم الأزمة الإنسانية. كما يزيد نقص الغذاء والمياه من صعوبة الحياة اليومية، ويرفع معدلات الإصابة بالأمراض وسوء التغذية.

ويعيش السجناء في حالة من العزلة والضغط النفسي، في ظل غياب أي أفق لتحسن الأوضاع، ما يجعل هذه السجون من بين الأكثر تدهورًا، خاصة بالنسبة للسجناء السياسيين.

سجون لاكان – رشت ودستگرد – أصفهان
تواجه سجون لاكان في رشت ودستگرد في أصفهان ضغوطًا كبيرة، حيث يعاني السجناء من قيود صارمة على الحركة ونقص حاد في الموارد الأساسية. ويسهم الاكتظاظ في زيادة التوتر واحتمالات نشوب صراعات داخلية.

كما تبرز مخاوف من تنفيذ الإعدامات في ظل رقابة محدودة، ما يضع السجناء تحت تهديد دائم، في بيئة يسودها التوتر النفسي والعزلة، مع غياب الرعاية الطبية الكافية.

سجن زنجان المركزي
شهد سجن زنجان المركزي انفجارات بالقرب منه نتيجة الضربات العسكرية، ما دفع السلطات إلى تعزيز الإجراءات الأمنية داخله، دون أن يقلل ذلك من المخاطر التي تواجه السجناء، خاصة مع استمرار نقص الغذاء والمياه والخدمات الطبية.

وتبقى الأجواء مشحونة بالخوف والقلق، حيث يعيش السجناء تحت ضغط مزدوج ناتج عن الظروف العسكرية والقيود الداخلية.

سجون ماريفان وسنندج
تعرضت سجون ماريفان وسنندج لأضرار في جدرانها نتيجة الضربات العسكرية، كما تم نقل سجناء سياسيين إليها بشكل قسري. وتعكس هذه الإجراءات استمرار الضغط على السجناء واستغلال الظروف العسكرية لتشديد السيطرة عليهم.

وتظل الأوضاع الإنسانية في هذه السجون صعبة للغاية، مع نقص في الغذاء والمياه والخدمات الطبية، ما يزيد من هشاشة السجناء ويعرض حياتهم للخطر، إلى جانب تصاعد القلق لدى أسرهم نتيجة هذه التطورات.

تهديد حياة السجناء في إيران خلال ظروف الحرب


أعربت منظمة حقوق الإنسان في إيران (IHRNGO) عن قلقها البالغ إزاء احتمالية تصعيد عمليات الإعدام في السجون الإيرانية، بالإضافة إلى الخطر الكبير الذي يواجه السجناء نتيجة ظروف الحرب المستمرة في البلاد. وأكدت المنظمة ضرورة الالتزام بالتوجيه رقم 211 الصادر عن المجلس القضائي الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي يهدف إلى حماية حياة السجناء في حالات الطوارئ، بما في ذلك تعديل شروط الكفالة، والإفراج المؤقت بكفالة أو ضمان مالي، ونقل السجناء إلى أماكن أكثر أمانًا، لضمان سلامتهم في ظل الأوضاع المتدهورة.

وصرّح محمود أميري مقدم، مدير منظمة حقوق الإنسان الإيرانية غير الحكومية، قائلًا: "في ظل الظروف الراهنة، أصبح مئات الآلاف من السجناء في جميع أنحاء إيران، بمن فيهم عشرات الآلاف من المتظاهرين المعتقلين خلال الاحتجاجات الأخيرة، من أكثر ضحايا هذا الوضع ضعفًا وعجزًا عن الدفاع عن أنفسهم. فهم لا يواجهون خطر القصف فحسب، بل أيضًا خطر الإعدامات السريعة تحت وطأة الحرب. يجب أن تصبح حماية هؤلاء السجناء أولوية ملحّة للمجتمع الدولي."

وحسب المعلومات التي حصلت عليها المنظمة، فقد فُرضت قيود صارمة في خمسة سجون رئيسية على الأقل، تشمل سجن زنجان المركزي، وسجن إيفين في طهران، وسجن غزل حصار في كرج، وسجن رشت المركزي (لاكان)، وسجن أصفهان المركزي (دستجرد). ويُعدّ التحقق المستقل من أوضاع السجون الأخرى صعبًا للغاية بسبب انقطاع شبه كامل للإنترنت منذ 28 فبراير 2026، ما يزيد من صعوبة رصد الوضع الإنساني للسجناء والتأكد من سلامتهم.

وتشير التقارير الواردة من سجن إيفين إلى تعليق توزيع الطعام في مختلف الأجنحة، وإغلاق مقصف السجن، وانقطاع الاتصالات الهاتفية، ما زاد من معاناة السجناء وأثار قلق عائلاتهم. كما أظهرت صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي وجودًا مكثفًا لقوات الأمن والجيش حول السجن في الأول من مارس، مع استمرار المخاوف بعد الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة على مناطق مختلفة من طهران. ويستذكر مراقبون الهجوم الإسرائيلي السابق على سجن إيفين في 22 يونيو 2025 خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا، ما يزيد من احتمال تعرض السجن للخطر مجددًا.

وتجمعت عائلات السجناء أيضًا خارج سجن غزل حصار في كرج خوفًا على سلامة ذويهم، فيما تشير تقارير إضافية إلى فرض قيود على السجناء هناك، ونقص في الغذاء، وتراجع إمكانية الوصول إلى المرافق الطبية في سجني غزل حصار ورشت المركزيين، ما يعكس تفاقم الأزمة الإنسانية. ولا تزال أوضاع عدد من السجناء السياسيين غامضة، حيث أفادت التقارير بنقل بعضهم من سجن أصفهان المركزي إلى أماكن غير معلنة، فيما أبدت عائلة السجين السياسي حشمت الله طبرزدي قلقها بعد انقطاع الأخبار عنه، مؤكدة أن مسؤولية أي عواقب تقع على السلطات الإيرانية.

وأصدرت مؤسسة نرجس محمدي بيانًا بعنوان "لا تنسوا السجناء السياسيين في خضم الحرب"، أعربت فيه عن قلقها إزاء وضع المدافعة عن حقوق الإنسان والحائزة على جائزة نوبل للسلام، المحتجزة في سجن زنجان المركزي، بالإضافة إلى معتقلين آخرين، خصوصًا مع تعرض مدينة زنجان لغارات جوية أمريكية وإسرائيلية في الأول من مارس.

ويُذكر أن معظم السجون الإيرانية تعمل بالفعل فوق طاقتها الاستيعابية، حتى في الظروف العادية، حيث يُحتجز أكثر من 50 ألف متظاهر اعتُقلوا خلال الاحتجاجات الأخيرة. ويُحتجز العديد منهم في مرافق غير رسمية تديرها وزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري، غالبًا دون أي ضمانات قانونية أو رقابية، ما يزيد من خطر تعرضهم للأذى في حال وقوع غارات عسكرية أو أي تصعيد أمني.

ووفقًا للتوجيه رقم 211 الصادر في ديسمبر 1986، يجب على السلطات القضائية الإيرانية اتخاذ التدابير القانونية اللازمة لحماية حياة السجناء في مناطق الحرب أثناء حالات الطوارئ. وتشمل هذه التدابير مراجعة أوضاع المحتجزين، وتعديل شروط الكفالة، ومنح الإفراج المشروط، أو نقل السجناء إلى مواقع أكثر أمانًا، مع ضمان حماية الأرواح والحفاظ على النظام والأمن العام، بما يحدّ من المخاطر الإنسانية ويخفف من الأزمة الداخلية التي تهدد حياة آلاف السجناء في البلاد.

ويؤكد مرصد حقوق الإنسان في إيران أن المعتقلين السياسيين والأيديولوجيين يمثلون الفئة الأكثر ضعفًا بين جميع السجناء في البلاد خلال ظروف الحرب. وتشير التجارب السابقة إلى أن فترات الأزمات السياسية والأمنية غالبًا ما تشهد تصعيدًا في القيود على هؤلاء السجناء وفرض ضغوط إضافية عليهم. ففي أعقاب الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول 2025، شهدت إيران موجة اعتقالات شملت آلاف المواطنين بتهم تتعلق بالأمن القومي، ولا يزال العديد منهم قيد الاحتجاز، ويواجه بعضهم مخاطر جدية، من بينها احتمال الحكم بالإعدام أو تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم دون ضمانات كافية.

وحذر المرصد من أن ظروف الحرب وتراجع الرقابة يزيدان من خطر تصعيد القمع ضد السجناء السياسيين، بما في ذلك تسريع الإعدامات والنقل إلى مراكز نائية. ويواجه هؤلاء السجناء قيودًا شديدة على الرعاية الطبية والتواصل والتمثيل القانوني، ما يعرض سلامتهم للخطر. كما أشار المرصد إلى أن السجينات هن الفئة الأكثر ضعفًا، حيث تعاني سجونهن، مثل سجن قرچك، من نقص حاد في مياه الشرب والخدمات الطبية، وقد تم نقل نحو 60 سجينة سياسية إلى جناح تحت الأرض في ظروف صحية سيئة. كما يُحتجز الأطفال مع أمهاتهم في هذه البيئة، معرضين للمخاطر نفسها ونقص الخدمات.

ويحذر المرصد من أن استمرار المواجهات العسكرية يضع السجناء أمام مجموعة من المخاطر الجسيمة. فمع وقوع الهجمات بالقرب من المنشآت العسكرية أو المناطق الحضرية التي تقع فيها السجون، يواجه السجناء خطر الإصابة أو الوفاة، خصوصًا في حال إغلاق عنابر السجن واستحالة الإخلاء الطارئ. كما أن غياب الموظفين الإداريين والعاملين في الخدمات الطبية قد يؤدي إلى أزمة إنسانية حادة نتيجة تعطيل توزيع الطعام والمياه والخدمات الصحية. ومع تقييد الاتصالات وتقليص الرقابة العامة، تزداد المخاوف من تصاعد الضغط الأمني على السجناء السياسيين واحتمالية تسريع تنفيذ أحكام الإعدام، فيما تؤدي عمليات النقل القسري بين المرافق دون إبلاغ العائلات إلى حالة من عدم اليقين وزيادة خطر الاختفاء القسري.

كما يشير المرصد إلى التوجيه رقم 211 الصادر عن المجلس القضائي الأعلى بتاريخ 12 يناير/كانون الثاني 1987، والذي يحدد التزامات السلطات القضائية في حالات الطوارئ والحرب، بما في ذلك مراجعة أوضاع السجناء، والإفراج المؤقت عن غير الخطرين، ونقل السجناء الخطرين إلى أماكن آمنة عند الضرورة. إلا أن التقارير تشير إلى أن هذا التوجيه لم يُطبّق بشكل كافٍ على العديد من السجناء السياسيين، ما يضع حياتهم في خطر مباشر ويعرضهم لانتهاكات جسيمة. كما يؤكد القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة، حماية المدنيين المحتجزين وضرورة تأمين حياتهم وسلامتهم، فيما تشدد قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) على ضرورة توافر الغذاء والماء والخدمات الطبية بشكل دائم لجميع السجناء دون تمييز.

في سياق موازٍ، يرى الدكتور مسعود فكري، الأكاديمي الإيراني، أن التطورات الأخيرة المتصلة بقصف منشآت داخل الأراضي الإيرانية، ولا سيما ما يتعلق بالحديث عن الاستهداف المحتمل للسجون، تعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع بين طهران وتل أبيب. وبالنسبة لفكري، لم تعد الأهداف العسكرية التقليدية، مثل المواقع النووية أو قواعد الحرس الثوري، وحدها محور النزاع، بل أصبحت الأهداف ذات الرمزية السياسية والاجتماعية داخل المجتمع الإيراني جزءًا من الحسابات الاستراتيجية للطرف الخصم. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن احتمال تعرض السجون الإيرانية لضربات لا يُعدّ مجرد مخاوف إنسانية، بل جزءًا من قراءة أوسع لما يعتبره "ضغوطًا نفسية وسياسية" تهدف إلى تقويض قدرة الدولة على حماية مؤسساتها الأساسية.

ويؤكد فكري أن قلق النظام الإيراني من استهداف السجون ينبع من إدراك عميق لطبيعة السرد الوطني الذي يربط بين الاستهداف الخارجي والأمن الداخلي. فالسجون، وعلى وجه الخصوص تلك التي تضم سجناء سياسيين، تشكل لدى السلطة رمزًا لقدرتها على فرض السيطرة والاستقرار، وأي ضربات جانبية تستهدفها قد تُستخدم كأداة لإرسال رسائل تتجاوز السياق العسكري الضيق.

وعلى الرغم من ذلك، يرى فكري أنه من الخطأ تفسير كل ضربة تتجاوز الأهداف العسكرية الصرفة على أنها خطوة مباشرة نحو الإطاحة بالنظام. ويرى أن إسرائيل تسعى، من خلال هذا النوع من العمليات، إلى تقويض القدرة التنظيمية والرقابية للنظام، وليس بالضرورة القضاء عليه. فالنظام الإيراني، برأيه، يظل لاعبًا قويًا على الصعيدين الداخلي والإقليمي، وأن انهياره المفاجئ قد يفتح المجال أمام حالة من عدم الاستقرار الشامل، قد تضر بمصالح المنطقة بأسرها، بما في ذلك الأطراف التي تسعى إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية عبر الضغط العسكري.

ومن زاوية أخرى، يؤكد فكري أن التركيز على المخاطر الإنسانية المرتبطة بحياة السجناء يجب أن يقترن بفهم الاستراتيجية الأوسع للصراع. فاستهداف السجون، إن ثبت حدوثه، لا يمكن قراءته بمعزل عن البعد النفسي والدلالي، الذي يمثل جزءًا من حزمة من التدابير التي يحرص الطرف الآخر على تسويقها ضمن حرب شاملة تشمل البنية الاجتماعية والإعلامية والإدارية للدولة الإيرانية. وفي هذا الإطار، لا تعود السجون مجرد أهداف مادية، بل تتحول إلى أهداف رمزية قادرة على التأثير في المزاج العام والنسيج الاجتماعي.

تحميل المزيد