الجنوب الليبي: كيف تعيد الصحراء تشكيل السلطة في صمت بعيداً عن صراع الشرق والغرب التقليدي

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/24 الساعة 18:51 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/24 الساعة 18:51 بتوقيت غرينتش
الجنوب الليبي ليس مجرد امتداد جغرافي للدولة/ عربي بوست

في الوقت الذي يتركز فيه الاهتمام الدولي والمحلي على الصراع السياسي بين شرق ليبيا وغربها، تتشكل بعيداً عن الأضواء معادلة موازية في الجنوب الليبي، حيث تتحول منطقة فزان إلى ساحة تنافس مركّب لا تحكمه المؤسسات الرسمية بقدر ما تضبطه توازنات محلية وشبكات نفوذ عابرة للحدود.

هنا، لا تُدار السلطة فقط عبر الحكومات، بل عبر السيطرة على الأرض والمسارات والموارد غير الرسمية. الجنوب الليبي ليس مجرد امتداد جغرافي للدولة، بل يمثل نقطة تماس بين أزمات داخلية وصراعات إقليمية متصاعدة، خصوصاً مع التحولات التي يشهدها الساحل الإفريقي منذ عام 2023.

هذا التشابك يجعل ما يحدث في مدن مثل سبها وأوباري ومرزق جزءاً من صراع أوسع يتجاوز ليبيا نفسها، ليشمل تنافساً دولياً على النفوذ ومسارات الهجرة والتجارة غير الرسمية. وضمن هذا السياق، تكشف التطورات الأخيرة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، أن الجنوب لم يعد هامشاً في معادلة السلطة الليبية، بل بات أحد مفاتيحها الأساسية.

تعيين الزادمة وعودة الجنوب للواجهة

عاد الجنوب الليبي إلى واجهة الأحداث مع تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وعلى الرغم من أن قرار تعيين الزادمة يبدو في ظاهره إجراءً إدارياً ضمن تعديل حكومي، إلا أن دلالاته تتجاوز ذلك بكثير.

وتسلّم سالم الزادمة، نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عن المنطقة الجنوبية، مهامه رسمياً في ديوان رئاسة الوزراء بطرابلس، الأحد 16 مارس/ آذار 2026، وذلك عقب تعيينه ضمن التعديلات الوزارية الأخيرة التي أقرّها رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة.

وجاء تكليف الزادمة بمنصبه الجديد بعد أن كان يشغل منصب نائب رئيس الحكومة المكلّفة من مجلس النواب عن المنطقة الجنوبية، حيث شارك في اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في 12 مارس/ آذار بالعاصمة طرابلس، إلى جانب الوزراء الجدد الذين شملتهم التغييرات الأخيرة.

هذا التعيين يعكس محاولة واضحة لإعادة تموضع السلطة داخل منطقة لم تخضع يوماً لسيطرة مركزية كاملة، فالجنوب ظل تاريخياً مساحة نفوذ متداخلة، حيث تتنافس حكومة طرابلس مع الحكومة المكلّفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد على تثبيت حضورها، دون قدرة أي منهما على فرض سيطرة مستقرة وشاملة.

الجنوب الليبي.. فسيفساء نفوذ معقدة

لفهم ما يجري في الجنوب الليبي، لا يكفي النظر إليه كحيّز جغرافي واحد، بل كمساحة تتوزع فيها السلطة على مستويات متعددة، تتغير وفق السياق المحلي أكثر مما تخضع لقرار مركزي. هذه التوازنات لا تقوم فقط على من يسيطر عسكرياً، بل على من ينجح في بناء شبكة علاقات محلية تسمح له بالبقاء.

في سبها، على سبيل المثال، لا تُقاس السيطرة بعدد القوات المنتشرة بقدر ما تُقاس بقدرة أي طرف على التوفيق بين الفاعلين المحليين، من قبائل ومجموعات مسلحة، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار. لذلك، تبدو المدينة كمساحة "تفاوض دائم"، حيث تتبدل التحالفات بسرعة، ويصعب تثبيت نفوذ طويل الأمد دون توافقات اجتماعية مرافقة.

أما في أوباري ومرزق، فإن المشهد أكثر ارتباطاً بالبنية العرقية-القبلية، حيث يشكل التنافس بين التبو والطوارق إطاراً حاكماً للصراع. هذا التنافس لا يقتصر على السيطرة المحلية، بل يمتد إلى التحكم في طرق العبور والموارد، ما يمنحه بعداً اقتصادياً وأمنياً يتجاوز طابعه الاجتماعي.

وفي المناطق الحدودية مثل القطرون وغات، تتراجع فكرة "السيطرة" بمعناها التقليدي لصالح مفهوم "إدارة المسارات". فهذه المناطق تُدار فعلياً عبر شبكات عابرة للحدود، تتحكم في حركة الأشخاص والسلع بين ليبيا وتشاد والنيجر. هنا، تصبح الجغرافيا نفسها عاملاً محدداً للنفوذ، حيث من يسيطر على الطريق يملك سلطة تفوق أحياناً سلطة الدولة.

بشكل عام، تتركز شبكات النفوذ المرتبطة بالقيادة العامة في الجنوب الشرقي، بينما تحافظ قوى محلية وبعض التشكيلات المرتبطة بحكومة طرابلس على حضور متقطع في مدن رئيسية، أما المناطق الحدودية، فتبقى خاضعة لتوازنات قبلية وشبكات غير رسمية أكثر من كونها تحت سيطرة دولة واضحة.

صراع يتجاوز ليبيا وقضية الهجرة حاضرة

لا يمكن فصل ما يحدث في الجنوب الليبي عن التحولات الجيوسياسية في الساحل الإفريقي، فمنذ عام 2023 شهدت المنطقة إعادة تشكيل لنفوذ القوى الدولية، مع تصاعد الحضور الروسي وتراجع الدور الفرنسي في بعض الدول، إلى جانب محاولات أمريكية لإعادة التموضع.

في هذا السياق، يقول الباحث المتخصص في الشؤون الجيوسياسية الإفريقية أكلي شاكا إن التحركات الأخيرة في الجنوب الليبي لا يمكن اختزالها في مجرد تنافس بين حكومتين، بل تعكس صراعاً أوسع على النفوذ في منطقة أصبحت ذات أهمية استراتيجية متزايدة.

ويضيف شاكا في تصريح لـ"عربي بوست" أن الجنوب الليبي يمثل "نقطة تقاطع لمصالح عدة قوى دولية وإقليمية"، نظراً لموقعه الذي يربط ليبيا بعمقها الإفريقي، في وقت يتصاعد فيه التنافس في الساحل بين روسيا وحلفائها، مقابل محاولات فرنسية وأمريكية لإعادة ترتيب نفوذها.

ويمثل الجنوب الليبي حلقة حاسمة في مسار الهجرة غير النظامية من إفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا، إذ تمر أغلب الرحلات عبر مسارات برية تبدأ من دول مثل النيجر وتشاد، قبل أن تصل إلى مدن الجنوب الليبي كسبها ومرزق.

في هذه المرحلة، لا يكون الجنوب مجرد نقطة عبور عشوائية، بل محطة لإعادة تنظيم الرحلات، حيث يتم تجميع المهاجرين، وتحديد وجهاتهم، وربطهم بشبكات تهريب تتكفل بنقلهم نحو الساحل الشمالي.

هذا الدور يجعل الجنوب بمثابة "منطقة فرز وتحكم" في تدفقات الهجرة، حيث تتداخل فيه شبكات التهريب مع الفاعلين المحليين، وتُفرض رسوم على كل مرحلة من الرحلة. عملياً، لا يتحرك المهاجر عبر مسار واحد متصل، بل عبر سلسلة من الوسطاء، لكل منهم نفوذ على جزء من الطريق.

بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي، لا يُنظر إلى هذه الديناميات باعتبارها شأناً ليبياً داخلياً، بل كامتداد مباشر لأمنها الحدودي. فاستقرار الجنوب يعني، من وجهة نظر أوروبية، القدرة على احتواء حركة المهاجرين قبل وصولهم إلى الساحل، بينما يؤدي أي اضطراب فيه إلى زيادة الضغط على الضفة الشمالية للمتوسط.

مؤشرات ميدانية.. هشاشة أمنية واضحة

على الأرض، تكشف التطورات الأمنية عن واقع هش في الجنوب الليبي. في أواخر يناير/ كانون الثاني 2026، استُهدفت دورية عسكرية في كمين على الحدود الليبية–النيجرية، في حادثة تعكس صعوبة فرض سيطرة مستقرة على هذه المناطق المفتوحة.

الباحث الليبي جلال حرشاوي يرى أن هذه الحوادث تسلط الضوء على ضعف الترتيبات الأمنية المرتبطة بصدام حفتر، خاصة بعد تفكيك اللواء 128 مطلع عام 2025. ويشير إلى أن إقصاء مكونات محلية رئيسية مثل التبو والطوارق ساهم في إضعاف المنظومة الأمنية، كاشفاً عن هشاشة السيطرة الفعلية على الأرض.

إلى جانب ذلك، يعكس الارتفاع الحاد في أسعار الوقود في فزان، حيث تجاوز سعر اللتر 14 ديناراً، اختلالاً عميقاً في منظومة التوزيع، رغم كون المنطقة ضمن نطاق إنتاج النفط. هذا التناقض يرتبط بسيطرة شبكات التهريب على السوق، حيث يُوجَّه الوقود نحو التجارة غير الرسمية أو يُهرّب عبر الحدود، ما يخلق ندرة داخلية مصطنعة.

ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتعطل الخدمات، تتزايد حالة الاحتقان الاجتماعي في بيئة تفتقر لبدائل اقتصادية مستقرة. في هذا السياق، تتحول أزمة الوقود من مسألة معيشية إلى عامل ضغط أمني قابل للانفجار في أي لحظة.

هذا الوضع يبرز مفارقة واضحة في المشهد الليبي: بينما تتجه الأطراف السياسية نحو تسويات محتملة، تتصاعد التوترات ميدانياً في الجنوب. هذا التناقض يهدد أي مسار سياسي، إذ يمكن لأي تصعيد في الجنوب أن يقوض التفاهمات السياسية، خاصة إذا تحول إلى صراع مفتوح على الموارد أو طرق الإمداد.

اقتصاد الظل.. المحرك الحقيقي للصراع

إلى جانب السياسة والسلاح، يلعب الاقتصاد غير الرسمي دوراً محورياً في تشكيل موازين القوة، إذ إن الجنوب الليبي يُعد أحد أهم ممرات تهريب الوقود والسلع والمهاجرين في المنطقة، حيث تدر هذه الأنشطة ملايين الدولارات سنوياً.

ووفق تقديرات المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (GI-TOC)، لم يعد الجنوب مجرد ممر عبور، بل تحول إلى مركز لنشاط اقتصادي عابر للحدود.

في هذا السياق، يقول الباحث في شؤون الجريمة المنظمة مارك ميكاليف لـ"عربي بوست" إن الجنوب لم يعد مجرد منطقة عبور، بل تحول إلى مركز لنشاط اقتصادي غير رسمي عابر للحدود. ويضيف أن "شبكات التهريب في الجنوب لا تعمل على هامش الدولة فقط، بل أصبحت جزءاً من معادلة القوة نفسها".

ولا يقتصر تأثير هذا الاقتصاد على تمويل الفاعلين المسلحين، بل يمتد إلى إعادة تشكيل أنماط الحكم المحلي، حيث تتحول السيطرة على المسارات والموارد إلى بديل فعلي للسلطة الرسمية.

ففي غياب مؤسسات قادرة على الضبط، تفرض هذه الشبكات قواعدها الخاصة، سواء عبر تنظيم الحركة التجارية أو فرض الإتاوات أو تأمين الحماية، ما يخلق نظاماً موازياً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع النفوذ الأمني، ويجعل من تفكيك هذه المنظومة تحدياً يتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

الصحراء التي تعيد تشكيل ليبيا

في ظل انسداد الأفق السياسي، تزداد أهمية الجنوب كعامل حاسم في تحديد مستقبل السلطة في ليبيا. فالسيطرة عليه تمنح أكثر من مجرد امتداد جغرافي؛ إنها توفر عمقاً أمنياً، وتحكماً في خطوط الإمداد، ونفوذاً في أي مفاوضات سياسية مستقبلية.

كما قد يتحول الجنوب الليبي، وفق أكلي شاكا، إلى عقدة لممرات تجارية تربط الساحل الإفريقي بالمتوسط، ما يزيد من قيمته الاستراتيجية.

ما يجري في الجنوب الليبي ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من صراع متعدد المستويات: داخلي بين القوى الليبية، وإقليمي مرتبط بالساحل الإفريقي، ودولي يعكس تنافس القوى الكبرى.

في هذه المساحة المفتوحة، حيث الحدود رخوة والدولة محدودة الحضور، تتحول الجغرافيا نفسها إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل السلطة. الجنوب الليبي لم يعد هامشاً، بل أصبح أحد محددات مستقبل ليبيا.

ما يتشكل اليوم في فزان قد يبدو صامتاً، لكنه يعيد بهدوء رسم ميزان القوة في البلاد، ويؤسس لواقع جديد قد تفرضه الصحراء قبل السياسة.

تحميل المزيد