ضغط على سوريا: كيف تحاول إسرائيل وأمريكا جرّ دمشق إلى الحرب لمواجهة حزب الله؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/23 الساعة 11:31 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/23 الساعة 11:33 بتوقيت غرينتش
هل تورط إسرائيل سوريا في الحرب مع حزب الله؟ عربي بوست

لم تعد الضربات الإسرائيلية في جنوب سوريا مجرد ردود فعل موضعية على تحركات ميدانية، بل باتت، وفق تقديرات مصادر دبلوماسية وعسكرية، جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة رسم خرائط الاشتباك. وتبحث تل أبيب عن أدوات ضغط بديلة قادرة على إحداث اختراق في ميزان المواجهة مع "حزب الله"، حتى لو استدعى ذلك توسيع نطاق التوتر نحو الجبهة السورية.

ضمن هذا السياق، تتكثف الإشارات التي توحي بمحاولة إسرائيل إدخال دمشق تدريجياً في الصراع، ليس بالضرورة عبر مواجهة مباشرة، بل من خلال رفع كلفة الحياد، ودفعها إلى اتخاذ خطوات تُضعف الحزب أو تُقيد حركته. ويظهر ذلك في تزامن الضربات العسكرية مع رسائل إعلامية وأمنية مركبة، تستهدف إعادة تعريف التهديد ليشمل المجالين اللبناني والسوري معاً.

في المقابل، تبدو دمشق حذرة في التعامل مع هذه الضغوط، متمسكة بخيار تجنب الانخراط في حرب مفتوحة، في وقت تتقاطع فيه ضغوط دولية وإقليمية لمنع توسع رقعة المواجهة. وبين هذه الحسابات المتعارضة، تبرز الحدود بين سوريا ولبنان كساحة حساسة قد تتحول، في أي لحظة، إلى نقطة اشتعال غير محسوبة.

رسائل عسكرية وحرب نفسية بحثاً عن شريك

كشفت مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست" أن إسرائيل تسعى، من خلال الجمع بين الضربات العسكرية في جنوب سوريا والتصعيد الإعلامي حول صواريخ حزب الله في لبنان، إلى بناء معادلة ضغط مركبة تستهدف دمشق بشكل مباشر.

وأوضحت المصادر أن هذه المعادلة تقوم على عنصرين متلازمين: الأول هو رفع كلفة بقاء سوريا خارج المواجهة، من خلال استهدافات محدودة لكنها متكررة، والثاني هو تخويفها من أن البنية الصاروخية الموجودة في البقاع يمكن أن تتحول إلى تهديد محتمل لها في حال تغيرت معادلات الصراع.

وتوضح المصادر أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن مدى الصواريخ (250 إلى 300 كيلومتر) لم يكن موجهاً فقط إلى المجتمع الدولي أو الداخل اللبناني، بل كان جزءاً من رسالة غير مباشرة إلى سوريا، هدفها دفعها إلى التفكير بخيارات استباقية، أو على الأقل إلى تشديد الضغط على حزب الله داخل مناطق نفوذها الحدودية.

في موازاة ذلك، تكشف مصادر لبنانية لـ"عربي بوست" أن الأداء الميداني الإسرائيلي في جنوب لبنان لعب دوراً حاسماً في دفع تل أبيب إلى إعادة النظر في استراتيجيتها.

فبعد أسابيع من العمليات، لم تتمكن القوات الإسرائيلية من تثبيت سيطرة مستقرة على مناطق رئيسية في الخط الأمامي، ما يعكس صعوبة تحقيق حسم عسكري سريع في بيئة قتالية تعتمد على الاستنزاف والتكتيكات غير التقليدية.

هذا الواقع، بحسب المصادر، دفع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى البحث عن نقاط ضغط خارج الجبهة المباشرة، يمكن من خلالها إضعاف حزب الله دون الانخراط في معركة طويلة ومكلفة داخل الجنوب.

ومن هنا، برزت فكرة "الخيار السوري"، أي استخدام الجغرافيا السورية كرافعة ضغط إضافية، سواء عبر دفع دمشق إلى تدخل مباشر في البقاع، أو عبر إبقائها تحت ضغط دائم يجبرها على اتخاذ إجراءات تحدّ من حركة الحزب وقدرته على استخدام الحدود.

نقل المواجهة إلى عمق جنوب سوريا

توضح المصادر اللبنانية أن منطقة البقاع شرق لبنان باتت تحتل موقعاً مركزياً في التفكير الإسرائيلي، ليس فقط بسبب ما يُعتقد أنه وجود جزء أساسي من منظومة الصواريخ التابعة لحزب الله فيها، بل أيضاً لأنها تمثل نقطة اتصال جغرافية مع سوريا.

هذا الموقع يجعل من البقاع هدفاً مثالياً لمحاولة نقل المواجهة من الجنوب إلى العمق، عبر خلق ضغط مزدوج من الداخل اللبناني ومن الجهة السورية في آن واحد.

وتشير المصادر إلى أن بعض السيناريوهات التي جرى تداولها في الأسابيع الماضية تضمنت احتمالات تحرك سوري محدود داخل مناطق معينة من البقاع، انطلاقاً من محاور القلمون، تحت عناوين أمنية تتعلق بضبط الحدود أو استهداف مخازن سلاح، إلا أن هذه الطروحات قوبلت برفض واضح من دمشق، ولم تتجاوز مرحلة النقاش.

ماذا عن موقف دمشق؟

تؤكد مصادر دبلوماسية سورية لـ"عربي بوست" أن القيادة السورية أبلغت بشكل واضح كل الأطراف التي تواصلت معها أنها لا تنوي التدخل في لبنان، ولا ترى مصلحة لها في الدخول في مواجهة مع حزب الله في هذه المرحلة.

وتشير المصادر إلى أن هذا الموقف يستند إلى جملة من الاعتبارات، أبرزها الخشية من أن يؤدي أي تدخل إلى فتح جبهة غير قابلة للضبط على الحدود، أو إلى استدراج سوريا إلى صراع يخدم أطرافاً أخرى، وخاصة الجانب الإسرائيلي.

كما تؤكد المصادر أن الرئيس السوري أحمد الشرع شدد في أكثر من اتصال مع مسؤولين لبنانيين وعرب على أن سوريا لا تريد تكرار تجارب سابقة في لبنان، وأن أولويتها في المرحلة الحالية هي تثبيت الاستقرار الداخلي والانخراط في مسارات إعادة الإعمار والتكامل الاقتصادي، وإبعاد سوريا عن أتون الصراع الإقليمي الحاصل ولو بالحد الأدنى.

أمريكا لديها استراتيجية أخرى

بالتوازي مع التحرك الإسرائيلي، تشير مصادر عسكرية سورية لـ"عربي بوست" إلى أن واشنطن دخلت على خط الضغط على دمشق، لكن بأدوات مختلفة، تركز على البعد الاستخباري.

المصادر توضح أن الجانب الأميركي يرى أن سوريا تمتلك معلومات دقيقة عن مواقع تخزين الصواريخ التابعة لحزب الله في البقاع، نتيجة الدور الذي لعبه النظام السابق في إدارة خطوط الإمداد، وأن هذه المعلومات يمكن أن تشكل مدخلاً لتقويض جزء من القدرات العسكرية للحزب.

وفي هذا الإطار، طُرحت أفكار تتراوح بين دفع سوريا إلى مشاركة هذه المعلومات بشكل غير مباشر، أو استخدام قنوات تنسيق أمنية محدودة، إلا أن دمشق رفضت الانخراط في هذا المسار، معتبرة أن ذلك سيضعها عملياً في موقع الطرف المنخرط في الحرب.

ماذا عن الوضع ميدانياً؟

ميدانياً، تؤكد مصادر سورية ولبنانية أن الجيش السوري عزز وجوده العسكري على طول الحدود مع لبنان خلال الأسابيع الماضية، لكن هذه الخطوة لا ترتبط بأي نية للتدخل داخل الأراضي اللبنانية.

وتوضح المصادر أن الهدف الأساسي من هذه التعزيزات هو منع أي احتكاك غير محسوب، خاصة في ظل مخاوف من أن تدفع إسرائيل بمقاتلي حزب الله نحو المناطق الجردية بين البلدين، مثل القلمون ووادي ميرا، ما قد يؤدي إلى اشتباكات مباشرة مع القوات السورية.

وتعتبر دمشق، بحسب المصادر، أن هذا السيناريو هو الأخطر، لأنه قد يفرض عليها مواجهة لم تختَرها، ويحوّل الحدود إلى ساحة استنزاف مفتوحة.

تحركات إقليمية لاحتواء التصعيد

في موازاة هذه التطورات، تشير مصادر دبلوماسية إلى أن عدداً من الدول الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا وقطر والسعودية، دخلت على خط الاتصالات مع دمشق وواشنطن، في محاولة لمنع دفع سوريا إلى مواجهة مع حزب الله.

وتوضح المصادر أن هذه الدول ترى أن توسيع الحرب باتجاه الحدود اللبنانية–السورية قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية يصعب احتواؤها، وأن الحفاظ على موقف سوريا الرافض للتدخل يشكل عاملاً أساسياً في منع انفجار جبهة جديدة.

كما تؤكد المصادر أن بريطانيا لعبت دوراً مكملاً في هذا السياق، من خلال اتصالات مباشرة مع القيادتين اللبنانية والسورية، بهدف احتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مستوى أكثر خطورة.

في الداخل اللبناني، تتقاطع هذه التطورات مع ضغوط متزايدة على الدولة لتحمّل مسؤولية ملف سلاح حزب الله، في ظل رسائل إسرائيلية واضحة بأن استمرار الوضع الحالي غير مقبول.

لكن مصادر حكومية لبنانية تشير إلى أن أي محاولة لدفع الدولة نحو مواجهة مباشرة مع الحزب تصطدم بتوازنات داخلية معقدة، وبمخاوف جدية من انفجار الوضع الأمني في حال الانتقال إلى هذا الخيار. وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر داخل بعض الأوساط السياسية مقاربات تدعو إلى إعادة النظر في التوازن الداخلي، في ضوء المتغيرات الإقليمية، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في النقاش حول مستقبل السلاح ودور الدولة.

مسار ضغط مفتوح على احتمالات التصعيد

تجمع المصادر التي تحدثت إلى "عربي بوست" على أن ما جرى في جنوب سوريا لا يمكن فصله عن مسار أوسع تسعى إسرائيل من خلاله إلى إعادة تشكيل ساحة المواجهة مع حزب الله، عبر نقل جزء من الضغط إلى الجبهة الشرقية.

لكن حتى الآن، لا يبدو أن دمشق مستعدة للانخراط في هذا المسار، وهي تفضل التمسك بخيار ضبط الحدود ومنع الاحتكاك، بدلاً من التورط في مواجهة قد تعيد خلط الأوراق في لبنان وسوريا معاً.

ورغم ذلك، يبقى احتمال الانزلاق قائماً، خاصة إذا استمرت محاولات دفع الأطراف إلى صراع لم تختَره، أو إذا تحولت الحدود إلى ساحة اشتباك مفروض بفعل التطورات الميدانية.

تحميل المزيد