تجدد القصف الإيراني على معسكرات الفصائل الكردية المسلحة في كردستان أعاد ملف هذه التنظيمات إلى الواجهة، في ظل الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. حثت واشنطن هذه الفصائل على الاستعداد لدخول الأراضي الإيرانية والاشتباك مع الجيش والحرس الثوري الإيراني، في تحرك أمريكي-إسرائيلي يهدف إلى إعادة استثمار الورقة الكردية ضد طهران ضمن الصراع الاستراتيجي متعدد الجبهات.
وقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدعم واشنطن للأكراد في مواجهة إيران، وهو ما استغله النظام الإيراني لتبرير نشاطه العسكري ضد قواعد الفصائل الكردية في إقليم كردستان العراق. وترى طهران أيضًا أن إسرائيل تسعى لفتح جبهات غير تقليدية بدعم هذه التنظيمات، ما يربط الملف الكردي بالخطاب الإعلامي والسياسي الموجه ضدها إقليميًا.
في هذا التقرير، نرصد بالتفصيل والتحليل خريطة الفصائل الكردية الإيرانية، سواء تلك التي لها عناصر داخل إيران أو التي تتخذ من كردستان العراق مقرًا لها.
أولاً: حزب الحياة الحرة
حزب الحياة الحرة الكردستاني، المعروف اختصارًا باسم PJAK، يعد أحد أبرز التنظيمات الكردية المسلحة التي تنشط ضد الدولة الإيرانية منذ مطلع الألفية الجديدة، إذ تأسس التنظيم عام 2004 في سياق إقليمي اتسم بتصاعد الحركات الكردية المسلحة في عدة دول من الشرق الأوسط، خصوصًا بعد التحولات التي أعقبت حرب العراق عام 2003 وما فتحته من مساحات سياسية وأمنية للحركات الكردية.
يطرح الحزب نفسه بوصفه حركة سياسية-عسكرية تسعى إلى الدفاع عن حقوق الأكراد داخل إيران، ويعلن أن هدفه يتمثل في تحقيق شكل من الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية للمناطق ذات الغالبية الكردية داخل الدولة الإيرانية، مستندًا في خطابه إلى فكرة أن الأكراد في إيران يعانون من تهميش سياسي واقتصادي وثقافي، وهو ما يجعله يبرر حمل السلاح باعتباره وسيلة ضغط لتحقيق مطالب سياسية تتعلق بالهوية والتمثيل السياسي والحقوق الثقافية.
من الناحية الأيديولوجية، يتبنى الحزب منظومة فكرية مستمدة بدرجة كبيرة من مفهوم "الكونفدرالية الديمقراطية"، وهي النظرية السياسية التي طورها الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في السنوات الأخيرة، والتي تقوم على فكرة الإدارة الذاتية المحلية، وبناء هياكل سياسية ومجتمعية تعتمد على مجالس محلية وقواعد شعبية بديلة عن نموذج الدولة القومية التقليدية.
ويمتزج هذا التوجه الفكري بنزعة يسارية وقومية كردية في الوقت ذاته، حيث يطرح الحزب نفسه كحركة تحرر قومي كردي تتبنى في خطابها عناصر من الفكر اليساري مثل المساواة بين الجنسين، والتنظيم المجتمعي القاعدي، والاقتصاد الاجتماعي، وهي مفاهيم تظهر بوضوح في أدبيات الحزب السياسية وفي هيكله التنظيمي.
على المستوى العسكري، يمتلك التنظيم بنية مسلحة منظمة، إذ يشكل جناحه العسكري الرئيسي ما يعرف باسم "وحدات شرق كردستان" (YRK)، وهي القوة التي تتولى تنفيذ العمليات المسلحة ضد القوات الإيرانية. تعمل هذه الوحدات وفق أسلوب حرب العصابات، مستفيدة من الطبيعة الجبلية الوعرة في المناطق الحدودية بين إيران والعراق، خصوصًا في سلسلة جبال قنديل التي تشكل معقلًا رئيسيًا لعدة فصائل كردية مسلحة في المنطقة.
إلى جانب هذا الجناح العسكري الرئيسي، أنشأ الحزب أيضًا جناحًا نسائيًا مسلحًا يعرف باسم HPJ، وهو انعكاس مباشر للتأثير الفكري والتنظيمي الذي يمارسه نموذج حزب العمال الكردستاني، حيث يحتل دور المرأة في العمل العسكري والسياسي مكانة بارزة داخل التنظيم.
تمركزات حزب الحياة الحرة
جغرافيًا، تتركز أنشطة الحزب في المناطق الجبلية الواقعة على الحدود الإيرانية العراقية، ولا سيما في جبال قنديل، التي تعد منطقة استراتيجية تستخدمها عدة تنظيمات كردية كمناطق خلفية للتدريب وإعادة الانتشار. ومن هذه المناطق الحدودية ينفذ مقاتلو الحزب عمليات تسلل إلى داخل الأراضي الإيرانية، خصوصًا في المحافظات ذات الغالبية الكردية، مثل محافظة كردستان ومحافظة كرمانشاه، وكذلك أجزاء من محافظة أذربيجان الغربية.
وتُعد هذه المناطق تاريخيًا من أبرز مناطق التوتر بين الحركات الكردية المسلحة والدولة الإيرانية، حيث شهدت منذ عقود مواجهات متقطعة بين قوات الحرس الثوري الإيراني ومقاتلين أكراد ينتمون إلى تنظيمات مختلفة.
أما من حيث طبيعة العمليات العسكرية التي ينفذها الحزب، فهي تعتمد بشكل أساسي على أساليب حرب العصابات، وهي استراتيجية عسكرية تقوم على الهجمات السريعة والانسحاب السريع بدل المواجهة التقليدية المباشرة. تشمل هذه العمليات تنفيذ كمائن ضد دوريات الحرس الثوري الإيراني في المناطق الجبلية والريفية، وزرع عبوات ناسفة على الطرق التي تستخدمها القوات الإيرانية، إضافة إلى عمليات تسلل عبر الحدود تستهدف مواقع عسكرية أو نقاط مراقبة. وغالبًا ما تتم هذه العمليات في مناطق وعرة يصعب على القوات النظامية السيطرة عليها بشكل كامل، ما يمنح مقاتلي الحزب قدرة نسبية على المناورة والانسحاب بعد تنفيذ الهجمات.
حجم التنظيم
فيما يتعلق بحجم التنظيم، يظل تقدير عدد مقاتليه مسألة صعبة نظرًا للطبيعة السرية للحركات المسلحة ولتفاوت التقديرات بين المصادر المختلفة، إلا أن معظم التقديرات المفتوحة المصدر تشير إلى أن عدد المقاتلين يتراوح تقريبًا بين ألف وثلاثة آلاف مقاتل. يشمل هذا الرقم العناصر المنتشرة في معسكرات التدريب في المناطق الجبلية الحدودية، وكذلك الخلايا التي قد تعمل داخل الأراضي الإيرانية. وتختلف هذه الأعداد من فترة إلى أخرى تبعًا للظروف الأمنية والسياسية، وكذلك لحجم المواجهات العسكرية مع القوات الإيرانية.
على الصعيد القانوني والدولي، يُدرج الحزب ضمن قوائم التنظيمات المصنفة كمنظمات إرهابية لدى عدد من الدول، حيث تصنفه كل من إيران وتركيا والولايات المتحدة كمنظمة إرهابية. يؤثر هذا التصنيف على قدرة الحزب على التحرك السياسي والدبلوماسي في الخارج، كما يمنح السلطات الإيرانية مبررًا قانونيًا لملاحقة عناصره وشن عمليات عسكرية ضده في المناطق الحدودية.
ثانيًا: الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني
يُعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، المعروف اختصارًا باسم KDPI أو PDKI، أحد أقدم التنظيمات السياسية الكردية التي دخلت في صراع مسلح مع الدولة الإيرانية، إذ يعود تأسيسه إلى عام 1945 في مدينة مهاباد، في سياق تاريخي ارتبط بمرحلة صعود الحركة القومية الكردية في المنطقة عقب الحرب العالمية الثانية.
لعب الحزب دورًا محوريًا في تجربة "جمهورية مهاباد" الكردية القصيرة، التي أعلنت عام 1946 في شمال غرب إيران بدعم سوفيتي، قبل أن تنهار بعد أقل من عام عقب انسحاب القوات السوفيتية ودخول الجيش الإيراني إلى المنطقة. منذ ذلك الوقت أصبح الحزب أحد أبرز الفاعلين في الحركة السياسية الكردية داخل إيران، واستمر نشاطه السياسي والعسكري بدرجات متفاوتة عبر العقود التالية، خصوصًا بعد الثورة الإيرانية عام 1979، عندما اندلعت مواجهات واسعة بين الفصائل الكردية المسلحة والقوات الإيرانية في المناطق الكردية.
أهداف الحزب
يطرح الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني برنامجًا سياسيًا يقوم أساسًا على المطالبة بالحكم الذاتي للمناطق الكردية داخل إطار الدولة الإيرانية، وهو مطلب يندرج ضمن الخطاب التقليدي للحركات القومية الكردية التي تسعى للاعتراف بالهوية الكردية ومنح الأكراد صلاحيات سياسية وإدارية أوسع داخل الدولة المركزية.
وعلى الرغم من أن الخطاب السياسي للحزب لا يركز رسميًا على مشروع الانفصال الكامل عن إيران، فإنه يطرح في بعض مراحله السياسية فكرة النظام الفيدرالي، باعتباره نموذجًا يمكن أن يوفر للأكراد إدارة ذاتية موسعة ضمن دولة إيرانية متعددة القوميات. تأتي هذه الطروحات في سياق محاولة الحزب تقديم نفسه كحركة سياسية قومية تسعى إلى حل سياسي لقضية الأكراد في إيران، إلى جانب احتفاظه بقدرة عسكرية تتيح له الضغط على السلطة المركزية.
يمتلك الحزب جناحًا عسكريًا، يُعرف باسم "قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني"، تشكّلت من مقاتلين أكراد شاركوا في مواجهات مسلحة ضد القوات الإيرانية منذ أواخر السبعينيات. تعتمد هذه القوة على مجموعات قتالية خفيفة تعمل في المناطق الجبلية، وفق النموذج الكردي التقليدي. ورغم تراجع العمليات العسكرية مقارنة بالثمانينيات والتسعينيات، إلا أن الحزب يحتفظ ببنية عسكرية منظمة قادرة على تنفيذ عمليات محدودة داخل المناطق الحدودية.
تتركز أنشطة الحزب جغرافيًا في المناطق الكردية بإيران، خاصة في محافظة كردستان، لكن بنيته التنظيمية والعسكرية تعتمد على قواعد خلفية في إقليم كردستان العراق، أبرزها مدينة كوية (شرق أربيل) ومقرات بأربيل نفسها، التي تحولت لمراكز لنشاط الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة. يمتلك الحزب وحدات عسكرية في معسكر آزادي ومنطقة ديگالا قرب كوية للتدريب والعمل العسكري. وتتمحور عملياته في هجمات محدودة ضد مؤسسات الدولة الإيرانية في المنطقة الكردية، تستهدف مقرات الشرطة المحلية وعناصر الحرس الثوري والمؤسسات الحكومية.
تعتمد عمليات الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني غالبًا على تكتيكات "الضرب والانسحاب" في المناطق الحدودية والجبلية، ويصف الحزب بعضها بـ "الدفاع الذاتي" ضد القوات الإيرانية، التي تعتبرها طهران تهديدًا للأمن الداخلي. عسكريًا، تتراوح تقديرات عدد مقاتلي الحزب (البيشمركة) بين 800 و1500 مقاتل، وهم منتشرون في معسكرات بإقليم كردستان العراق، مع وحدات صغيرة تنشط داخل إيران. هذا الحجم متوسط ويخضع للتغير حسب الظروف السياسية والأمنية.
سياسيًا، يتمتع الحزب بنفوذ وعلاقات خارجية، خاصة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي. يسعى الحزب الإيراني إلى الجمع بين العمل السياسي والعسكري، مقدمًا نفسه كحركة قومية تعمل لتحقيق حقوق الأكراد عبر الضغط السياسي والدبلوماسي، مع الحفاظ على قدرة عسكرية محدودة.
ثالثًا: حزب كومله الكردستاني
يُعد حزب كومله الكردستاني الإيراني أحد أبرز التنظيمات السياسية الكردية التي ظهرت في إيران عقب التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد بعد الثورة الإيرانية عام 1979، إذ تشكل الحزب ضمن موجة من الحركات الكردية التي حاولت إعادة تنظيم نفسها سياسيًا وعسكريًا في ظل الفراغ السياسي الذي أعقب سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية.
ومنذ نشأته ارتبط الحزب بالحركة اليسارية الكردية، التي سعت إلى الجمع بين المطالب القومية الكردية وبين خطاب اجتماعي وسياسي مستلهم من الفكر الاشتراكي، وهو ما جعله يختلف في بعض جوانبه عن التنظيمات الكردية الأخرى التي ركزت بشكل أكبر على البعد القومي فقط.
تبنى الحزب في بداياته أيديولوجية ماركسية واضحة، رابطًا النضال القومي الكردي بالطبقي، كحركة ثورية لتحقيق العدالة وحقوق الأكراد في إيران. لاحقًا، ومع تراجع الماركسية، عدّل خطابه نحو الديمقراطية الاجتماعية، مركزًا على الحريات وحقوق الإنسان والتعددية، مع إبقاء مطلب الاعتراف بالحقوق القومية الكردية.
يعتمد نشاط الحزب جغرافيًا وتنظيميًا على وجوده في إقليم كردستان العراق، خاصة في السليمانية وكوية والمناطق الحدودية مع إيران. يمتلك الحزب جناحًا عسكريًا من قوات البيشمركة، وهي وحدات قتالية خفيفة نموذجية للتنظيمات الكردية، تعمل في المناطق الجبلية الوعرة على الحدود الإيرانية-العراقية. تشير التقديرات إلى أن حجمه العسكري محدود نسبيًا، إذ يتراوح عدد مقاتليه بين 200 و1000، ويشمل البيشمركة القواعد والوحدات الحدودية، وتتأثر أعداده بالعوامل السياسية والأمنية مثل التوتر مع إيران وقدرة التجنيد. كما لعب حزب كومله دورًا سياسيًا مهمًا في تنسيق المعارضة الإيرانية الخارجية، خاصة بعد احتجاجات 2022، بهدف دعم الحراك الداخلي وإيصال مطالبه دوليًا.
منظمة كومله – منظمة كادحي كردستان
كومله – منظمة كادحي كردستان هي فصيل انبثق عن الحركة الكردية اليسارية الإيرانية نتيجة انشقاق داخل حزب كومله عام 2007، بسبب خلافات تنظيمية وسياسية حول القيادة والتوجهات. يقود التنظيم رضا كعبي.
يعتمد التنظيم على قواعد في إقليم كردستان العراق، وتحديدًا في السليمانية والمناطق المحيطة بها، حيث تُعد هذه المدينة مركزًا لأحزاب كردية إيرانية معارضة بفضل بيئة سياسية مواتية. من هذه القواعد يدير التنظيم أنشطته السياسية والإعلامية وجوانبه العسكرية.
من حيث التوجه الأيديولوجي، يجمع التنظيم بين النزعة القومية الكردية وبعض العناصر الفكرية المرتبطة باليسار السياسي، وهو امتداد للتقاليد الفكرية التي طبعت حركة كومله الأصلية منذ نشأتها بعد الثورة الإيرانية عام 1979. يعكس هذا التوجه محاولة الجمع بين خطاب يدافع عن الحقوق القومية للأكراد في إيران وبين طرح اجتماعي وسياسي مستوحى من أفكار اليسار الديمقراطي، مع الابتعاد تدريجيًا عن الطابع الماركسي الصارم الذي ميز بعض الحركات الكردية اليسارية في مراحل سابقة.
وعلى الرغم من تركيزه على العمل السياسي المعارض، يحتفظ التنظيم أيضًا بجناح مسلح ضمن هيكله التنظيمي، وهو أمر شائع بين الأحزاب الكردية الإيرانية التي تجمع بين النشاط السياسي والعمل العسكري المحدود. يشمل نشاط هذا الجناح العسكري عمليات تدريب للمقاتلين داخل القواعد الموجودة في إقليم كردستان العراق، إضافة إلى بعض الأنشطة العسكرية المحدودة التي قد تتم داخل الأراضي الإيرانية أو بالقرب من الحدود.
حزب حرية كردستان
يمثل حزب حرية كردستان (باك) نموذجًا مختلفًا بين فصائل المعارضة الكردية المسلحة في إيران، إذ يدعو بوضوح إلى استقلال المناطق الكردية الإيرانية. يقوده حسين يزدان بنا، وقد تأسس الحزب في سياق إقليمي يشهد صعودًا للخطاب القومي الكردي، خاصة بعد تطورات العراق وظهور كيانات كردية شبه مستقلة في الجوار.
أيديولوجيًا، يقوم الحزب على أساس قومي كردي واضح، حيث يطرح مشروعًا سياسيًا يهدف إلى إقامة كيان كردي مستقل في المناطق الكردية داخل إيران، وهو موقف يجعله يتبنى خطابًا أكثر راديكالية مقارنة ببعض الأحزاب الكردية الأخرى التي تركز على الحكم الذاتي أو الفيدرالية داخل الدولة الإيرانية. يرى الحزب أن القضية الكردية في إيران لا يمكن حلها ضمن إطار النظام السياسي القائم، وهو ما يدفعه إلى تبني فكرة الاستقلال كخيار استراتيجي بعيد المدى.
من الناحية العسكرية، يمتلك الحزب جناحًا مسلحًا يعرف باسم "صقور حرية كردستان الشرقية" (HAK-R)، وهو التشكيل الذي يتولى تنفيذ الأنشطة العسكرية المرتبطة بالحزب. تعمل هذه القوة وفق نموذج التنظيمات المسلحة الكردية التي تعتمد على وحدات قتالية خفيفة الحركة يمكنها العمل في المناطق الجبلية والحدودية. جغرافيًا، يتمركز الحزب في إقليم كردستان العراق، حيث توجد قواعده الأساسية في مدينة أربيل وبعض المناطق الواقعة ضمن نطاق نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي.
منظمة خبات كردستان الإيرانية
تعد منظمة خبات كردستان الإيرانية من التنظيمات الكردية المعارضة التي تأسست في مرحلة مبكرة نسبيًا من تاريخ الصراع بين الدولة الإيرانية والحركات الكردية المسلحة، إذ يعود تأسيسها إلى عام 1980، في أعقاب الثورة الإيرانية، وهي فترة شهدت تصاعدًا كبيرًا في النشاط السياسي والعسكري للأحزاب الكردية في المناطق الغربية من إيران.
ومنذ نشأتها قدمت المنظمة نفسها كحركة كردية معارضة تسعى إلى الدفاع عن حقوق الأكراد داخل إيران، مع تبني خطاب يجمع بين القومية الكردية وبعض التأثيرات الإسلامية. يختلف هذا التنظيم عن بعض الحركات الكردية اليسارية في الفترة نفسها، إذ يجمع في خطابه بين الهوية القومية الكردية وبعض المرجعيات الإسلامية، وهو ما يجعله أقرب إلى نموذج الحركات القومية ذات الخلفية الدينية أو المحافظة مقارنة بالتنظيمات اليسارية التي سيطرت على جزء كبير من الحركة الكردية الإيرانية خلال الثمانينيات.
وقد انعكس هذا التوجه في تحالفاته وعلاقاته السياسية خلال العقود الماضية، حيث تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن المنظمة أقامت علاقات تعاون مع منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في مراحل معينة من نشاطها، في إطار شبكة أوسع من العلاقات بين أطراف المعارضة الإيرانية في الخارج، بهدف تنسيق المواقف أو التعاون في مواجهة الدولة الإيرانية.
تُعدّ "خبات" أصغر نسبيًا في الحجم والتأثير العسكري مقارنة بأحزاب كردية أخرى، لكنها تحتفظ بقدرة مسلحة محدودة. يعكس حجمها الضيق طبيعة التنظيمات الكردية الإيرانية التي تعتمد على العمل في نطاقات جغرافية ضيقة وعلى قواعد خلفية خارج إيران، ورغم محدوديتها، تمثل "خبات" جزءًا من المشهد الأوسع للحركات الكردية المسلحة المعارضة لإيران، والمتميزة بتعدد التنظيمات وتفاوت الأيديولوجيات (قومية، يسارية، دينية).
تحالف جديد
في سياق التحولات التي تشهدها المعارضة الكردية الإيرانية في الخارج، برز في مطلع عام 2026 تطور مهم تمثل في إعلان عدد من الأحزاب والتنظيمات الكردية الإيرانية المسلحة تشكيل إطار تنسيقي مشترك يحمل اسم "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران"، وهو تحالف سياسي–عسكري يهدف إلى جمع عدد من الفصائل الكردية المعارضة لإيران ضمن منصة مشتركة للتنسيق السياسي والعسكري.
وقد جاء الإعلان عن هذا التحالف في فبراير 2026 في ظل ظروف إقليمية وسياسية معقدة، من بينها استمرار التوترات داخل إيران بعد موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد منذ عام 2022، إضافة إلى تصاعد الخطاب المعارض في الخارج ومحاولات عدد من القوى الإيرانية المعارضة بناء شبكات تنسيق جديدة فيما بينها.
ضم التحالف في بدايته تنظيمات كردية معارضة لإيران، أبرزها: حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) النشط على الحدود، الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) الأقدم، حزب حرية كردستان (PAK) القومي المتشدد الداعي للاستقلال، منظمة خبات الكردستانية الإيرانية ذات التوجه القومي والإسلامي، وبعض فصائل حركة كومله اليسارية التي ظهرت بعد الثورة الإيرانية عام 1979.
في البداية، لم تشارك كل فصائل "كومله" في الإطار التنسيقي بسبب الانقسامات. لاحقًا، انضم الحزب الرئيسي من الحركة، مما عزز مكانته السياسية كقوة تاريخية داخل المعارضة الكردية الإيرانية. يهدف التحالف إلى تجاوز تشتت الحركة الكردية المعارضة عبر العقود، الناجم عن خلافات تنظيمية وأيديولوجية، ويسعى لتنسيق العمل السياسي والعسكري للاستفادة مما تعتبره فرصة مرتبطة بالتحولات الداخلية في إيران والاهتمام الدولي بقضايا الأقليات.
أما على مستوى الأهداف المعلنة، فيتمحور التحالف حول ثلاثة محاور رئيسية تشكل الإطار العام لعمله المشترك. يتمثل المحور الأول في تنسيق العمل العسكري بين الفصائل المسلحة المختلفة، أما المحور الثاني فيتعلق بتوحيد العمل السياسي للمعارضة الكردية الإيرانية، حيث يهدف التحالف إلى صياغة خطاب سياسي أكثر انسجامًا يمكن تقديمه على المستوى الدولي والإقليمي، أما الهدف الثالث فيتمثل في دعم ما تصفه هذه التنظيمات بحق تقرير المصير للأكراد في إيران.
أماكن الانتشار
يتسم انتشار الفصائل الكردية المسلحة المعارضة لإيران بطبيعة مزدوجة تجمع بين وجود محدود داخل الأراضي الإيرانية وبين تمركز رئيسي في قواعد خارجية تقع في إقليم كردستان العراق.
ففي داخل إيران، لا تمتلك هذه التنظيمات بنية عسكرية تقليدية واسعة الانتشار، بل تعتمد غالبًا على شبكات صغيرة وخلايا محدودة العدد تعمل بأسلوب غير مركزي. ويأتي هذا النمط من العمل نتيجة الضغوط الأمنية الكبيرة التي تمارسها المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية، وخاصة قوات الحرس الثوري، في المناطق الكردية غرب البلاد.
ولذلك تعتمد هذه الفصائل على أساليب حرب العصابات والتسلل عبر الحدود بدل الوجود العسكري المكشوف، حيث تتحرك مجموعات صغيرة من المقاتلين عبر المناطق الجبلية الوعرة التي تمتد على طول الحدود الإيرانية–العراقية، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة التي تجعل السيطرة الأمنية الكاملة أمرًا صعبًا.
وتتركز الأنشطة داخل إيران بشكل رئيسي في عدد من المحافظات التي تضم نسبة كبيرة من السكان الأكراد أو تقع على مقربة من الحدود العراقية. وتشمل هذه المحافظات محافظة كردستان، التي تعد من أهم المناطق ذات الغالبية الكردية في البلاد، إضافة إلى محافظة كرمانشاه التي تمتد عبر مناطق جبلية واسعة في غرب إيران، وكذلك محافظة أذربيجان الغربية التي تضم عدة مدن ومناطق كردية على الحدود مع العراق وتركيا. كما يظهر نشاط محدود في محافظة إيلام الواقعة جنوب هذه المناطق، حيث تسمح الطبيعة الجغرافية الجبلية والحدودية بمرور مجموعات مسلحة عبر الحدود في بعض الفترات.
في هذه المناطق، تعتمد الفصائل عادة على تنفيذ عمليات محدودة مثل الكمائن أو الهجمات السريعة على نقاط أمنية قبل الانسحاب، وهو نمط من العمليات يرتبط بطبيعة حرب العصابات التي تعتمد على الحركة السريعة وتجنب المواجهات المباشرة طويلة الأمد.
في المقابل، فإن الوجود الفعلي الأكبر لهذه التنظيمات يوجد خارج الأراضي الإيرانية، وتحديدًا في إقليم كردستان العراق، الذي أصبح منذ عقود قاعدة رئيسية لمعظم الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة. ففي هذا الإقليم، تتمركز المكاتب السياسية لهذه الأحزاب، وكذلك معسكرات التدريب ومقار الإقامة الخاصة بالمقاتلين. تنتشر هذه القواعد في عدد من المناطق الجبلية والبلدات القريبة من الحدود الإيرانية، ومن أبرزها سلسلة جبال قنديل التي تشكل منطقة استراتيجية تستخدمها عدة فصائل كردية مسلحة في المنطقة. كما توجد قواعد أخرى في مناطق مثل كوية، التي تحولت إلى مركز مهم لعدد من الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، إضافة إلى مناطق سورداش وزركويز الواقعتين في محيط السليمانية. كذلك تمتلك بعض هذه التنظيمات وجودًا سياسيًا وتنظيميًا في مدينتي أربيل والسليمانية، وهما المدينتان الرئيسيتان في إقليم كردستان العراق.
كيف ترى إيران ملف الأكراد المسلحين؟
تعتبر إيران ملف الفصائل الكردية المسلحة المعارضة شديد الحساسية ومهددًا لتماسكها. يصف الأكاديمي الإيراني عماد أبشناص الملف بأنه من أعقد القضايا الأمنية لتداخله القومي والإقليمي والدولي. ويدعو أبشناص لتجاوز البعد الأمني لفهمه، رابطًا إياه بالسياق التاريخي للقضية الكردية (بدءًا بجمهورية مهاباد 1946)، وعلاقة الدولة بالأقليات، وتأثير ظهور إقليم كردستان العراق بعد 2003.
رغم قِدَم الحركة الكردية التي تطالب بالحكم الذاتي أو الاستقلال، إلا أنها ضعيفة تاريخيًا بسبب انقسامها. المشهد الحالي متعدد ومنقسم، ويضم تنظيمات مختلفة الأيديولوجيا والمطالب، مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب حرية كردستان، وفصائل من كومله.
يرى أبشناص أن العامل الأهم لنشاط هذه التنظيمات هو موقعها الجغرافي، إذ تعتمد على قواعد خلفية في كردستان العراق، مستغلة الطبيعة الجبلية والوضع السياسي الخاص للإقليم لتنفيذ عمليات محدودة داخل إيران (تسلل وحرب عصابات ضد مواقع عسكرية من قواعدها الحدودية).
القوة العسكرية لهذه التنظيمات محدودة نسبيًا (بضعة آلاف مقاتل)، وهي لا تشكل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا، لكنها مصدر إزعاج أمني دائم، خاصة في المناطق الحدودية وخلال التوترات الداخلية.
تعتمد تكتيكاتهم على أساليب الحرب غير النظامية، مثل الكمائن والهجمات الخاطفة وزرع العبوات الناسفة، وهي عمليات محدودة التأثير والحجم غالبًا، لكنها تخدم أبعادًا رمزية وسياسية لإظهار استمرار وجودها وقدرتها على العمل داخل الأراضي الإيرانية.
يشير أبشناص إلى أن من التطورات البارزة محاولات بعض التنظيمات الكردية الإيرانية تجاوز خلافاتها وتشكيل أطر مشتركة، مثل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران" عام 2026، مما يعكس إدراكها أن الانقسام يضعف تأثيرها. لكنه يؤكد أن الوحدة الحقيقية تظل معقدة بسبب التباينات الأيديولوجية والتنافس.
ويضيف أن القضية الكردية في إيران مرتبطة بالتوازنات الإقليمية. فوجود هذه الفصائل في كردستان العراق يضعها ضمن شبكة معقدة من العلاقات تشمل الحكومة العراقية وإقليم كردستان وإيران وتركيا. كما يشير إلى أن الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني يؤثر على المشهد الكردي الإيراني، خاصة بالنسبة للتنظيمات المرتبطة به فكريًا أو تنظيمياً.
يتهم مسؤولون إيرانيون أطرافًا خارجية باستغلال الفصائل الكردية المسلحة للضغط على إيران، وهو اتهام متكرر في الخطاب الإيراني، خاصة في فترات التوتر مع أمريكا أو إسرائيل. لكن أبشناص يرى أن معظم هذه الاتهامات جزء من السجال السياسي والإعلامي الإقليمي، ويجب تقييمها بموضوعية.
ويؤكد أن الحل طويل الأمد لملف الفصائل الكردية يجب أن يتجاوز الجانب الأمني ليشمل معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المناطق الكردية الإيرانية، التي تعاني من مشكلات تنموية وبطالة عالية، مما يهيئ بيئة لاستغلالها من قبل الحركات المعارضة.
ويرى أن الملف الكردي سيظل تحديًا مستمرًا لإيران، لكن قدرة الفصائل على إحداث تغيير كبير محدودة بسبب التفوق الأمني والعسكري للدولة والانقسامات الداخلية. ومع ذلك، يحذر من أن تجاهل البعد السياسي للقضية قد يزيد التوترات، مما يستدعي تبني مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والحوار السياسي.