تطالب مصر بتسريع صرف الشريحة الثانية من حزمة الدعم المالي لمصر التي تعهد بها الاتحاد الأوروبي ضمن اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة فرضتها تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وتأتي المطالب بتسريع الدعم المالي لمصر في وقت تسعى فيه القاهرة إلى تخفيف الضغوط على الموازنة العامة بعد خروج مليارات الدولارات من الاستثمارات قصيرة الأجل وتراجع قيمة العملة المحلية، إضافة إلى تصاعد أعباء داخلية مرتبطة باستضافة ملايين اللاجئين والمقيمين من دول تشهد نزاعات وأزمات سياسية في المنطقة.
في هذا السياق، كثفت الدبلوماسية المصرية اتصالاتها مع مسؤولين أوروبيين بارزين لبحث سبل تسريع تحويل الشريحة الثانية من الدعم، والتي تندرج ضمن حزمة تمويلية أوسع، وتطرح القاهرة هذا الطلب في إطار رؤية تعتبر أن استقرارها الاقتصادي يمثل جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بأمن الطاقة والهجرة والاستقرار الإقليمي.
تحركات مصرية لتسريع الدعم الأوروبي
خلال نهاية الأسبوع الماضي أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات مع كل من الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، ومفوضة الاتحاد الأوروبي للمتوسط دوبرافكا سويتشا.
وركزت اتصالات رئيس الدبلوماسية المصرية مع المسؤولين الأوروبيين على قضية واحدة تمثلت في "تسريع تحويل الشريحة الثانية من حزمة الدعم الكلي المقدمة لمصر لدعم الموازنة المصرية للتعامل مع التداعيات الوخيمة للتصعيد العسكري الحالي على الأوضاع الاقتصادية في المنطقة".
مصدر مصري مطلع أوضح أن المطالب المصرية تأتي بعد أن كان مقرراً صرف دفعة من الشريحة الثانية من الدعم المالي الأوروبي لمصر والمقدرة بـ4 مليارات يورو خلال شهر مارس/ آذار 2026، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي قام بالفعل بتحويل مليار يورو في نهاية يناير الماضي عقب زيارة قامت بها كايا كالاس إلى القاهرة.
وكان مقرراً، وفق مصدر "عربي بوست"، تحويل مليار يورو مطلع شهر مارس/ آذار 2026 ودفعة ثالثة قبل منتصف العام نفسه، إلا أن القاهرة طلبت صرف المبلغ كاملاً للتعامل مع تداعيات الحرب التي أثرت اقتصادياً بشكل سلبي، مع تراجع قيمة الجنيه وخروج ما يقرب من 7 مليارات دولار من الأموال الساخنة.
المصدر نفسه أشار إلى أن القاهرة تراهن على العلاقات الثنائية القوية التي تجمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بعدد من القادة الأوروبيين، إضافة إلى الإطار المؤسسي الذي توفره الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، من أجل تسريع تحويل الشريحة الثانية بما يحقق مصالح أمنية واستراتيجية مشتركة.
وتنظر مصر إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره شريكاً مهماً اقتصادياً واستثمارياً وسياسياً، خصوصاً في ظل التداعيات السلبية للحرب الإقليمية. كما لفت المصدر إلى أن القاهرة تتلقى عادة تأكيدات من الجانب الأوروبي بأن تأخير صرف شرائح الدعم المالي يعود في الغالب إلى إجراءات بيروقراطية داخل مؤسسات الاتحاد، وهو ما تسعى الاتصالات المصرية الحالية إلى تجاوزه وتسريع مساره.
الحرب على إيران وزيادة الضغط على مصر
المصدر المصري الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه أوضح أن القاهرة أبلغت شركاءها الأوروبيين بأن لديها أعباء إضافية نتيجة تراجع التمويل المقدم إلى مفوضية اللاجئين، التي كانت تلعب دوراً مساهماً في تخفيف الأعباء عن الدولة المصرية.
كما أشار إلى أن الحرب الإيرانية قد تسهم في وصول مزيد من الوافدين إلى مصر في حال تبددت آمال إنهاء صراعات دول الجوار، خاصة الأزمة السودانية التي تراجعت على مستوى الاهتمام الدولي بفعل التركيز على تطورات الحرب الإيرانية، وكذلك الأوضاع في غزة التي تقترب من كارثة إنسانية.
الجانب المصري حذر أيضاً من أن التداعيات الاقتصادية السلبية للحرب يمكن أن تؤدي إلى زيادة معدلات الهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا، وهو ما قد يحدث بصورة غير مباشرة عبر الأراضي الليبية وصولاً إلى الشواطئ الأوروبية في جنوب القارة.
في المقابل، نقل المصدر أن الاتحاد الأوروبي أعرب لمصر عن مخاوف تتعلق بتأثير الأزمات الاقتصادية الدولية الحادة في هذا التوقيت، وانعكاساتها على مشكلات مزمنة في شرق المتوسط، بينها تسارع حركة المهاجرين غير الشرعيين وتعقيد الصراعات المفتوحة في المنطقة.
كما أبدى الأوروبيون قلقهم من أن يؤدي توجيه الاهتمام الأمني نحو قضايا الأمن الداخلي أو أمن الحدود البرية إلى إضعاف التركيز على الأمن البحري، وهو المسار الذي تصل منه الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.
الضغوط الاقتصادية التي تواجه مصر لا ترتبط بالحرب الحالية فقط، بل أيضاً بتداعيات متراكمة لأزمات إقليمية ودولية، فالتوترات في البحر الأحمر واضطرابات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وزيادة تكاليف الشحن والتأمين البحري كلها عوامل أثرت على حركة التجارة والاستثمار، وهو ما انعكس بدوره على الاقتصاد المصري.
ما الذي تنتظره مصر من الاتحاد الأوروبي؟
تناول الاتصال الذي جمع عبد العاطي وكايا كالاس الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي وسبل تعزيزها وتطويرها إلى آفاق أرحب، مع الإشادة بما تشهده العلاقات بين الجانبين من تطور على مختلف الأصعدة، لا سيما منذ انعقاد القمة المصرية الأوروبية الأولى في أكتوبر الماضي.
في هذا السياق شدد وزير الخارجية المصري على أهمية مواصلة العمل لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري مع الاتحاد الأوروبي في مختلف القطاعات، مؤكداً أهمية سرعة تحويل الشريحة الثانية من حزمة الدعم الكلي المقدمة لمصر لدعم الموازنة المصرية.
وأوضح عبد العاطي أن الهدف هو التعامل مع التداعيات الوخيمة للتصعيد العسكري الحالي على الأوضاع الاقتصادية في المنطقة والعالم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وزيادة نفقات الشحن والتأمين البحري وما يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على الاقتصاد المصري.
الاتصال تطرق أيضاً إلى المستجدات الإقليمية في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة واتساع رقعة الصراع وامتداده إلى دول عديدة. واتفق الجانبان على الحاجة الملحة للتحرك المشترك لإنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن وضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لوضع تصور عملي لإنهاء النزاع قبل أن تتسع دائرة الصراع.
وأكد الطرفان أهمية مواصلة التنسيق المشترك بين مصر والاتحاد الأوروبي لخفض التصعيد والدفع بالمسار الدبلوماسي والحلول السياسية، في إشارة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه القاهرة في الوساطة الإقليمية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بغزة وليبيا والسودان.
4 مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي لمصر
تبلغ قيمة الشريحة الثانية من حزمة الدعم المالي الأوروبي لمصر 4 مليارات يورو، ضمن حزمة تمويل استراتيجية شاملة تهدف إلى دعم الاقتصاد الكلي والموازنة العامة، وقد اعتمد البرلمان الأوروبي هذه الشريحة في أبريل/ نيسان 2025 كجزء من شراكة أوسع بقيمة 7.4 مليار يورو لدعم مصر حتى عام 2027.
العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي لا تقتصر على الدعم المالي، إذ تشمل ملفات تعاون واسعة، أبرزها مواجهة الهجرة غير الشرعية وتوفير الطاقة ومكافحة الإرهاب والتحول الرقمي والتنمية المستدامة والاستثمارات. كما شهد التبادل التجاري بين الطرفين نمواً ملحوظاً، إذ سجل 21.4 مليار دولار خلال الأشهر 8 الأولى من عام 2025 وفقاً لآخر إحصاءات حكومية مصرية.
مصدر دبلوماسي مصري أوضح لـ"عربي بوست" أن التوترات الحالية في المنطقة تجعل الدعم المالي الأوروبي لمصر أكثر أهمية في الوقت الراهن، خصوصاً في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي بعد اندلاع الحرب الإيرانية وتصاعد الأزمات في الشرق الأوسط.
وأضاف أن الدعم المالي يعد جزءاً من الشراكة المصرية الأوروبية التي تمثل أحد الأعمدة الرئيسية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط وفي حوض البحر المتوسط. وأشار إلى أن هناك استفادة متبادلة بين الطرفين، إذ تتمتع مصر بموقع استراتيجي يجعلها محوراً رئيسياً في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.
هذا الموقع يكتسب أهمية إضافية لكون مصر تشرف على قناة السويس، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما يكتسب أهمية أكبر في ظل اضطرابات الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة مع الغموض الذي يحيط بمضيق هرمز بعد استهداف سفن تجارية.
كما تتجه الدول الأوروبية إلى الاعتماد بشكل أكبر على اللوجستيات المصرية لنقل النفط الخليجي إلى أوروبا، إضافة إلى نقل المنتجات الأوروبية إلى دول الخليج.
ولفت المصدر إلى أن الاتحاد الأوروبي يضع في اعتباره الدور الذي تضطلع به مصر في إدارة عدد من الأزمات الإقليمية، بما في ذلك الأوضاع في قطاع غزة والأزمات في ليبيا والسودان، وهو ما يجعلها شريكاً أساسياً في دعم الاستقرار الإقليمي ومواجهة تحديات الإرهاب والهجرة غير النظامية.
عبء اللاجئين والحسابات الاقتصادية والسياسية
يشكل ملف اللاجئين أحد أهم العوامل التي تستند إليها القاهرة في مطالبتها بتسريع الدعم المالي الأوروبي، فبحسب تقديرات رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي تبلغ التكلفة المباشرة لاستضافة أكثر من 9 ملايين شخص ما بين لاجئ ومقيم بسبب ظروف عدم الاستقرار في بلدانهم أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً.
وتشير تقديرات حكومية مصرية ودولية إلى أن أعداد اللاجئين والأجانب المقيمين على الأراضي المصرية تتجاوز 9 ملايين شخص ينتمون إلى نحو 133 دولة، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تتحمله الدولة المصرية على مستوى الخدمات العامة والبنية التحتية.
تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في يناير الماضي كشف أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها والمقيمين في مصر حتى 31 ديسمبر 2025 بلغ 1,098,311 لاجئاً وطالب لجوء ينتمون إلى نحو 60 جنسية مختلفة.
التقرير أوضح كذلك أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء الذين تم تسجيلهم خلال عام 2025 فقط وصل إلى 299000 شخص، وكان للسودانيين النصيب الأكبر بينهم، خاصة بعد اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل/ نيسان 2023، إذ بلغ عدد السودانيين المسجلين لدى المفوضية في مصر 834,201 لاجئاً وطالب لجوء.
في ضوء هذه المعطيات تؤكد القاهرة أن دعمها اقتصادياً لا يخدم احتياجاتها الداخلية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز قدرتها على الاستمرار في أداء دورها كركيزة للاستقرار في منطقة تعاني مستويات غير مسبوقة من التوترات. وترى أن هذا الدعم يمثل في جوهره استثماراً استراتيجياً في استقرار جنوب المتوسط، حيث إن استقرار مصر يشكل مصلحة مشتركة للطرفين.
كما أن تكثيف الاتصالات بين القاهرة وبروكسل يأتي في وقت تتجاوز فيه العلاقات بين الطرفين إطار التعاون التقليدي لتتحول إلى شراكة استراتيجية متكاملة، وهو تحول يعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً لأهمية مصر في معادلات الأمن والطاقة والهجرة في المنطقة.